طائر العنقاء السياسي ينبعث من فندق الأوراسي

مبادرة القوى الوطنية للإصلاح

بقلم: الوليد فرج

 

تلك الفئة العريضة ، التي تكتسب رزق يومها ، من كد يومها ، في ورشات البناء ، و بعض الأعمال اليومية ، هذه الطبقة الهشة ، تهديد كورنا لها في عيشها ، لا يقل خطرا عن المصابين الذي يقاومون الموت في المستشفيات ، ناهيك عن أصحاب الحرف و محلات الخدمات و التجار.

 التقيت عمي عيسى ، رغم مخلفات السنون على جسده النحيل ، مزال يقاوم في كسب لقمة حلال ، من خلال شحن و تفريغ مواد البناء ، أمام محل سليم الطيارة كما يحلو لهم منادته ، سألت عمي عيسى عن حاله ، ويا ليتني لم اسأله. يا بني واش حال ! كي نتفكر وليدات بنتي يسقسو على كبش العيد ، تقول ندير حبل في رقبتي . شكارة الحليب و ما لحقتش بيها ، والله منين بدا هذا الهم دلاعة ماديتهاش للدار ، السمانة لي فاتت العجوزة في الموت ، والله يا الدواء كون مهوش الفرمسيان يكثر خيره ، والله ما يدخل فمها ،  كون ما همش ناس الخير ، والله ما عرف واش يصرا فينا ! بهذه المرارة تقيأ عمي عيسى بعض أوجاعه ، و الدموع تتماوج على شاطئ مقلته ، وهو يردد لي خلق ما يضيّع يا وليدي ، عمي عيسى عرفته كهلا خفيف الروح ، صالب حيف الدنيا بطرفته ، إلى إن قهرته كورونا ، حتى صار لبنة في جدار المأساة . 

الكاملة أرملة تربي ستة أطفال ، تتعيّش من تنظيف المكاتب الخاص بالحي الإداري ، رغم صحتها التي أكلت أربعة عمليات جراحية ، شطرها ، بقيت تقاوم بشطر صحتها في كسب لقمة الحلال ، عمتي الكاملة جيبي الصح بقداه شريت الكبش ؟ بهذا السؤال شاغبت عمتي الكاملة التي تجيد تقليد حركات المسؤولين وهي تسخر من وضعها ، أخاه نندب و الله غير عليليشة صدقها عني أهل الخير ، كبش هذاك ما مزال لي ! مليحة راني ندير في خبيزة للبنيات. 

علوشة وما صحتنا منها حتى وذن ، صدقي على قبرك . أجابت العمة الكاملة : نصدق على قبر هذاك لي خلاني قفة بلا عرى . لا أسيرونس ولا بانسيو لاشتى نداوي به . ثم انسحبت إلى مكتب الاستقبال ، حتى سمعتها تخنق بكاءها و نار التنهديدات تحرق المكان . 

كم من عيسى وكم من كاملة في جزائر اليوم ؟ كم من أوجاع و آلام مكبوته في زمن هذه الجائحة؟ ما سَعَة الدموع التي كفكفتها راح الايادي تحت دجى الظلام ؟ كم من طفل بات والحسرة تعتصر قلبه الصغير لأنه لم يسمع ثغاء خروف في ساحة فناء بيتهم ؟ 

نزل علينا هذا الوباء ، كما نزل على باقي شعوب المعمور ، وبدأت سنانه تحصد أرواحنا ، ولسوء صفاته انه وباء معدي ، و عدواه تنتشر بسرعة ، مما أوجب تعطيل بعض أنشطة العيش و تغيير نمط  الحياة ، مما أصبح معه ضحايا تدابير وإجراءات الوقاية ،  أكثر من المصابين بهذا الوباء .

بينما نحن نكابد هذه المأساة ، و نناشز هذه الأزمة و نصارع الموت بأسلحة جد قاسية على عيشنا ،  تجتمع ما يسمى عبثا طبقة سياسة ، في فندق خمسة نجوم ، مجموعة من الوصوليين السياسيين الفاشلين في بث فكرة سياسية صحيحة تتدارس وضع البلاد ، ولو كانت هذا اللفيف يكتسب أدنى كمية ذكاء سياسي، كان قبل إجتماعه الفارغ هذا ، أن ينظم حملة تضامن مع سكان ميلة المنكوبين ، أو يجمع المؤن للمعوزين الذين ينهشهم الفقر ، أو يقفوا وقفة تضامن مع مستخدمي المستشفيات . لا أن يدعي النزاهة و الوفاء للقيم الوطنية من داخل فندق 5 نجوم ، و يتشدق بايمانه بالتحول الديموقراطي ، و تمسكه بالمسار الدستوري ، محاولا الوثوب على مكتسبات الثورة البيضاء للشعب البريء الذي كفر بكل الساسة ، متبرئا من الكل ، مستقلا بتطلعاته عن طبقة سياسية جلها انقلابي يريد استغلال الشعب في الوصول إلى الحكم ، فلا تجد أحدا منهم الا وخان حزبه وهتك مبادئه ، فلا يمكن لهؤلاء أن يصنعوا أدوات تحصين هوية الأمة و لا تعزيز وحدة الوطن . كما ادعوا في بيان ندوتهم . 

إن السياسي الذي لا يستشعر ألم و وجع  الشعب و لا يناضل من أجل وقايته منه ، و دفع أسبابه ، يعتبر أحد رطائن فساد العملية السياسة ، و واحد من خمائر التعفن السياسي ، فمن يدعو الى تحرير الفعل السياسي و المالي الذي كان سائد وقت النظام البائد . أين كان هو يومها ؟ أو في فمي ماء ، وهل ينطق من في فيه ماء ! أين كانت الديمقراطية الحقيقية و شرذمة من اللصوص سطت على كل مقدرات البلاد ؟ و تجلببكم بالإرث الثوري ، من بيان أول نوفمبر و رسالة الشهداء ، لن تستر عورتكم السياسية ، و وحدة الوطن لا يهددها إلا رعونة و طيش طبقة سياسة تفتقر لأدني مقومات الخطاب السياسي .

مزال عمي عيسى يلعنكم ، في السر و العلن ، و لعنة دموع أطفاله سوف تلاحقكم إلى الأبد ، مازلت دموع العمة الكاملة ، تفضحكم و تعجن من تفاهتكم و رداءتكم ، أجمل ملامح السخرية و أقوى صور الرهق السياسي ، أنين المرضى سوف يلاحقكم ، في منشطكم و مكرهكم ، صور الأرامل و المطلقات وأطفالهم سوف تسكنكم .

 

 ندواتكم و تجمعاتكم ، في زمن هذا الوباء القاتل ، سوف تبقى عار في جبين الطبقة السياسية على مدى الدهر ، فكل المذاهب و الممارسات السياسية تعافكم ،  ظنا منكم أن الوباء على وشك الانقشاع ، فخرجتم من وُجركم السياسة ، لتبنوا سياستكم فوق الأماكن المهدمة ، و الجراح الدامية لهذا الشعب .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك