صناعة الغد على أنقاض شرعيات الماضي

المبادرة تقيم حفلها السنوي هذا السبت

ينظم صاحب مبادرة صناعة الغد السيد بشير مصيطفى هذا السبت الحفل السنوي للمبادرة وهو الحفل الذي يريده كبيرا يحضر فيه الوزراء والسفراء ورجال الإعلام الذين سيكرم منهم من رافق نشاطها في السنوات الأخيرة.

قد لا يختلف هذا الحفل عن الاحتفالات المعهودة التي تنظمها الجمعيات والهيئات الرسمية من حيث الشكل وفي المضمون أيضا فهو يتضمن وفق البرنامج الذي أرسله صاحب المبادرة لوسائل الإعلام كلمات وتكريمات ووصلات وعروض فكرية وفنية ضمن عملية تسويقية مألوفة.

ويثير لجوء الوزير المنتدب المكلف بالإحصاء والاستشراف إلى الطابع الاحتفالي والفلكلوري التساؤل لغرابة الموقف، في إحدى المجالات الأكثر جدية وصرامة ومخبرية، فعادة ما ينزوي رواد التفكير في الغد في ركن يتأملون ويتمعنون ويحصون كل شيء عددا فيستنبطون ويتوقعون قبل أن يقترحوا الخطط والحلول. بل يمتد التساؤل أبعد من ذلك إلى الدافع الذي جعل الرجل ينشئ جمعية وطنية لها امتداد لدى الجالية الجزائرية بالخارج تعنى بصناعة الغد، صناعة الغد وليس التفكير في الغد، كما ظل يؤكد، ففي نظره لا يوجد إلا الماضي والمستقبل في صيرورة تاريخية محركها الغد فالأمم الحية تعيش الغد بدل أن تفكر فيه.

هذه هي الفلسفة التي تقوم عليها هذه المبادرة الفريدة من نوعها التي حولت صناعة الغد إلى ممارسة اجتماعية تربوية تنتج تصورات ذهنية جديدة في مجتمع مرتبط بماضيه ارتباطا مقدسا، إذ أن كافة المناهج الدراسية تقوم في مجتمعنا على ارتباط الوجود بالماضي الذي كلما كان عريقا وعتيقا وبعيدا في الزمن كلما أعطى لصاحبة أكثر مبررات الوجود متانة لذا تجد الحوار المجتمعي عندنا ينزع إلى البحث عن تحديد أقدم نقطة بدأ منها إنسان هذه المنطقة في سياق البحث عن الشرعيات في الماضي بدل البحث عنها في طرح السؤال الأهم وهو إلى أين نحن ذاهبون؟

حتى أننا نجد من بيننا من يعيب على الولايات المتحدة الأمريكية أنها لا تملك تاريخا عريقا يمتد في القدم بينما تعيب هي على أوروبا قدمها وتصفها بالقارة العجوز وفي آسيا نجد بلدانا هي مصانع في شكل دولة لا تملك من الرصيد التاريخي إلا تلك اللحظة التي قررت فيها تجنيد طاقاتها من أجل النهوض وفق أهداف دقيقة وصلت إليها ولا تزال تطمح في المزيد في عالم لا يعترف إلا بالمنتجين.

تقوم فكرة صناعة الغد إذن على ثورة ذهنية تشكل القطيعة بين اجترار الفرد والمجتمع إنجازات وإخفاقات الماضي وبين صياغة أهداف تنموية على جميع المستويات تكون مرتبطة بآجال واقعية مضبوطة على أساس حسابات علمية تقوم على اليقظة كمفهوم أفقي ينسحب على المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية ويرمي إلى تشكيل نخبة لا هم لها إلا ترصد إمكانيات الإقلاع.

وبهذا تخرج مبادرة “صناعة الغد” الاستشراف من المخابر العلمية المعزولة إلى المجتمع وتجعله الأكثر تقاسما بين الناس تماما كما قال ديكارت ذات يوم بأن التفكير القويم هو الأكثر تقاسما بين الناس (le bon sens est la chose la mieux partagée entre les gens).

ويأتي هذا التوجه ليتلاءم مع نزوع قطاع كبير من الشباب إلى الاهتمام بمجتمع المعرفة وتطوير توظيف تكنولوجيات الإعلام والاتصال ومواكبة ثورة المعلومات التي يعيشها العالم اليوم في ظل تطلع إلى إيجاد تصنيف أفضل للجزائر بين البلدان بدل التصنيفات التي تضعها في ذيل الترتيب في مجالات مناخ الأعمال وإنتاج الجامعات والبحث العلمي ومستويات النمو الاقتصادي.

ويعد تحويل صناعة الغد إلى رياضة وطنية طموحا مشروعا في بلد، هو الأكبر مساحة في إفريقيا، يحتل موقعا استراتيجيا ويتمتع بثروات بشرية وباطنية وإمكانات كامنة لا تزال في وضع المادة الخام وبمنشآت قاعدية وبنية تحتية ملائمة لإحداث إقلاع تنموي رهيب، يضاف إليها مجتمع سياسي جديد يمثله الحراك الشعبي الطامح للتغيير السلمي والسلس نحو إنشاء دولة مؤسسات حديثة.

كيف لا وبلدان إفريقية لم يمض على تحررها من المستعمر إلا عقود قليلة بل أن بعضها عاش منذ سنوات قليلة حروبا أهلية مدمرة، دخلت على الفور في معركة الاقتصاد المعرفي والمدينة الذكية وولجت عالم الرقمنة من بابه الواسع، بلدان تقودها نخبة شابة تخلصت من الشرعيات البائدة والعقيمة وجعلت العلم والمعرفة المعيار الأوحد للتراتبية الاجتماعية. لكن ثمة عوائق لا تزال تقف أمام الجزائر وتحول دون توجهها ضمن هذا المنحى أهمها أن جانبا من النخب الفكرية والسياسية سقط في لعبة الاستقطاب الإيديولوجي المرتبط أساسا بعناصر الهوية التي يبحث من خلالها عن شرعيات ماضوية بدل بناء شرعيات جديدة منبثقة عن التصورات المستقبلية وكيفية إنجاز الإنسان الجزائري المرتبط بالألفية الثالثة.

بقلم: احسن خلاص     

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك