ظلام خطاب كراهية.. واستدعاء تاريخ الاستعمار

تقرير: صالح عوض

هي آخر حملاته فبعد انكفائه وهزيمته الواسعة في مواجهة الشعوب عاد الاستعمار بروح التوحش يبحث له عن صيد آخر حتى لو كان في أحشائه.. وفي المرحلة التاريخية التي ازدهرت فيها الروح الإنسانية وساعدت أدوات التواصل بين الشعوب على تقريب وجهات النظر والتعارف خرجت علينا العلمانية الى حالة التطرف لتحمي آخر حصون الاستعمار ورغم ما تبديه من تحلل من التعصب الديني إلا أنها تتحرك بعنف وتعصب ديني يذكر بالحروب الصليبية نحو الإسلام..

حسابات خاطئة:

لقد ذهل الاستعمار من انفتاح الناس على بعضهم فاختلق أبناؤه من المشكلات ما يسمح لبروز مناخ عنصري مشحون بالمشاعر السلبية والتحشيد الأيديولوجي وبعيدا عن المؤسسات الدستورية، لعلهم يتمكنون من صد التقارب الإنساني والانفتاح على الآخر.. كنا ننتظر اعتذارا عن العمليات المتوحشة للاستعمار في الجزائر والمغرب العربي وما تركته من كوارث تسري مفاعيلها حتى الآن في المجتمعات واذا بخطاب منسوخ عن خطابات المستشرقين العنصريين والقادة الاستعماريين الاوائل ليؤسس لصراع سيكون بلا شك أكثر عنفا و أوسع دائرة ان لم يتداركه الحكماء في فرنسا والدول الغربية.

ومن خلال عملية حساب مصلحية للموقف الفرنسي ووضعه في سياق التدافع في المنطقة واستحضار العلاقات التي يحاول الرئيس الفرنسي تكريسها في مواجهة تداخلات إقليمية ودولية في المنطقة نرى أن المسألة تخرج عن إطار المواقف المحدودة والتي تضع نفسها كترجمة لعلمانية الدولة وحرياتها.. وفي هذا تدهور كبير لشبكة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الفرنسي عندما تصبح عملية الإساءة لمقدسات فئة كبيرة من أبناء المجتمع الفرنسي الأمر الذي يزيد من ارتباك المجتمع والدولة بعد ان شهدت البلاد توترات ومظاهرات واحتجاجات لأشهر طويلة قامت بها شرائح اجتماعية ترى الغبن يلاحقها في معيشتها كما تشهد البلاد و كل الدول الأروبية تدهورا اقتصاديا جراء جائحة كورونا.. في هذه الظروف المحلية تواجه فرنسا محاولات تركيا في شرق المتوسط وفي أذربيجان وليبيا واليونان وقبرص حيث تحاول تركيا تمديد نفوذها الإقليمي والدخول على خط الحلول في مواقع انسحبت منها أمريكا.. وفي ظل خسارات في مالي وليبيا وفشل في لبنان والساحل في هذه الظروف المحلية والإقليمية جاء التصعيد الفرنسي في أقسى مراحله.

لم يكن سهلا أمام اي متابع أن يستوعب الحديث عن “أزمة الإسلام في كل مكان” كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي وحديثه المتواصل عن الإسلام الإرهابي ورغم أن عشرات آلاف الأطباء الذين يقفون على الخط الأمامي في مواجهة كورونا من مسلمي فرنسا، ففي فرنسا أكثر من 6 مليون مسلم فرنسي ينددون بالإرهاب والتطرف يؤدون ما عليهم من واجبات ولا ينالون ما لهم من حقوق ويتم التعامل معهم بتهميش في الضواحي وإلقاء أبنائهم في متاهات اجتماعية وثقافية،

الخطاب الاستعماري الجديد لا يقيس بمصلحة الشعوب إنما هي أزمة مستحكمة في الإدارة والاقتصاد تغطيها كلمات عن الديمقراطية وحق التعبير.. ولعل الخسارات ستكون كبيرة نتيجة هذا الموقف الذي تبناه الرئيس الفرنسي في عدم احترام عقائد المسلمين تبدأ من داخل فرنسا حيث سيتعرض السلم المجتمعي و فلسفة التعايش الى هزات عنيفة كما ان علمانية الدولة تسقط تحت سطوة الروح المتطرفة والعدوانية.

لن تتوقف الخسارات على الداخل الفرنسي وهي مسألة غاية في الأهمية والحساسية بل ستتمدد إلى العلاقات الفرنسية مع العالم الإسلامي .. فلقد كان بإمكان الموقف الفرنسي عدم التورط في الدفاع عن الإساءة للمقدس الإسلامي والتصرف بأقل انحياز رغم ما هو معروف تاريخيا من حساسيته المفرطة تجاه المسلمين والإسلام عكس ما نشاهده في الموقف الألماني والبريطاني وكثير من الدول الأوربية العلمانية التي تحاول قدر إمكانها تجنيب مجتمعاتها التحريض على معتقدات احد مكونات المجتمع.

التصرف الرسمي الفرنسي يستدعي التاريخ من موقعة بلاط الشهداء في بوتييه مرورا بالحروب الصليبية التي تزعمت الكنيسة الفرنسية والإقطاع في القرون الوسطى مسئوليتها وليس انتهاء بما فعلته فرنسا في الجزائر والمغرب العربي ولازالت آثاره شاهدة في مجتمعات لم يكن ذنب لها إلا أنها حاولت ان تكون ذات هوية وشخصية حضارية مختلفة.

ماذا ربح الرئيس الفرنسي ومعه طاقمه الذي بالغ بالاستهتار بالمسلمين والإسلام؟ لقد تميزت الحكومات الفرنسية في نفورها من مواطنيها المسلمين وكان بإمكانها ان تجعل من حسن تعاملها معهم جسرا للعالم الإسلامي  فضلا عن الاستفادة منهم في بناء دولة علمانية تحرر الإنسان من الأعباء الإيديولوجية..

لقد حقق الرئيس الفرنسي استنفار المسلمين في كل مكان وإنبراء علماء الإسلام ومراكزهم الثقافية لإدانته وضغطهم على حكوماتهم لمقاطعة البضائع الفرنسية التي تضخ للعالم الإسلامي والتي تبلغ عشرات المليارات من الدولارات في خسارات مادية ومعنوية لا حد لها ستفقده داخليا وخارجيا القدرة على الخروج من أزمات عنيفة تواجه فرنسا.. ولعل هزيمة أتباعه من جيل اللائكية العرب وانزوائهم وعدم قدرتهم على الترويج لسلوكه تكون اخطر ما يلحق باستراتيجيته.

ان مراجعة عميقة للموقف الرسمي الفرنسي تجاه الإسلام والمسلمين والعرب أصبحت مسألة أكثر من ضرورية وذلك بحسابات المصلحة للشعب الفرنسي وقطاع العمالة والصناعة فيه فرغم كل ما نسمعه من مواقف محترمة لمفكرين فرنسيين ومثقفين وصحفيين وأدباء إلا أن توسع الأمر من الأهمية بمكان حفاظا على ما تم انجازه على الصعيد الإنساني والمادي وعلى جسور التواصل مع العرب والمسلمين.. فقوة الاستعمار اليوم أضعف كثيرا مما كانت عليه سابقا وكذلك فان الشعوب الإسلامية تيقظت وتحس بالغبن التاريخي الذي لم يعالج بعد.. أما كلام ماكرون الاستعلائي التحريضي فهو على المدى الاستراتيجي سيضعف من موقع فرنسا في اوربا ويحملها تكلفة باهضة الثمن في علاقتها مع العرب والمسلمين.

الاستعمار تاريخيا:

الدرس الذي ينبغي ان لا يغيب عن وعي أهل الجنوب ان الاستعمار عندما تحرك نحوهم كان مسكونا بعقيدة عدوانية وبمنهجية الكاوبوي الأمريكي -الذي قضى على عشرات ملايين الهنود الحمر- لمسح هوية أهل البلاد وإبادتهم وإعادة تشكيل من يتبقى منهم في قوالب معينة يكونوا فيها اقرب للديكور الاستعراضي منهم الى اي شيء آدمي.. فلقد سجلت الوقائع سلوكا همجيا نحو المكتبات والعلماء والآداب والفنون في كل مكان تمكنت جيوش الاستعمار من غزوه مما يعبر عن روح متوحشة معادية للنمو الروحي والبعد الإنساني والتنوع البشري.. وهي روح ما كان لها ان تبقى في دوائر الحكم والسياسة بعد عقود من كفاح الشعوب وانتزاعها حريتها والتأكد من عدم جدوى النهج العدواني وهنا يبدو ان استحضار الماضي ضروري لاسيما تجاه أشخاص لم يعتذروا عن جرائمه بل يمعنون في استخدام مفرداته وتمجيده  ولا يشعرون بأدنى درجات الخجل وهم يجوبون متاحفهم المكتظة بجماجم قادة شعوب وثوار من اجل الحرية.. وكأن هؤلاء الحكام يصرون على البقاء في خانة الاستعمار والوفاء له والأمانة على خططه والتزام أساليبه وروحه.

اذا استبعدنا فرضية أن المسألة فقط تتعلق بالانتخابات القادمة ومحاولته المزايدة على قيادات اليمين الفرنسي بخطاب أكثر راديكالية.. يبدو لنا ان الرئيس الفرنسي يحتفظ برؤية إستراتيجية مختلفة لم يكشف عنها بعد، تبحث عن موقعها في إطار التنافس الإقليمي في حوض المتوسط، وفي محاولة للتصدي للمشروع الصيني الكبير طريق الحرير المهدد الكبير للرأسمالية والذي ستكون المصانع الأوربية أكثر المتضررين منه وفي محاولة منه لمنع الروس من السيطرة على مواقع إستراتيجية في المتوسط بعد ان سيطروا على سواحل سورية وتقدموا للتموقع في ليبيا.. هذا فضلا عن تنافس حاد داخل حلف الأطلسي مع تركيا.

ولكنه في هذا المنحى يذهب إلى الحرب بدون عدة ولاعتاد بعد ان سخف قيمة الناتو واعتبره ميتا سريريا وفي ظل عدم استعداد أوربا للسير معه في حروبه ضد تركيا  فيما تتجه أمريكا بعيدا لحسم معارك كبرى في جغرافيا سياسية خطرة حول الصين وكوريا الشمالية.. ولعل النصيحة البالغة له ان لا يقدم على حرب فالمجتمع الفرنسي غير قابل أن يزج به في حروب خارجية تنهك خزينته وتودي بأبنائه في أتون الجحيم.

الجزائر ومكتباتها:

تمثلت  الخطوة الأولى للحملة الفرنسية على الجزائر في عملية من أضلاع ثلاثة تعبر عن رسالة الاستعمار في الجزائر بإحراقهم مكتبة الجزائر التي تحوي مليون كتاب و رفع العلم الفرنسي على قصر الداي وتحويل مسجد كتشاوة الى كاتدرائية وذلك لتجهيل الشعب وتغيير رموزه المقدسة وإخضاعه لسلطان أجنبي.. لقد كان سلوكا استعماريا منهجيا أصيلا نرى تكراره أثناء المواجهات مع الأمير عبد القادر حيث حرقوا مكتبته مرتين بمئات المخطوطات الثمينة.. وفي محاولة لفهم هذا الاصرار الاستعماري يتبادر الى الذهن فورا مسألة الأرشيف الجزائري لدى فرنسا والذي تصر على عدم تسليمه  الى الجزائر.. انهم بحرقهم للمكتبات وبمحافظتهم على الإرشيف يريدون ان تظل الرواية حكرا عليهم فلا يكون للضحية رواية الا ما يخرج عن مؤسساتهم الإعلامية والفنية كما هو حال الهنود الحمر وتتجمع عناصر عديدة لتشكل لنا الخلفية النفسية الفكرية التي تتحكم بالعقل الاستعماري.

في قراءة مستعجلة لكتاب حقائق ووثائق عن الامير عبدالقادر الجزائري الذي جمعته وناقشته حفيدة الأمير السيدة بديعة الحسني الجزائري المقيمة بدمشق نرى أنها اكتشفت حجم التزييف الذي اشرفت عليه المؤسسة الفرنسية وعملاؤها لتشويه صورة الامير بروايات مفبركة عديدة تمس بسمعة الامير بل وادعوا كتبا باسمه واصدروا وثائق تخصه كل ذلك لإسقاط رمزيته.. وفي السياق التضليلي نفسه تحتشد عشرات الروايات الكاذبة عن الثورة الجزائرية والمقاومات الجزائرية رهينة بالأرشيف الفرنسي لتكون هي المرجع لكل محلل او مؤرخ.

والأمر وبأكثر بشاعة سلكه الأمريكان أثناء احتلالهم للعراق حيث حاولوا جاهدين تغيير معالم العراق بتدمير تراثه الإنساني ليعود الى العصر الحجري حسب قول وزير الخارجية الأمريكي.

انه الاستعمار الذي جعل نصب عينيه اهمية اعادة صياغة الوقائع التاريخية والحاضرة وتدمير طاقات الشعوب العلمية والمعرفية وصناعة أجيال من البلاد المستعمرة يحفظون ما يملى لهم من روايات المستعمر عن أنفسهم وعن دينهم وتاريخهم وعن مستعمرهم.. ويبدو أن الرئيس ماكرون أصيب بالدهشة عندما رأى أن أبناء المستعمرات لم تجد معهم عمليات غسيل الدماغ ولم يستطع طابور العلمانيين فعل شيء.. فانطلق يشن هجومه على الإسلام.

حصل في العراق:

شاركت فرنسا في استهداف ليبيا بطائرات عسكرية خلاف ما نصت قرارات الام المتحدة وقبل ذلك شاركت في الحرب على العراق ومن هنا نسأل ما هو مصير العلماء العراقيين؟ ويكفي أن نشير إلي أن فرق الاغتيالات الإسرائيلية التي تحركت في ظل التحالف الدولي اغتالت حوالي 310 من علماء وأساتذة العراق، ولاحقاً تم الكشف عن أن أكثر من 500 من علماء العراق، وأساتذته كانوا موضوعين علي قوائم الاغتيال الإسرائيلية، وتشير أيضاً إلي أن 17 ألفاً من العلماء والأساتذة أجبروا علي الرحيل عن العراق منذ بدء الاحتلال، هدف واضح عبر عنه السيناتور “بايران” والذي أقترح مشروع القانون بأن يسعي لحرمان العراق من الكوادر الفنية والهندسية الضرورية..

ويكشف حديث لجنرال فرنسي متقاعد عن جانب آخر من المأساة، حيث أكد وجود عدد من وحدات الكوماندوز الإسرائيلي دخلت الأراضي العراقية بهدف اغتيال العلماء العراقيين “لقد أصبح مصير العلماء العراقيين محزناً، وفي تصوري أن العدد الأكبر منهم مازال في العراق يعيش ظروفه القاسية، وهناك قلة نجحت في السفر لبعض البلاد العربية.”

فلقد كان المستشرقون والإعلاميون الغربيون ومن ثم صناع الهوليود والاعلام الامريكي هم الفيلق الأخطر في هذه الحملات الاستعمارية من هنري شرشل الى لورنس وكتابه اعمدة الحكمة السبعة وريتشارد بورتون البريطاني وداوتي ولين وجيمس الروي فليكر وأخيرا برناردلويس وسواهم كثير كما قال المفكر العربي ادوارد سعيد: “بان المستشرقين قاموا بمهمة خطيرة وهي محاولة صناعة شرق ليس هو الشرق الحقيقي ثم تبنت الدول الغربية المشروع وحاولت بالقوة اقناع مثقفي هذه البلدان ان هذا هو الشرق فمن اتفق معهم كان مثقفا ومتنورا واما من اختلف معهم وتصدى لدعايتهم الرخيصة فانه إرهابي متطرف رجعي“.

وبعد هذا جميعه هزمت أمريكا في العراق وهاهي تتكبد خسائر فادحة تنوء بها الخزينة الأمريكية فضلا عن عشرات آلاف القتلى من الجنود الأمريكان.. الامر الذي كان ينبغي ان يكون اخر الحملات الصليبية على العرب والمسلمين.. فالى أين يقود ماكرون المنطقة؟ ان إصرار الرئيس الفرنسي على تغطية عملية الإساءة للمقدس الإسلامي يقود الى حالة توتر ليست من مصلحة فرنسا ولذلك لن يفلت بها ولن تتحقق له المعركة والمواجهة مع العرب والعالم الإسلامي فان في فرنسا من يستطيع رفع صوته وكما ان لليمين تياره فان الشعب الفرنسي ومن خلال مثقفيه ومفكريه وأحزابه الحرة سيقف سدا لإسقاط هذا التوجه الاستفزازي الذي يجر المنطقة الى صراعات وبغضاء وقلق اجتماعي وردات فعل لن تكون محسوبة.. كما ان الضغط العربي والإسلامي الرسمي والشعبي سيدفع الموقف الفرنسي فرصة المراجعة والتراجع والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك