عادوا إلى مسلسل التفاوض.. هل يستطيعون أكثر؟

مكرر

بقلم: صالح عوض

ما الذي يجعل مسئول ملف الشئون الإدارية الفلسطيني يذيع نبأ عودة العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى سابق عهدها بعد وصول رسالة منه وهو في حالة نشوى كأنه جاء بخبر النصر المبين!!؟ 

بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي ترمب عن تدشينه صفقة القرن بالاعتراف بضم الكيان الصهيوني للقدس تداعى الفلسطينيون من شتى الفصائل وظن البعض أنها لحظات تاريخية ترجع الفعل الفلسطيني إلى سابق قوته كما فعلت لقاءات المصالحة في الجزائر في 1986 وأعقبتها الانتفاضة المجيدة في 1987.. 

ارتفعت الأصوات بشعارات كبيرة عن المرحلة القادمة التي لن يكون فيها تنسيق أمني، ورفض استلام أموال المقاصة الضريبية، والدعوة إلى مقاومة شعبية، والتفاهم على انتخابات إلى درجة بلوغ التفاؤل بتشكيل قائمة موحدة بين فتح وحماس.. 

وفي لحظة وبمجرد وصول ورقة من الطرف الصهيوني، أصبحت تفاهمات الوحدة الفلسطينية في خبر كان!!

 

الفلسطينيون والأمريكان:

رحلة طويلة سارها الساسة الفلسطينيون في مفاوضات سرية وعلنية مع الأمريكان رغم أنه لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي إلا في 1986 عندما تم تدشين حوار إستراتيجي في تونس بين منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بوفد يقوده ياسر عبدربه والإدارة الأمريكية ممثلة بوفد بقيادة سفير أمريكا بتونس وذلك على قاعدة الإقرار بالقرارات الدولية لاسيما قرار 242.. أي بدأ علنيا التعامل مع أرض فلسطين المحتلة في  1967 وهي ما يمثل 20 بالمائة من أرض فلسطين لتصبح هي مجال التفاوض للانسحاب الصهيوني وحل الدولتين وتم التراجع الفلسطيني رسميا عن قرار أممي سابق وهو قرار التقسيم الذي بموجبه أعلنت الأمم المتحدة اعترافها بالدولة الصهيونية على ما يقارب 50 بالمائة من أرض فلسطين

واستمرت مكوكية المفاوضات الفلسطينية الأمريكية حتى تلاشت بعد أن وصلت إلى سراب واقتراحات من التفاصيل السراب و بعدها انطلقت الانتفاضة الفلسطينية لتمنح الفلسطينيين شرطا قوة إضافية.. لقد أرادت الإدارة الأمريكية من فتح باب المفاوضات مع الفلسطينيين حشد الموقف العربي خلف موقف الاعتراف بشرعية وجود الدولة العبرية على أرض فلسطين على حدود 1967. 

قدم جورج بوش الأب مقترحا لمؤتمر سلام في مدريد شاركت فيه الوفود العربية السورية والأردنية والفلسطينية، بعد العدوان الأمريكي الثلاثيني على العراق.. وكانت مفاوضات عبثية انتقلت من مدريد الى واشنطن بلا أفق وحينها حاولت قيادة المنظمة اختراق الجمود بعقد لقاءات مكثفة مع قيادات صهيونية في أوسلو أفضت إلى ما عرف باتفاقية أوسلو التي تم تمريرها في اللجنة المركزية لحركة فتح بصعوبة بالغة وتصدت لها كل الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية.. التقطت الإدارة الأمريكية التي فوجئت بالاتفاقية المبادرة وعقدت للتوقيع عليها حفلا في البيت الأبيض.. وحسبت تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس فإن الأمريكان افشلوا الاتفاق وساروا به في مسالك العبث لتضييعه تماما.. رغم ذلك ظلت أعين الساسة الفلسطينيين على تفصيلات الموقف الأمريكي ومسرته ورغم أنه يكرر لعبته السمجة قبل الانتخابات بالالتزام بحل الدولتين وحل سلمي للقضية الفلسطينية الا أنه بعد الانتخابات يسير في اتجاه آخر تماما.. كانت الرحلة مع كلينتون وبوش وأوباما وترمب والآن بايدن.. فكلينتون فتح أبواب البيت الأبيض لياسر عرفات أكثر مما فتحها لأي رئيس عربي وفي النهاية اقترح عليه تحويل المسجد الأقصى الى متنزه يدر من الأموال الكثير وعندما تصدى له عرفات أعلن أن رئيس المنظمة ليس ناضجا لمستوى تحقيق السلام وأخرجه من المربع السياسي والتداعيات معلومة أما بوش الابن فلقد كان خطابه الشهير قبل العدوان على العراق بأنه يتطلع لقيادة فلسطينية جديدة يسير معها خلال 5 سنوات إلى قيام دولة فلسطينية على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة.. و بعد عدوانه على العراق أعلن ان الرب ابلغه ضرورة ان يحتل أفغانستان وقد فعل وبعد ذلك ابلغه ان يحتل العراق وفعل وهو الآن يأمره بإقامة دولة فلسطينية وسيفعل.. لكن يبدو أن ربه هذه المرة كان مازحا فسار بوش الابن إلى الإشراف على قتل ياسر عرفات العقبة الكأداء أمام إقامة دولة فلسطينية!!.. عندما جاء أوباما وزار رام الله والتقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أطلعه على المبادرة العربية التي وقعت عليه الدول العربية والإسلامية التي تمنح الاعتراف والتطبيع الشامل مقابل السلام والدولة الفلسطينية قال أوباما: اذا لم يقبل الإسرائيليين بهذه المبادرة يكونوا مجانين فبلغ التفاؤل الفلسطيني ذروته ولكن الرئيس الأمريكي كان قد جاء لمهمة إستراتيجية وهي تفتيت الوطن العربي بما سمى بالربيع العربي.. وجاء ترمب والتقاه رئيس السلطة في واشنطن وتباحث الوفدان وفوجئ ترمب من مدى تساهل الفلسطينيين ومرونتهم فهمّ بإعلان موافقته على المقترح الفلسطيني لولا أن بعض مستشاريه أوحى له بضرورة التريث وذلك حسب ما ذكر الرئيس الفلسطيني.. ثم اكتملت قصة ترمب بما نعرف حيث أعطى الحكومة الصهيونية الإشارة والدعم للانطلاق في أكبر عملية استيطان تلتهم أراض الضفة الغربية وتفرغ السلطة الفلسطينية من صلاحياتها الإدارية فضلا عن فقدانها لصلاحياتها السيادية.. قطع الفلسطينيون العلاقة الرسمية بالإدارة الأمريكية ورفضوا صفقة القرن والتعاطي مع الوقائع التي يريد ترمب فرضها من خلال حصاره للسلطة وإيقاف المساعدات المالية وإغلاق مكتب منظمة التحرير وكذلك من خلال ممارسة الضغط بواسطة الأنظمة العربية.. وهنا لابد من التذكير بأن العلاقات الأمنية بين السلطة وأجهزة الاستخبارات الأمريكية لم تتوقف لذا استمر تدفق أموال المساعدات لها.. والآن يأتي بايدن الديمقراطي رافضا طريقة ترمب في صفقة القرن وواعدا بعودة المساعدات والسير في مفاوضات حل الدولتين.. يدرك الصهاينة كيفية التعامل مع الرؤساء الأمريكان ويفهمون جيدا روح الإستراتيجية الأمريكية فبادروا بالإجابة على سؤال قديم عن استعدادهم للالتزام بالاتفاقات الموقعة إنهم ملتزمون فأعلنت السلطة عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل القطيعة.

أخطاء جوهرية:

وقع الرسميون الفلسطينيون في أخطاء سياسية جوهرية وهم يسعون الى تسوية مع العدو الصهيوني.. فلقد سبق أن أعلنوا استعدادهم لحل سياسي في سنة 1974 في البرنامج المرحلي ذي النقاط العشر.. إلا أنهم لم يحددوا بالضبط على أي مرتكز يرتكزون وأي مرجعية يلتزمون في التسوية.. جاء السادات فتصدوا له بعنف مع أنهم سيكتشفون بعد عشرين سنة أنه كان يقترح عليهم حلا أفضل من أوسلو وسيكون هو ضامنه.. ومع ذلك يمكن تلخيص الأخطاء الجوهرية في عدة نقاط:

أولا: انصرافهم عن قرار التقسيم الذي تم بموجبه اعتراف الأمم المتحدة بقيام دولة إسرائيل و هو المرجعية القانونية الوحيدة التي يستند لها القادة الصهاينة في تقديم دولتهم في المستويات الدولية.. وقرار التقسيم الذي يمنح الصهاينة ما يقارب 50 بالمائة من ارض فلسطين يبقي على النصف الآخر لدولة فلسطينية مع حقوق لاحقة بقرارات دولية تضمن حق عودة من تم تهجيره وسوى ذلك من حقوق للشعب الفلسطيني.. لقد كان هذا الخطأ الجوهري الأول الذي وقع فيه السياسي الفلسطيني.. وكان ترويجهم للقرار الأممي 242 فاقدا للقيمة والأهمية لأنه لا يقرن الاعتراف بدولة إسرائيل بالإعتراف بدولة فلسطين، فكانت خسارة الفلسطينيين السياسة فادحة في هذا التنازل المجاني.

ثانيا: اعترافهم بشرعية دولة إسرائيل رسميا مقابل اعتراف الحكومة الصهيونية بان منظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وذلك في إطار رسائل الاعتراف المتبادلة قبل التوقيع على اتفاقية أوسلو، وبهذا السلوك كان التسرع الفلسطيني غير الناضج قد بلغ ذروته.. فكان الأجدر ان يكون الاعتراف الفلسطيني مقابل الاعتراف الإسرائيلي بدولة فلسطين المعلن عنها في الجزائر في 15 نوفمبر 1988 والتي نالت اعتراف أكثر من مائة دولة ولها سفارات فيها.. فكيف تمت خديعة المفاوض الفلسطيني والسياسي الفلسطيني كي يقبل بأن يكون اعترافه بدولة إسرائيل مقابل لاشيء.. لقد كان التعجل المخل سمة أساسية رافقت صياغة مبادئ اتفاقية أوسلو.

ثالثا: الإعلان عن وقف المقاومة المسلحة ونهوض الجانب الأمني الفلسطيني بأقصى درجة لكبت حركات المقاومة بل وفتح أبواب السجون لمن يمارسها.. هذا في حين لم تتوقف عمليات الاغتيال والقتل الصهيونية للكوادر الفلسطينية من شتى التنظيمات بل والاعتداءات على الأرض والشعب وهتك كل مبادئ اتفاقية أوسلو من قبل الجيش الصهيوني.. فكان الموقف الفلسطيني نشازا في التاريخ ان توقف الثورة والمقاومة قبل ان ينال حق الشعب في تقرير مصيره أو على الأقل اتفاقية تفيد بذلك صراحة..

رابعا: تحويل المؤقت الى دائم.. فبعد أن كان أوسلو اتفاق خمس سنوات لتنفيذ مبادئه ميدانيا الى تقرير المصير وان تكون كل الملفات قد سويت بما فيها القدس والحدود والمياه واللاجئين.. إلا أن الالتفاف الأمريكي على الملف تمثل بإصرار الرئيس الأمريكي كلينتون على عقد مؤتمر قمة في كامبديفد للتوصل الى توقيع اتفاق حل نهائي تصدى له عرفات وحيدا وبقوة فكان ثمن موقفه ان قضى شهيدا.. ومن ثم استمر التمديد للمؤقت وجعله مؤبدا على الشعب الفلسطيني وتم إدخال حماس وقوى أخرى في المجلس التشريعي لاستيعاب الفعل الفلسطيني كله في حالة الجمود السياسي.

خامسا: بدت السلطة ومجلسها التشريعي كأنما تعني فقط سكان قطاع غزة والضفة الغربية أي ربع الشعب حيث يعيش أكثر من 7 مليون فلسطيني في الشتات لاسيما في بلاد الطوق ليس لهم تمثيلا في السلطة.. كما حصل تجميد فعل منظمة التحرير وتضخيم مشروع السلطة..

الحركات الفلسطينية:

بدت الحركات الإسلامية والوطنية معارضة لاتفاق أوسلو وتصدت له من خلال عمل ميداني كلفها الكثير من التضحيات، ولكنها انزلقت إليه على زلاجة التشريعي ولم يمتنع عن دخوله إلا حركة الجهاد الإسلامي التي لاحقا قبلت بصياغات سياسية مع بقية الفصائل الفلسطينية على تفويض قيادة السلطة بالمفاوضات كما حصل في مؤتمر القاهرة..

الخلل الكبير الذي يكمن في موقف حركة حماس التي يمكن اعتبارها الطرف الآخر في المشهد السياسي الفلسطيني ان رفضها الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني استند الى حسابات سياسية خاصة موقوتة فمثلا هي تصدت له عندما كانت خارج السلطة ولكنها فيما بعد انخرطت في احد مخرجاته المجلس التشريعي الذي يشبه مجلس حكم محلي تحت الاحتلال.. ثم ارتكبت خطأ جسيما بانقلابها على نفسها وإحداث شرخ رهيب في الأسرة السياسية الفلسطينية ترتب عليه توابع كارثية على قطاع غزة خصوصا وعلى القضية الفلسطينية عموما.. كما عدلت ميثاقها تساوقا مع العملية السياسية.

وبعد مسلسل الحوارات بين السلطة وحماس أصبح مؤكدا للجميع أن السلطة “فتح” لا يمكن أن تتنازل عن وحدانية امتلاكها للقرار السياسي وأن حماس لن تقبل بعودة السلطة فعليا الى قطاع غزة.. وهنا ارتفعت لغة التشارك والمشاركة السياسية وعلى مدار ثلاثة عشر عاما وقعت العديد من الاتفاقيات والتفاهمات والمواثيق بين الطرفين ولكنها جميعا الى النسيان أقرب.

هناك خلل جوهري في موقف حركة حماس ذلك أن خلافها لم يكن على مسائل فكرية او سياسية إنما على الشراكة ومن يحكم؟ ويتجلى ذلك في تعديلها لميثاقها مؤخرا وقبولها بإقامة دولة فلسطينية على الضفة وقطاع غزة مقتربة بذلك من موقف حركة فتح.. وبالجملة أصبح موقف النخبة السياسية الفلسطينية على المستوى السياسي في الجوهر متقاربا والاختلاف إنما هو على صياغات إدارية..

ومن هنا كان مصير التفاهمات الأخيرة ليس أفضل مآلا من سابقاتها ففي حين أرادت حماس  منه الخروج من الحصار الإقليمي والدولي والمحلي والانتقال إلى الشراكة الفعالة في مؤسسات منظمة التحرير وتقاسم الوظائف الكبيرة، كانت السلطة تلوح بورقة قوة تستطيع استخدامها من خلال الاستقواء بالكل الفلسطيني للتصدي لتحركات الإمارات والسعودية والمدعومة أمريكيا المتوجهة الى شطب القيادة الفلسطينية والإتيان ببديل.. فتم الاتفاق بين الفصائل على انتخابات وحصل إجماع على تفاهمات ولكن الورقة الصهيونية حرقت كل التفاهمات الفلسطينية الداخلية لتنطلق عمليات الشتم والطعن بين الفصائل والسلطة.. ولتبدأ رحلة جديدة من مفاوضات عبثية بمجرد استلام رسالة لا قيمة لها.. كنا ننتظر كلاما صهيونيا واضحا بوقف الاستيطان الذي حصل وكذا الإجراءات في الغور والقدس.. وهنا يبرز التسرع من جديد فكيف تفرط السلطة بحالة الإجماع الفلسطيني في مقابل لاشيء؟

فلسطين معادلة خاصة:

اذا كانت السلطة غير قادرة أن تحدث اختراقا كبيرا فهناك خطوات حقيقة يمكن القيام بها على الصعيد الداخلي لتقوية موقفها وتعزيز الصمود تبدأ من إعادة الاعتبار لوحدة الشعب داخل فلسطين والشتات من خلال قمع الفئويين والجهويين، وفرض حالة تقشف على مؤسساتها ومحاسبة استغلال المواقع.. وهذا شرط الرباط.  

أما تحرير فلسطين فلن يكون بالتجزئة والمقطّع من خلال المفاوضات مع العدو.. إنه سيكون كاملا وانتزاعا واقتدارا.. فلفسطين خصوصية: المنتصر فيها يكون هو الأعلى، والمنهزم فيها يندحر إلى الأبد.. 

وليكن واضحا أن تحرير فلسطين يستدعي يقين عمر وزهده وعزيمة صلاح الدين وعشقه، ينهض بتحريرها أحباؤها من مشرق ومغرب لتتوّج انتصاراتهم وكرامتهم.. هي فلسطين صاحبة الوعد الإلهي.. إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك