صناعة البدايات والتحديات المتعددة واحتمالات المستقبل

تونس

بقلم: صالح عوض

قبل 29 قرنا أقام الفينيقيون القادمون من صور شمال فلسطين مدينة قرطاج عاصمة لسلطانهم على البحر المتوسط وسواحل إفريقيا وشمالها وجنوب أوربا، وتصدت المدينة لروما وصمدت في مواجهة غزواتها أسطوريا قبل أن تسقط  سنة 146 قبل الميلاد.. وعلى أرضها أسس الفاتحون المسلمون القَيْرَوَان قاعدة انطلاقهم نحو المغرب الكبير، فكانت حسب الفقهاء “رابعة الثلاث” مكة والمدينة والقدس.. فيها جامع عقبة، و”دارالحكمة” تنشر الهداية والعربية في المغرب والأندلس.. وقبل ألف وثلاثمائة سنة نشأت فيها أول جامعة للمسلمين -الزيتونة- وهي أقدم جامعات العالم.. تصدت للتغريب الفرنسي فأصبحت منارة التنوير والتجديد في المغرب العربي فكان طاهر بن عاشور والثعالبي وابن باديس.. ولأنها تؤمن بدورها وتعرف قيمة الجيواستراتيجي كانت دوما تدرك أن لا أمن لها إلا بقوة الجزائر ولا استقلال لها إلا بانتصار الجزائر فكانت للثورة الجزائرية رئة وقاعدة أساسية ورهنت وجودها بمصير الثورة الجزائرية وأصبح أمن تونس من الأمن القومي الجزائري ولا مجال للتهاون فيه فهي الأقرب -بحكم عديد العوامل وتداخلها- للجزائر.. كان لتونس –كعادتها- بداية الحراك فيما سمي بالربيع العربي لكنها لا تشبه من لحق بها: انتخابات، واستقالات، وتقلبات، أحزاب فشلت، وعناوين انهارت، وشعب يبحث عن المخرج، فإلى أي مدى تملك تونس حكمة النجاة من المؤامرة وفي مواجهة تحديات الإقليم وضغوط الخارج واحتياجات الداخل؟ ذلك ما نحاول تأمله.

التدخلات الخارجية:

لقد فاجأ الشعب التونسي الجميع بأدائه الحضاري ونقلت قدرته على مواجهة الفراغ السياسي للمتربصين بالمنطقة إحساسا بالقلق.. ولكي لا ينجح المثال التونسي الرائد كانت التدخلات الخارجية سافرة لإسقاطه  ومنعه أن يقيم دولة حرة كريمة يمكنها ان تكون التجربة العربية الناجحة الرائدة على صعيد بناء مؤسسات دستورية و إرساء العملية الديمقراطية بعمق.. فمن هم هؤلاء المتدخلون؟ أولهم وأخطرهم: فرنسا وهي اللاعب الرئيس عبر وزارة خارجيتها وصولا إلى التدخل عبر وكلائها.. لقد كان السفير الفرنسي يتجول في البلاد طولا وعرضا ويوجه الرسائل ويدعم جهات دون أخرى علنا بشكل غير طبيعي، ويتواصل مع الأحزاب التي يريد لتنسيق المواقف الأمر الذي هيج عليه الرأي العام.. وتحرك مزدوجو الجنسية من أبناء المدرسة الفرانكفونية المتكرسين في مواقع حساسة ذات سيادة للحفاظ على مصالح فرنسا الثقافية وللحفاظ على مصالح فرنسا في الشركات البترولية والتجارة من خلال تشريعات وعقود تجارية وضغط على مسار الدولة نحو تعميق الصلة بالمؤسسات الفرنسية.. 

وتحركت بعض الدول الخليجية لاسيما الإمارات ماليا وإعلاميا بمجرد تصدر حركة النهضة للمشهد السياسي لإسقاط النهضة و”الإسلام السياسي” بأي شكل من الأشكال.. والتقت هذه الدول مع أحزاب محسوبة على النظام السابق وفعاليات سياسية من شتى التوجهات الإيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ومع نخبة من الإعلاميين والسياسيين، وفي مقابلها تحركت دولة خليجية أخرى قطر مع تركيا وقوفا مع النهضة وحلفائها إلا أن دعمهما لم يكن قادرا على اختراق الضغط الإعلامي المضاد الموحد في عدائه للإسلام السياسي الأمر الذي ترجمه تقهقر ثقل النهضة.. ولعل التجاذب بين المتدخلين العربيين وكذا المتدخل الفرنسي قد أصبح واضحا  بالانسداد السياسي الذي كاد أن ينقل البلاد إلى أسوأ أزمة سياسية منذ الاستقلال كما صرح الرئيس التونسي.

ان عنوان التدخل الخارجي في الشأن التونسي إنما هو إفشال تجربة رائدة في حركة الشعوب العربية التواقة للحرية السياسية والشفافية في تسيير أمور الاقتصاد والبلاد جملة.. ولكن مواصلة التونسيين للمحاولة يعني أنهم يسيرون في ظل الحريات السياسية نحو إفساح الفرصة لطاقات وطنية متميزة تشق طريق التحرر من الضغوط الخارجية.. وهذا من شانه أن يكون عامل استقرار أمني في الإقليم كله.

الأزمة الليبية:

 للأزمة الليبية انعكاسات واضحة على الأوضاع في تونس جملة وعلى رأسها الجانب الأمني حيث أصبحت ليبيا بانفلات الأمن فيها وتعدد المليشيات والجبهات مصدرة للسلاح والمسلحين وقد عانت الدولة التونسية خلال السنوات الأخيرة من ملف الإرهاب وقد ذهب عشرات رجال الأمن في اشتباكات مع المجموعات المسلحة.. ومن الناحية السياسية هناك انقسام واضح في الموقف التونسي نحو تقييم الوضع الليبي ففي حين تجد حكومة الوفاق تأييدا من حركة النهضة وحلفائها يجد حفتر تعاطفا كبيرا من الأحزاب القومية واليسارية وبقايا النظام السابق وكل من له ثأر مع الإسلام السياسي.

ومن الواضح ان الأزمة في ليبيا تلقي بظلالها على العمالة التونسية وحركة التجارة فلقد كان تدفق اليد العاملة التونسية والتجارة بين البلدين بمثابة مصدر دخل وطني يمكن ان يمتص كثيرا من البطالة ويفتح مجالات عديدة للتونسيين في نشاط تجاري تحتاجه ليبيا الأمر الذي يعني بوضوح ان تونس متضرر  رئيسي من الانفلات الأمني في ليبيا على أكثر من صعيد.

وينظر المتدخلون الدوليون والإقليميون إلى تونس على اعتبار أنها بانحيازها لأي من طرفي النزاع في ليبيا ستؤثر سلبا على مصالح قوى خارجية دون غيرها ومن هنا أصبح من الضروري بفعل الحرص على هذه المصالح وحماية استمرارها إرهاق تونس وإشغالها بنفسها وعدم ترك فرصة لها للاستقرار لكي لا تتمكن من المساعدة في مساعدة ليبيا.. ولكي تصبح مصدرة تخريب في الإقليم كله ومن هنا تظهر تونس جبهة أمامية للتصدي لمحاولة نشر العنف في الإقليم.

اقتصاد مكبل: 

ترتبط المبادلات التجاريّة التونسيّة بالقارة الأوروبية ارتباطاً وثيقاً تجلّى في الأرقام المسجّلة على مستوى التجارة الخارجيّة، إذ أشارت الإحصاءات إلى أنّ الإتحاد الأوروبي يستحوذ على معظم العلاقات التجاريّة التونسيّة، بعدما بلغت الصادرات التونسيّة إلى الأسواق الأوروبية ما نسبته 75% من مجمل الصادرات ، وكان النصيب الأكبر للسوق الفرنسيّة بنسبة 27%، تليها السوق الإيطاليّة بنسبة 11% وألمانيا بنسبة 10% من إجمالي الصادرات التونسيّة. هذا الارتباط لم ينحصر باستيراد السلع والمنتجات التونسيّة، فقد استطاع الاتحاد الأوروبي بدوره أن يهيمن على السوق التونسيّة وأن يبلغ نصيبه من إجماليّ واردات البلاد ما يقارب 70% . 

تقيد التبعية الاقتصادية وقوانينها واتفاقياتها الاقتصاد التونسي بحيث يعاني من إلحاق في شتى المجالات بعجلة الاقتصاد الفرنسي والاتحاد الأوروبي توريدا وتصديرا فكل المواد المصنعة مصدرها فرنسا وأوروبا..  

يعاني الاقتصاد التونسي منذ 2010 من تراجع معدلات النمو.. والبطالة هي العنوان الأبرز لمعضلات الاقتصاد إذ تحدث تقرير للبنك المركزي التونسي عن تراجع عدد الوظائف المستحدثة سنويا إلى نحو 29 ألفا يأتي ذلك بينما يوجد نحو 650 ألف طالب شغل ويعد خريجو الجامعة الفئة الأكثر تضررا بنسبة بطالة تتجاوز 28%   

كما أن مستوى الدين الخارجي التونسي يمثل 74 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يفاقمه ارتفاع كتلة الأجور إلى نحو سبعة مليارات دولار وهو رقم كبير ..وأن ما يعادل 40% من الموازنة يتم إنفاقه على الأجور ونحو 22% على سداد الديون .

 قبل عام دعا صندوق النقد الدولي إلى إصلاحات للتحكم في عجز الميزان التجاري خلال السنوات الخمس القادمة وفي حال طبقت تونس إصلاحات صندوق النقد الدولي المطلوبة في المجال الاقتصادي فالسؤال بأي ثمن سيكون ذلك؟ وما هي انعكاسات ذلك على الأوضاع المعيشية في تونس.

  وهناك أحاديث كثيرة في النخب التونسية عن فساد مالي في بعض الدوائر المتحكمة باقتصاد مواز.. هذه العوامل كافية لشل العجلة الاقتصادية وتوقف مؤشرات التنمية وتهاوي الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية.

الوضع الحزبي:

 فصلت قوانين للنظام الانتخابي بحيث أصبح لا يسمح بحصول أي طرف على الأغلبية المريحة للحكم وقد تمت هندسته بالأساس للحؤول دون سيطرة النهضة على البرلمان بعد ان كان سبر الآراء يفيد بتقدم النهضة في سنة 2011 .

مما يؤدي الى برلمان فسيفسائي يعطل الحياة البرلمانية بل والسياسية ويضرب أي برنامج حكومي بحجم التناقضات و يفرض تحالفات موسعة قلقة وهو ما حصل في 2011،  و يستحق مشهد برلمان 2019 الدراسة حيث تحالف القوميون مع الإسلاميين مع اليسار الاجتماعي و تحيا تونس وقلب تونس الأمر الذي يضيق مساحة التحالف ويبقي التناقضات الكبيرة خارج التحالف.. وتكون عملية المراضاة سمة بارزة في السلوك البرلماني. 

تجدد الثورة:

تبدو حيوية الشعب التونسي مذهلة فبعد أن ثار في 17ديسمبر 2010 واسقط النظام في اقل من شهر..اكتشف الشعب التونسي انه أمام تحديات كبيرة وأن سقوط شكل النظام السياسي لم يكن نهاية للمشكلات بل فتح بوابة التحديات، في ظل عدم وجود البديل الجاهز بنيويا وإداريا.. فالذين جاءوا الى الحكم لم يكن لديهم رصيد تجربة و لا خبرة سياسية.. ومن الواضح ان نظام بورقيبة قد تمكن على مدار عشرات السنين ان يصنع هوية خاصة لتونس ويحدد وجهتها السياسية، وتوجهاتها الاقتصادية في ظل علاقة وثيقة بفرنسا، وتشكلت لتلك المهمات الدولة العميقة و اقتحم بورقيبة حواجز طابو الهوية الثقافية، وكرس مفاهيم وقيما جديدة.. جاءت الأحزاب فارغة الوفاض تظن أن إجراء تعديلات على خطابها الأيديولوجي وان فوزها في الانتخابات وان نسجها لعلاقات ودية مع هذه الجهة آو تلك كاف لتأهيلها قيادة المرحلة المعقدة فارتطمت بواقع يحتاج رؤية وإمكانات عديدة.. وفي ظل فشلها حاول النظام السابق استعادة أنفاسه و شهدت البلاد فراغا في عقيدتها السياسية والأمنية، مما جعلها مبعثا لتصدير الإرهابيين إلى أكثر من بلد وجاذبا لإرهابيين من حين الى آخر.. فجاء رد الشعب بمعاقبة الأحزاب من خلال تحرك كبير في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة بما يمكن تسميته: الموجة الثانية من الثورة، ليضع الأحزاب في أحجامها ويقدم للرئاسة شخصية علمية وطنية نزيهة بعيدة عن الأطر الحزبية الأمر الذي ادخل حراكا من نوع جديد لرسم معالم تونس الغد..  

مستقبل الرئاسة والحكومة:

 تتمتع مؤسسة الرئاسة في تونس بقدرة عالية لاستعادة هوية تونس الحضارية والالتزام بقضية الأمة المركزية فلسطين، وبقدرة متميزة لتفعيل الدستور والقانون وهذا ما يمكن اعتباره ضامن نجاح العملية السياسية.. تتم المصادقة على الحكومة رغم التحفظات من قبل بعض الأحزاب وتمرر في البرلمان ولكن  عدم تجانسها “يسار و أسلامين و قوميين و نظام سابق” قد لا يسمح لها بالاستمرار كثيرا، فهل سيكون حل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة خطوة اضطرارية للخروج من الانسداد؟.. إن نجاح تجربة تونس سيكون إضافة تاريخية لتونس بأنها التجربة الرائدة لتحرير الإرادة العربية والعمل السياسي العربي من الضغط الخارجي..

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك