صفحات عن مشاركة عرش بني ملكم في الثورة حادثة مقتل قايد دوار تاجموت  

بقلم: الأخضر رحموني

بمناسبة حلول الذكرى 66 لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة ، نتذكر التضحيات العظيمة التي قدمها  شهداؤنا الأبرار و المجاهدين الذين وهبوا حياتهم الغالية ،وسجلوا أروع صفحات النضال من أجل أن تعيش الجزائر حرة ترفرف على أراضيها راية الاستقلال . و اليوم نتوقف عند إحدى المحطات التاريخية الخالدة التي شهدها جبل احمر خدو ،جيث جرت أحداثها في دوار تاجموت الذي أنشء من طرف السلطات الفرنسية ،وهو يشمل على سكان عرش بني ملكم و عرش أولاد عبد الرحمان اكباش  ، كان تابعا للبلدية المختلطة الأوراس ،ثم تغيرت  التسمية الى بلدية أريس بتاريخ 12 أكتوبر 1957 ،ونصب للإشراف عليه القايد حسين بن العربي لكحل ضابط سابق في الجيش الفرنسي ،الذي  تنحدر أصوله من إقليم واد عبدي.

محيط  دوار تاجموت يتبع حاليا الى بلدية مزيرعة من دائرة زريبة الوادي بولاية بسكرة .

خلال الثورة التحريرية المباركة ( 1954- 1962 ) اتخذ مجاهدو الولاية الأولى التاريخية من مخابئ جمينة و مغارات الجبال المحيطة بها ،مراكز للتخطيط و العلاج و تخزين السلاح ،حتى تم اكتشافها من طرف المستعمر الفرنسي سنة 1957 ،فقام بقصفها و تدمير بيوتها، و تهجير سكان دوار تاجموت  الى محتشدات لولاش و مشونش من أجل عزل الثورة عن مسانديها من السكان الأصليين الذين احتضنوها منذ اليوم الأول  لاندلاعها .

و يفتخر عرش بني ملكم بأن عدد الشهداء من أبنائه الذين سقطوا من أجل الجزائر يتجاوز 120 شهيدا ،يتقدمهم المناضل الشهيد لخضر قربازي  أحد الشخصيات البارزة في الحركة الوطنية بمدينة أريس منذ سنة 1944 . فقد كان عضوا في حزب الشعب الجزائري و من الأصدقاء المقربين للقائد مصطفى بن بولعيد، و بحكم هذه العلاقة الشخصية أصبح من المعدودين في قائمة الأعيان الذين كلفهم  الشهيد مصطفى بن بولعيد بتسيير الثورة في بدايتها بالأوراس، و العمل على نشر مبادئها بين الجماهير من أجل توسيع نطاقها في ناحية كيمل، و على وجه الخصوص أعراش بني ملكم و السراحنة و الشرفة و أولاد عبد الرحمن و أولاد أيوب و أعراش أولاش .

كما شارك مجاهدو عرش بني ملكم  في عدة كمائن و هجومات جرت بالمنطقة منها كمين تنوة بالقرب من وادي  سيدي عمران و كمين رمان و كمين فرغوس المقابل للجبل و كمين تاجموت بالقرب من غابة مزبال .كما  كانوا ضحايا محرقة بوعرعار التي وقعت بدوار لولاش في أواخر شهر نوفمبر  1956 ،حيث تم رمي مجموعة من الشباب  في النار بعد تعذيبهم  و هم أحياء، خاصة من عائلة رناخي  .بالإضافة الى  حادثة مقتل القايد لكحل حسين ،التي سنتوقف عندها بالتفصيل .

و لتسجيل خفايا مجريات الحادثة ،كان لنا لقاء مع بعض المجاهدين الذين أجمعوا على أن الذي قام بقتل القايد لكحل حسين الموالي لفرنسا هم أبناء عرش بني ملكم بأوامر من المناضل الشهيد لخضر قربازي .الحادثة وقعت أحداثها بتاريخ 10 نوفمبر 1955  حسب الوثيقة الفرنسية ، و 11 سبتمبر 1955 حسب أحد الأقوال  ،و المشاركون في العملية أربعة مجاهدين  ،ثم التحق بهم آخرون، و قد جرت هذه الحادثة  في منطقة عين البيضاء بالقرب من سامر أين توجد الأراضي الفلاحية و مساكن عرش بني ملكم التي يلتجئ إليها السكان عند حلول فصل الصيف لبرودة مناخها  .

و حسب الرواية المتداولة ، فإن الشهيد قربازي لخضر عندما انظم الى صفوف الثورة في أفريل 1955 و هو من أعيان عرش بني ملكم ، أعطى الأوامر الى مجموعة  من الشباب من عرشه تتكون من 24 مناضلا للالتحاق في البداية بصفوف الجيش الفرنسي للتدريب على السلاح، و اكتشاف أسراره ،واتفق معهم على  البقاء في العمل الى غاية اليوم الموعود للفرار .و فعلا ،عندما وصلتهم الأوامر بالالتحاق بالثورة و صعود الجبل عن طريق رسالة بتوقيع  لخضر قربازي حملها مجاهد من نواحي قسنطينة ،و قدم كلمة السر الى المجاهد مسعود أفرن و هي أن يطلب منه كمشة من الشمة  و عند تناولها بأصبعه ترمى على الأرض بالقرب منه ،بالإضافة الى شعورهم أن القايد قد أصبح يشك في نواياهم ،قاموا بعملية كبيرة يشهد لها تاريخ المنطقة ،إذ قتلوا قائد المركز الاستعماري بمنطقة عين البيضاء لكحل حسين برتبة ملازم و هو ساهر معهم و مهتم بلعبة   الدومينو ،و هذا عن طريق ضربه على رأسه بمؤخرة بندقية أولا من طرف المجاهد مسعود أفرن الذي غافله عندما  رفع سلاحه وهو خماسي الى الأعلى قائلا له:إن من يملك هذا النوع من السلاح لا يستطيع هزم فرنسا ،ففرح القايد كحول لهذه العبارة، غير أن المجاهد انهال عليه بضربة تحت أذنه ، ثم لحقتها ضربة أخرى  بواسطة رزامة حديدية من طرف المجاهد بلقاسم بوميلان ،و قد حاول المجاهد امحمد بوحيتم ذبحه لكنه تراجع عن ذلك بعدما نزفت الدماء من رأس القايد  ، و قد تفادوا قتله رميا بالرصاص حتى لا يتم اكتشاف أمرهم، أو الانتباه إليهم من طرف حراس اللفيف الأجنبي المتواجدين بالثكنة القريبة من المكان التي جرت به الحادثة . ثم قاموا  بالاستيلاء على الأسلحة ، وبسرعة هربوا ليلا متسللين بسلاحهم مع الذخيرة الحربية و مبلغ 400 ألف فرنك فرنسي نزعت من حقيبة القايد العميل  للانضمام نهائيا إلى المجاهدين بجيش التحرير الوطني ،تاركين القايد يصارع الموت وسط دمائه ، و اختبأوا في غابة كيمل و الوادي .وهكذا زودوا الثورة بالرجال والسلاح·

و عندما وصل الخبر الى القوات الفرنسية طوقت المكان ،و جاءت طائرة هيلوكبتر لنقل  القايد نحو مستشفى قسنطينة غير أنه توفي و هو  في طريق العلاج  .و المجاهدون الذين شاركوا في العملية هم : بوميلان بلقاسم (1923- 2018)، و بوحيتم امحمد (1912- 2019) ، وأفرن مسعود(1913-2011)،و كندري أحمد بن محمد (1922- ) ، و من بين الذين هربوا معهم  : بوميلان الصالح، قربازي المبارك، شقرونة عبد الرحمان، لغلغ مصطفى ، بوحيتم لخضر، صالح رفاع  والإخوة بوزكو: العابد وعمر وأحمد ·( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا

و بعد وصول المجاهدين الى مركز القيادة بغابة لبراجة، استقبلهم القائد عاجل عجول و أكرمهم بذبح بقرة  ،و لما سألوا عن زميلهم المناضل لخضر قربازي قيل لهم إنه في مهمة عسكرية بنواحي تبسة . وبعد استقرارهم  قررت قيادة الناحية الرابعة  للولاية الأولى  إرسال حوالي 60 جنديا ينتمون الى عرش بني ملكم الى نواحي سطيف ،وقد  وعدوا بالعودة الى مواقعهم الأصلية  بعد 06 أشهر ،لكن الأوضاع العسكرية تغيرت ،و منهم من استشهد هناك  خارج ناحيته .

و قد أشارت رسالة نشرت بالجريدة الرسمية الفرنسية سنة 1955 عن منح  فرنسا وسام الاستحقاق للقايد لكحل حسين نظير ما قدمه من خدمات الى فرنسا ،حيث عمل كعسكري ضمن الجيش الفرنسي ،  ثم أحيل على التقاعد بعد فترة دامت 26 سنة ،و بعدها أعيد إدماجه في عمله لينصب كقايد على دوار تاجموت بتاريخ 13 سبتمبر1953 . وهو من الأوائل الّذين حملوا السلاح مجدّدا ضد المجاهدين في جهة أريس ،مثل قدماء المحاربين في الجيش الفرنسي الذين قاتلوا المجاهدين منذ شهر نوفمبر 1954 ،و كوّنوا مجموعات مسلحة من القومية تمشّط المنطقة .و قد تحصل نظير ولائه وانضباطه و سلوكه على ميداليات هي : الميدالية العسكرية، و وسام الشرف بتاريخ 20 ديسمبر 1955

بعد هذه الحادثة التي كانت ضربة موجعة للمستعمر ،و نشرت الخوف في صفوفه ، قامت القوات الفرنسية بترحيل جنودها من مراكزها المكلفة بتسيير و حماية سكان  أعراش دوار تاجموت ودوار كيمل و أجزاء من  دوار لولاش و دوار زلاطو و دوار الولجة ،حتى أصبحت هذه المناطق محررة و هي :

1- مركز عين البيضاء المكلف بتسيير دوار تاجموت .

2- مركز سيدي علي .

3- مركز الوسطية لدوار كيمل .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك