طفولة الجزائر ورود في تربة مالحة

بقلم: الأخصائية النفسانية العيادية ملعيد هابط 

 

ما ذنبي أنا إن كانت الجزائر و العالم في أزمة اقتصادية ،ما ذنبي أنا إن كان بلدي و مسقط رأسي يعاني من مشكلات سياسية و حروب أهلية ، اغتصاب سرقة قتل استغلال عمل جوع عطش هذه هي الحياة في الشارع  واقع جرد الطفولة من طفولتها  ماذنبي أنا ان كانت والدتي تعاني من اضطرابات  نفسية  أنا اليوم مجبر على عيش مشاكل الكبار بكل تفاصيلها مجبر على تسجيل كل المشاجرات و التعنيف التي يحدث بين والداي لتدخل في بناء شخصيتي و افكاري  انا مجبر على كره عمتي لأن والدتي بكل بساطة لا تطيقها 

أنا مجبر على العيش بخوف و اللعب بخوف و الأكل بخوف و حتى النوم بخوف 

في منزلنا الصغير أعيش الحكم العسكري فلا حق لي بالصراخ أو اصدار الضجيج لا حق لي بتوسيخ ملابسي، أو اللعب بالتراب الذي أعشقه لا حق لي بالجري بحرية و الأكل بمفردي بحجة أنني أوسخ ملابسي و الأرضية 

أريد الحديث معك  أنا أدرك انك مشغولة في العمل صباحا ،و مشغولة في تدبير منزلنا مساء لا تتركيني أمام التلفاز طوال اليوم لا أريد أن أعيش الوحدة في عالم التوحد فأنت عالمي الوحيد الذي أريد العيش في ربوعه 

لا تفرحو عندما ترينني أتقن اللعب بالهواتف الذكية أو ربما يخطر ببالك يوما أنني عندما أنقل لك حديث أقاربنا ،و أتجسس عليهم إنجاز أو بداهة لا كل ما هنالك أنني رهنت طفولتي و بعت براءتي كي أقوم بإرضاء نرجسيتك . 

عندما يصلكم كشف النقاط الخاص بعلاماتي لا تتسرعو بضربي ،و عقابي حاولو أولا فهم و استيعاب أعذاري ربما نفسيتي بها ضرر ربما عقلي الصغير شاغر بما لا علاقة له بالحبر و الورق .

لماذا ترونني واقع خاص لتجسيد أحلامكم التي لم تستطيعوا أنتم تحقيقها فأتيت أنا اليوم مجبرا على الوصول للنتائج ،و كأنني أدفع إيجار عيشي بينكم تاركا وراءكم أحلامي و أمنياتي و كل مشاريعي فقط لأرضيكم 

الطفولة هي أول بصمة للإنسان في حياته وأجمل مراحل عمره، يتمتع فيها الطفل بالصدق النابع من أعماقه، ويتمتع بنقاء سريرته وصفائه، ومرحلة مليئة بالحنان والحب والعاطفة، إنها المتعة وبراءة الابتسامة وأجمل مرحلة في هذه الحياة فهي السعادة التي لا تعاد ولا يعيشها الإنسان سوى مرة واحدة طول حياته، حيث تمتلئ الحياة بضحكاته التي تأسر الأحاسيس ،والمشاعر في هذه المرحلة بالذات يعيش الإنسان بنية أن الكل يحبه الكل طيب و هو على يقين أن الحياة كلها تكمن في ابيه و أمه و بعض الحلوى نعم إنها البساطة و البراءة .هذه  المرحلة  أهم مرحلة في حياة الإنسان، لذلك يجب منح الطفل حقه بالتنشئة السليمة ومراقبة حركاته وتصرفاته، فطفل اليوم هو رجل الغد فإبنك هو مشروعك و لا تحصد سوى ما  تزرعه فيه لذلك على كل أب و أم زرع بصمتهم الإيجابية فيه و تسخير الظروف من أجل ضمان البناء السليم العقلي و الجسدي لإبنهم  

فالطفولة اذا تشكل ثلث حياة الفرد ، تمتد من لحظة الولادة وحتى البلوغ، حيث أنها تجمع الأشخاص الذين تقع أعمارهم بين أول يوم في حياتهم حتى سن الثامنة عشر فعندما ينشأ طفل في ظروف غير ملائمة تبدأ حالته النفسية بالتأقلم مع الضغوط ومشاعر التوتر بسرعة هناك اعتقاد سائد بأن طبيعة مرحلة الطفولة مرتبطة بنوعية الشخصية التي ستتكون لدى الطفل في المستقبل، ومن هذا المنطلق أولى معظم علماء النفس أهمية خاصة لدراسة الآثار السلبية التي تخلفها الطفولة القاسية على الجانب النفسي لحياة الطفل، على غرار الصدمات النفسية، وانعدام الثقة بالنفس، في المقابل، قرر فريق من العلماء دراسة هذا الموضوع من منظور مغاير، واكتشفوا أن الأشخاص الذين عاشوا أوقاتا عصيبة في طفولتهم ينفردون بجملة من المزايا مقارنة بالأفراد الذين نشؤوا في بيئة صحية.

 غالبا ما يقال فاقد الشيء لا يعطيه فمن كبر في الهم و الغم ،و القسوة نادرا ما يكون حنونا و عطوفا مع أهله فأغلبهم يكبرون بمشاعر القسوة و العصبية و النفور ،و أحيانا لا اجتماعيين و كذلك العكس صحيح نسبيا فمن كبر على الدلال المفرط ،و تعود على عدم التحلي بالمسؤولية ،و التواكل فهو سيكبر على قاعدة هشة ،و شخصية لينة و تكون مشروع فاشل منذ البداية فهذا النوع من المستحيل أن ينجح ،و يتصدى لمشاكل الحياة التي لا تنتهي بالعكس سيفشل بعد أول سقوط .

لذلك فلا بد للمدرسة الأولى التي هي الأسرة على تربية أولادها على مبدأ الواقع فالترك الاباء مشاكلهم ونفسياتهم المعقدة بعيدا عن براءة الاطفال النقية اتركوهم يعيشون بعيدا عن عقدكم اقبلوهم وقت فشلهم لا تقارنوهم بأحد 

الاطفال مخلوقات رقيقة فلا تجرحوهم بكلامكم القاسي احبوهم حبا ليس مشروط كونوا مثلهم الأعلى و أصدقاهم و أصحابهم سندهم و أمانهم ،فلتجعلوا  من الأسرة بر الأمان فالشارع حقا لا يرحم .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك