صور من قصر المؤتمرات!

مباشرة من وادي الصومام

بقلم احسن خلاص

في العشرين من أوت انطلقت الجلسة الأولى لاجتماع الصومام الذي قرر منظموه منذ البداية أن لا يضم إلا دائرة ضيقة تمثل النواة القيادية إذ لا يتعدى تمثيل الجهات المعنية عضوين اثنين لكل جهة لأن كثرة عدد الحاضرين لا يتلاءم مع الوسائل المتاحة لذلك فالثورة كانت أبعد من أن تتيح لنفسها قاعة مؤتمرات أو يمكنها الاجتماع في الهواء الطلق لأيام متتالية ثم أن الأمر يتعلق بقرارات هامة وحاسمة تتطلب تركيزا للنقاش لا يتاح عادة إلا لعدد قليل من المشاركين. وقبل هذا كله لم يكن من السهل البتة أن ينتقل عدد كبير من المناضلين فرادى أو جماعات إلى أي بلدة جزائرية دون الوقوع في قبضة البوليس والجيش الاستعماري الذي صار يراقب حركة التنقل من وإلى المناطق “المتمردة” مثل منطقة الصومام، لهذه الأسباب وغيرها اختار المبادرون بفكرة المؤتمر أن يقتصر على القادة الأوائل ومع ذلك فرضت ظروف المكان وضيق المنازل أن لا يتعدى حضور الاجتماع 6 أفراد هم العربي بن مهيدي ممثل المنطقة الخامسة الذي ترأسه ورمضان عبان ممثل جبهة التحرير الوطني الذي تولى أمانته وبلقاسم كريم ممثل المنطقة الثالثة التي تولت استضافته واعمر أوعمران ممثل المنطقة الرابعة ويوسف زيروت رفقة عبد الله بن طوبال ممثلين للمنطقة الثانية.

لم يكن اختيار هذه التركيبة اعتباطيا إذ كان الهدف من إشراك بن طوبال مع زيروت مع رغبة علي كافي في المشاركة إحداث توازن جهوي بين المناطق الجزائرية الثلاث مع غياب منطقة الاوراس الثقيلة بأهميتها ودورها والمثقلة بهمومها الداخلية بعد استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد ولو أنه يقال بأن أخاه عمر بن بولعيد التحق بالاجتماع عندما أوشك على اختتامه، وغياب علي ملاح المدعو سي الشريف ممثل المنطقة السادسة التي كانت مشروعا في ذلك الوقت ولم تتشكل بعد، والتطابق مع رمزية العدد 6 وهو عدد القادة الذين فجروا الثورة في الداخل. يضاف إلى هذا كله غياب وفد القاهرة الذي سال بشأنه كثير من الحبر وقد نعود إليه في موضع آخر. ولكي لا تكون النقاشات والقرارات حكرا على القادة الحاضرين فقط فقد أتيح لهم الخروج للتشاور مع نوابهم ولم يتح إلا لنائب بلقاسم كريم محمدي السعيد الدخول إلى غرفة الاجتماع والخروج منها ناقلا لأوراق المحضر بين المجتمعين وأربعة كتاب على الآلات الراقنة الموضوعة على ركابهم في الغرفة المجاورة ومنهم عبد الحفيظ أمقران ورشيد أجاووت.

افتتح مستضيف المؤتمر بلقاسم كريم الجلسة الأولى مرحبا بالحاضرين ومنوها بأهمية الحدث وخطورته قبل أن يضع رئاسة المؤتمر بين يدي العربي بن مهيدي الذي تردد في توليها قبل أن يلح عليه الجميع. لقد كان اختيار بن مهيدي حكيما فقد قاد النقاشات الجادة بين المجتمعين باقتدار وحكمة واستطاع تذويب الاختلافات وتوجيه الأشغال نحو أهدافها بما يحظى به من تقدير واحترام لدى الجميع. ولأن الظرف الذي انعقد فيه المؤتمر كان حرجا مع تراكم النقائص وغياب الاتصال والتنسيق وطغيان المبادرات المعزولة والارتجالية في المناطق الثورية الخمسة وغياب حدود سلوكية واضحة للعمل الثوري فقد تخللت الاجتماعات مناقشات حادة لاسيما حول هجمات الشمال القسنطيني بحضور قائدها يوسف زيروت وعملية العصفور الأزرق بالمنطقة الثالثة بحضور قائدها بلقاسم كريم بالرغم من نجاحهما في قلب الموازين على الأرض. لقد ساد الجلسات نقاش ديمقراطي بشهادة بن طوبال ذاته بالرغم من حالات التشنج التي ميزت بعض اللحظات وهو ما كان ينظر إليه من باب حرص الأطراف على إنجاح العمل الثوري المصيري الذي هو مسألة حياة أو موت والاختلاف حول الأولويات دون المساس بالأسس والمبادئ.

وجدنا اختلافات في عدد أيام المؤتمر التي كانت تتراوح بين عشرة أيام وعشرين يوما فقد ذكر لنا عبد الحفيظ أمقران أن اختتام المؤتمر كان في 2 سبتمبر في المكان ذاته الذي افتتح فيه غير أن هذه المرة كان بحضور جميع الوفود بل امتد الحضور إلى التشكيلات الأمنية والساهرين على النظام والتنظيم من مجاهدي المنطقة في تجمع احتفالي بنجاح الأشغال وحصول الاتفاق بين المؤتمرين على الوثيقة التاريخية الثانية بعد بيان أول نوفمبر. وكان اللقاء الختامي هذا فرصة ليشكر بن مهيدي رئيس المؤتمر سكان المنطقة الذين وفروا الأمن والأمان والإيواء والإطعام لما يقرب من 40 رجلا شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في الاجتماع كما كان سانحة للاستماع إلى المجاهدين وسبر انشغالاتهم، وفي هذا الصدد روى المجاهد عبد الحفيظ أمقران أن أحد مجاهدي المنطقة اشتكى لبن مهيدي الصرامة الشديدة لمحمدي السعيد وعميروش تجاه المجاهدين لاسيما وأن عميروش كان يجبرهم على الصلاة في وقتها بالرغم من الحرج الذي يجده المجاهدون في ذلك. وأمام انفجار الجميع ضحكا رد عليه بن مهيدي بالقول إن نجاح الثورة ينطلق من انضباط كل واحد والصلاة في وقتها تعلم الانضباط وتعزز الإيمان بالله لدى المجاهدين.

حاولنا أن نقرب صورة مؤتمر الصومام إلى الأذهان دون التوصل إلى نقل الوقائع بشكل دقيق لغياب شهادات مدونة من الفاعلين حول تفاصيل ما جرى في الاجتماعات الماراطونية التي استغرقت ما يقرب من 15 يوما وهذا يدل على جدية اللحظة وصعوبة التقاء القادة مجددا ودون أن تصل إلينا مسودة تفاصيل الجلسات كما نقلها رمضان عبان بنفسه. وفي كل عام نحيي فيه ذكرى المؤتمر يتفاجأ الزائرون لمكان انعقاده والبيت المتواضع الذي احتضن بعض جلساته ويتساءل كيف استضاف هذا المكان اجتماعا بهذه الأهمية والضخامة وكيف انبثقت عنه مؤسسات سياسية وعسكرية وكيف مثل منعرجا تاريخيا، وفوق هذا كله كيف خرج من هذا المكان كل هذا الجدل الذي تعرفه الساحة اليوم؟
يتبع

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك