طريق الحرير.. بداية الحرب الكونية؟

الخطر

بقلم: صالح عوض

تتحرك الصين بمشروعها الاقتصادي العملاق “طريق الحرير” وتجتذب إليه كثيرا من دول العالم الإسلامي وآسيا وإفريقيا.. إمبراطورية اقتصادية يبنيها الفكر الشيوعي في آخر تجلياته للتحرر من الهيمنة الامبريالية الأمريكية وقوانينها.. تجارة بينية، بعملات محلية، و تحرير السلع من الاحتكار، وتنمية في الأقطار المنضوية.. تجارة واستثمار وبناء طرق وجسور وموانئ..هذه شعاراته، وسيطرة على الموانئ الإستراتيجية وقواعد عسكرية وإمبراطورية اقتصادية هذا واقعه.. أمريكا ترصد وتنصب الكمائن والمواجهة تتوسع.. فماذا سيجني العرب منه؟

تساؤلات:

 هل تتساهل أمريكا في تجاوز الدولار كعملة رئيسية مرجعية في العالم؟ وهل تنسحب من أسواق آسيا وإفريقيا هكذا وتتركها لخصمها الاقتصادي الاستراتيجي؟ أم أن ذلك سيكون إيذانا بانطلاق حرب كونية تحترق فيها بلدان وسياسات واقتصادات في أماكن عديدة من تلك المقترحة لطريق الحرير؟ فيتم انتشار الأوبئة والانقلابات والإنفجارات والفوضى ويتم العمل بسياسة الأرض المحروقة ليكون طريق الأشواك بدل الحرير.

ما هو سر هذا السخاء الصيني إلذي قد يصل إلى تريليون دولار في بناء طريق الحرير في آسيا وإفريقيا؟ ما هي أهداف الصين بعد المنظورة؟ وما سر سيطرتها على الموانئ والممرات و غزو البلدان الفقيرة وسيئة الإدارة وفاسدة الحكم بالقروض والتمويل؟

 ثم هل تمتلك دولنا في وضعيتها البنيوية الحالية أن تكون شريكا للصين؟ أم أنها ستقدم أسواقنا ومنتجاتنا ومستقبلنا وترهن بلادنا؟.. لماذا يتباهى بعضنا بطريق الحرير؟ ولا يفكرون ببناء اقتصاد الكتلة الإسلامية الذي يمتلك كل مقومات النجاح وفق التكامل؟ لماذا نحشر أنفسنا في صراع  كوني بين إقتصادين عملاقين متناطحين؟ ثم كيف سيعزز طريق الحرير وجود الكيان الصهيوني في قلب المنطقة بعد أن وضع الصينيون يدهم على ميناء حيفا؟ فهل هذه هي النقلة الإستراتيجية الكبرى التي انتظرها المشروع الصهيوني طويلا..؟

طريق الحرير: 

يعرف المشروع رسميا باسم “الحزام والطريق”، وهو مبادرة صينية لإحياء “طريق الحير” الذي ربط بين الصين وأوروبا مرورا بالمشرق العربي والإسلامي بطول يتعدى عشرة آلاف كيلومتر، و هو يهدف استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية.. تريد الصين من خلاله تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والوسطى.. انه مشروع صيني عملاق تشارك فيه 150 دولة، انطلق بداية تسعينيات القرن الماضي، عبر ما عُرف بالجسر البري الأوروبي الآسيوي الذي يصل بين الصين وكزاخستان ومنغوليا وروسيا، ويصل إلى ألمانيا عبر سكك حديدية.. يتضمن المشروع فرعين رئيسين: البري “حزام طريق الحرير الاقتصادي”، والبحري “طريق الحرير البحري”..يمتد طريق الحرير البحري من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط، أما الفرع البري من المبادرة فيشمل ست ممرات هي:- الجسر البري الأوراس ،- ممر الصين – مونغوليا – روسيا، – ممر الصين – آسيا الوسطى، – آسيا الغربية الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا.-، ممر الصين – شبه جزيرة الهند الصينية،– ممر الصين – باكستان، – ممر بنغلاديش – الصين – الهند – ميانمار – الهند… حتى الآن وقعت 126 دولة و29 منظمة دولية اتفاقات تعاون مع بكين في إطار المشروع  وقد تفردت ايطاليا من أوربا بدخول المشروع كما ان روسيا وباكستان وإيران كانت من أهم المشجعين على المشروع هذا وقد استثمرت الصين في المشروع ثمانين مليار يورو في مشاريع متعددة، كما قدمت المصارف قروضا بقيمة تتراوح بين 175 و265 مليار يورو وذلك في البنى التحتية للطرق والجسور والموانئ في إفريقيا واسيا.. وقد أنشأت في عام 2015 البنك الآسيوي لتنمية البنية لتعزيز المشروع..  وتم تقدير القيمة المتوقعة لمشاريع المبادرة بثمانية تريليونات.

تتضمن الخطة السيطرة على سلسلة المواني الحيوية وتتعدى المبادرة العالم المادي إلى الافتراضي باستحداث الصين شبكة ألياف ضوئية وطرق إنترنت جديدة عبر شبكة الجيل الخامس و هواوي، وتشمل المبادرة -طريق الحرير- كذلك إنشاء متنزهات علمية وجامعات ومصافي بترول ومحطات تحلية مياه البحر ومحطات توليد الطاقة الكهربائية والشمسية والصخرية وسكك الحديد والطرق والأنفاق والسدود وقواعد بحرية وعسكرية في كل الدول التي وقعت عليها وبلغت 60 دولة لغاية الآن، وبذلك تعتبر المبادرة أعظم مشروع للبنية التحتية في التاريخ.. تحاول الصين الوصول إلى 60% من سكان العالم لنقل بضائعها إليهم، وتشغيل عمالها وشركاتها و استثماراها وتأمين حاجاتها، وبالذات النفط والغاز، قي ظل تراجع أمريكا عن العولمة نحو الإنعزالية وتخبط اقتصادها.

الصراع الاقتصادي:

رغم تأكيد الرئيس الصيني شي جين بينغ في وفي منتدى دافوس: “أن الصين تريد نظامًا دوليًا أكثر إنصافًا، ولا تريد تفكك النظام الدولي”.. إلا أنه في حقيقة الأمر دشّن بذلك مرحلة جديدة من الصراع الأميركي الصيني البارد، فيما يواصل الأميركيان مع الدول الأسيوية المفاوضات حول اتفاقية التجارة عبر الهادئ التي مرّرها الكونغرس الأميركي لإحباط الاقتصاد الصيني.

مني الاقتصاد الأمريكي بخسائر مادية فادحة جراء في أفغانستان والعراق وقد تجاوزت الديون على الخزينة 27 تريليون دولار و تمثلت الأزمة بانهيارات البنوك وقطاع العقارات. وفيما كان يتدبر أمره للخروج من المأزق واجهه تصاعد نمو الاقتصاد الصيني .. فأسرعت الإدارة الأمريكية الى العقوبات والضرائب و التهديد الصيني بسحب الأرصدة وبيع الديون.. ووفقًا لوكالة الاستخبارات المركزية اﻷميركية، فإن هناك حوالي 92 دولة تعتبر الصين شريكها التجاري اﻷكبر وذلك خلال عام 2015، في حين تبلغ الدول شريكة امريكا 57 دولة.

.. تسير الصين بسرعة كبيرة لكي تصبح الإمبراطورية التجارية اﻷكبر في العالم.. وهي تخوض الآن معركة الضغط الاقتصادي والتكنولوجي، وتنظر واشنطن إليها كجزء من سياسة خارجية إمبريالية جديدة، ولقد اختار ترمب منذ دخوله البيت الأبيض مواجهة الصين مباشرة بدلاً من الاعتماد على المنظمات الدولية، وحوّل القضية إلى صراع اقتصادي.

نجحت الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق خلال السنوات الماضية أن تفرض حضورها   في البحار والمحيطات، وهو ما أثار القلق حول نية الصين تحويل تلك الموانئ المُسيطر عليها إلى ثكنات عسكرية، وإذا استمر التمدد الصيني الجيو-اقتصادي، فسيكون له تأثير عميق على العالم، و لن يكون الغرب مستعدا لمنافسة الصين لدفع 8 تريليون دولار في مشاريع البنية التحتية في البلدان النامية إلا أن هناك سلوك آخر ستقوم به الإدارات الأمريكية لإرباك المشروع الصيني الذي لا تخفى دلالاته الإستراتيجية. 

  أكثر من 300 مليار دولار قد أُنفقت حتى الآن على المشروع،.. فهل تفعل بكين ذلك من باب الإيثار أو لرغبتها في تحقيق الاستقرار في البلدان التي تقرضها..؟  ان هناك أسباب عديدة أحدها: اعتماد الصين اعتمادًا كبيرًا على ساحلها الشرقي ومضيق ملقا بالقرب من سنغافورة لتمرير السلع من وإلى أراضيها الشاسعة؛ على سبيل المثال، يمر أكثر من 80 % من النفط الصيني عبر هذا المضيق. لذلك، فإن بناء طرق تجارية تمر عبر باكستان وآسيا الوسطى يبدو أمرًا منطقيًا. وتساعد أيضًا مبادرة “الحزام والطريق” الصين على استثمار احتياطاتها الضخمة من العملة، وإدخال العديد من شركاتها المعطلة إلى قوة العمل. 

التجارة ثم العسكرة:

تمول الصين معظم الإنشاءات في الدول النامية من خلال القروض، ويتم تشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في هذا الأمر، وهو ما يعني ضمنيًا أنه إذا لم تتمكن باكستان على سبيل المثال من سداد ديونها، تتملّك للصين العديد من مناجم الفحم وأنابيب النفط ومحطات توليد الكهرباء، كما تمتلك الصين حق تشغيل ميناء غوادر الباكستاني لمدة 40 عاما.  وهكذا تصبح بوابات البلاد البحرية ثكنات عسكرية، نجحت الصين من خلال “الحزام والطريق” أن تفرض وجودها الإستراتيجي حول العالم وفي البحار والمحيطات لأغراض مختلفة. 

 إن السيطرة على الموانئ البحرية في المحيط الهندي- الهادي من شأنها تغيير خارطة المنطقة الإستراتيجية، ضد الهند والولايات المتحدة إذا ما تفاقم التوتر إلى حد الحصار البحري..هذا وقد تمدد نفوذ الصين إلى البحر الأحمر و القرن الأفريقي وخليج عدن، بعد أن بدأت الصين في منتصف جويلية الماضي في إنشاء منطقة تجارية حرة في محطة حاويات دوراليه على سواحل جيبوتي، التي من المزمع أن تكون الأولى من نوعها في إفريقيا. كما تمتلك الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي.

  لقد استطاعت الصين امتلاك 35% من شركة يوروماكس، التي تدير ميناء روتردام في هولندا، أكبر الموانئ الأوروبية، وسيطرت على 90% من أكثر الموانئ المربحة في البرازيل، فهل الهدف من سيطرة الصين على هذه الموانئ تجاري محض؟  

تختار الصين الديون للسيطرة على المواقع الحساسة فمثلا في آسيا وإفريقيا مشروع ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، أصبح ملكاً للصين لعدم قدرتها على سداد الديون. وبذلك أصبح للصين موطئ قدم في ممر مائي إستراتيجي ولمدة 99 عاماً ليس فقط من الناحية التجارية بل العسكرية أيضاً بالقرب من الهند،. والنهج نفسه مارسته في ميناء مومباسا، في كينيا؛ وسط صعوبة تسديد الحكومة الكينية الديون المتراكمة عليها بعد اقتراضها ما يقرب من ملياري يورو لتنفيذ مشروع سكة حديد داخل البلاد.. يضم المشروع الصيني الآن 42 ميناءً في 34 دولة استولت من خلاله الصين على موانئ البلاد البحرية من سريلانكا إلى تنزانيا ومن البرازيل إلى اليونان، ومن جيبوتي إلى الكيان الصهيوني. 

الكيان الصهيوني والصين:

تمثّل الشواطئ الفلسطينية -ابتداء من غزة وحتى حيفا- المحطة الطبيعية لطريق الحرير، وهو ما كان قديما على مدى أكثر من ألف عام؛ وقد بادرت سلطات الاحتلال بالتوقيع مبكرا على الشراكة في بنك البنية التحتية الآسيوية، ويبدو أن لها خططاً واعدة تتكامل مع العلاقات الإسرائيلية الصينية المتنامية في مجال الاقتصاد والتسليح.

أمّا ما سيكون أعظم الانجازات فهو خط للسكة الحديدية يمكن أن يمتد من الخليج عبر السعودية مروراً بالأردن، وصولاً إلى حيفا على البحر الأبيض المتوسط.. وهذا الأمر يكرّسها جزءا طبيعيا ضمن المنظومة الدولية في المنطقة

الصين تبدأ مع حلول عام 2021  في تشغيل ميناء حيفا لمدة 25 عاماً والذي يحتوي على قاعدة الأسطول البحري الإسرائيلي، ويقابله مباشرة الأسطول السادس البحري الأمريكي الأمر الذي يكشف أن الهدف تعزيز سيادتها عسكرياً وتكنولوجياً.  

لقد وجدت الصين في الكيان الصهيوني بؤرةً للابتكار التكنولوجي في المنطقة، حيث بلغت صادراته 114 مليار دولار عام 2019، من المعدات التكنولوجية والطائرات والمركبات الفضائية والغاز الطبيعي، ومن السلاح التكنولوجي المتطور ، وهو ما حفّز استثمار الصين فيه بمليارات الدولارات في مشروعات البنية التحتية.

يشير كتاب صدر حديثاً عن مؤسسة “راند” الأمريكية الشهيرة تحت عنوان: “الاستثمار الصيني في التكنولوجيا والبنية التحتية الإسرائيلية”، إن إسرائيل تسعى إلى ربط اقتصادها بالصين لفتح أسواقاً جديدة للتصدير والإستثمار بعيداً عن الولايات المتحدة وأوروبا، بدورها، تهدف الصين إلى الإفادة من التكنولوجيات الناشئة، كما استغلال موقعها الجغرافي لأغراض مبادرة الحزام والطريق، خصوصاً مينائي حيفا وأسدود.. لذلك تقوم الصين حالياً بتنفيذ أربعة مشاريع رئيسية كبرى في البنية التحتية في إسرائيل بقيمة 4 مليار دولار، منها توسيع ميناء أسدود وبناء محطة جديدة بميناء حيفا؛ مع حقوق تشغيل لمدة 25 عاماً، وبناء وتشغيل خط سكة حديد في تل أبيب وحفر أنفاق الكرمل. هنالك كذلك مقترح لبناء خط سكة حديد بين إيلات والبحر الأبيض المتوسط بكلفة 2 مليار دولار،  وبهذا تعزز إسرائيل علاقاتها مع الصين، رغم المعارضة الأمريكية الشديدة لها، وتتحول تدريجياً إلى شراكة إستراتيجية عمادها التبادل التكنولوجي وأساسها طريق الحرير وحزامه.

المستقبل:

ليس من السهل أن يتحقق المشروع لأسباب عديدة أولها أن الأمريكان سيشعلون مناطق طريق الحرير صراعات الأمر الذي سيهدد الطرق والبضائع ويجعل التجارة والتي هي عصب طريق في محل التهديد المستمر.. وهاهي الأنباء تتوالى عن إحداث تخريب متعمدة للسكك الحديدية والطرق في أكثر من مكان.. وقد يصل الأمر إلى مواجهات جزئية أو كبيرة بين الصين وأمريكا في بحر الصين أو بين الصين وحلفاء أمريكا وقد يتطور الأمر إلى حرب واسعة.

وستحاول الإدارة الأمريكية أن تجعل منطقة المشرق العربي والمغرب العربي أكثر اشتعالا لحرمان الصين من بناء قواعد لها على اعتبار أن المشرق العربي هو الحلق الوسيطة الأساسية للمشروع الصيني ومن المتوقع مزيد من الفوضى حيث يعتبر الاستقرار أهم المؤهلات للمشروع الصيني.

إن انجرار العرب في المشروع الصيني يعجل الزج بهم في أتون صراع سيكونون حطبا له.. ثم لن يحققوا شيئا على صعيد التحرر الاقتصادي والسيادي إنما كمن يستجير من الرمضاء بالنار.. ولعل اخطر ما في المشروع تكريس إسرائيل شريكا أساسيا في المنطقة والمشروع وتطبيع عربي إسلامي رسمي معها.

ليس من بديل على التوجه نحو إحياء الكتلة الإسلامية باقتصاد حقيقي مبني على الشراكة والتكامل وبعد ذلك تنفتح هذه الكتلة على المشاريع العالمية بوعي وتبادل يحقق منفعة الجميع.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك