صراع قيادات لم تفرط في الوطن

حقيقة الخلافات داخل الثورة

حضر رمضان عبان اجتماع لجنة التنسيق في 28 يناير 1958، بالرغم من انتزاع العضوية منه باغتياله شهرا من قبل، فقد كان الاغتيال هذا الموضوع الرئيس للجلسة إذ سعى العقداء الخمسة إلى استصدار محضر يمنح الشرعية لعملية الاغتيال وهو ما رفضه كل من عباس فرحات ولمين دباغين وعبد الحميد مهري بينما زكاه من بين الأعضاء الشرفيين احمد بن بله ورفضه حسين ايت احمد ولم يسجل لباقي القادة السجناء أي موقف، غير أن أمر غياب عبان عن المشهد صار محيرا في صفوف جيش وجبهة التحرير الوطني وهو ما اضطر القيادة الجديدة إلى إنزال خبر “سقوطه في ميدان الشرف في اشتباك مع قوات العدو” في ماي 1958.

أجهز اغتيال رمضان عبان، إذن، على الانسجام الهش بين أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ ولم يعد السياسيون الثلاثة يحضرون اجتماعات اللجنة وانشغلوا بالعمل بعيدا عن تونس وما كانوا ليعودوا إليها لولا ما فرضته أحداث ساقية سيدي يوسف في فبراير 1958 من واجب التضامن مع التونسيين فقد طبع العلاقات بين أفراد القيادة مناخ بارد جليدي أثر سلبا على نشاطاتها بل أدخلها في حرب مواقع جديدة بالرغم من التحركات الديبلوماسية لعباس ومهري تجاه الأحزاب الوطنية المغاربية التي توجت بمؤتمر طنجة في أفريل 1958.

 

صعود ديغول وميلاد الحكومة المؤقتة

صعد ديغول إلى السلطة كرئيس للوزراء في أول يونيو 1958 مستفيدا من انقلاب 13 مايو وهو الصعود الذي تزامن مع الحرب النفسية التي شنتها المخابرات الفرنسية على جيش التحرير من خلال عمليات لابلويت التي نجحت غلى حد بعيد بسبب تشتت القيادة الثورية وتأثير الصراعات الداخلية حول السلطة. وقد تبعت تلك الحرب النفسية العمليات العسكرية المعروفة في بداية فترة حكم ديغول مثل المنظار والأحجار الكريمة، يضاف إليها إقامة خطي شال وموريس على الحدود الشرقية والغربية.

أمام اجتماع كل هذه المعطيات وجدت الثورة نفسها في طريق مسدود وبدأ الجميع يعي، ولو لحين، أن لا جدوى من الدخول في صراعات سلطة إذا كانت الآلة الحربية الشرسة ستقضي على الجميع. ولأن تلك الصراعات كادت تنعكس سلبا على العمل الثوري فقد برز التفكير في تجاوز لجنة التنسيق والتنفيذ وجمع كل الفرقاء في إطار قيادي جديد وهو الحكومة المؤقتة التي ولدت في 19 سبتمبر 1958.

غير أن الحكومة المؤقتة، بقدر ما سعت إلى ضم جميع القيادات المشتتة في وعاء واحد وتوزيع المهام والسلطات بين أعضائها بشكل واضح إلا أنها أقامت، ودون رجعة، بترسيخ أحد الثوابت التي لازمت النظام الجزائري إلى يومنا هذا وهو أن دور الهيئات لا يتجاوز مجرد التمثيل الشكلي وتبليغ قرارات نواة قيادية هي السلطة الحقيقية، وقد كانت ممثلة آنذاك في الباءات الثلاث (بلقاسم كريم وبن طوبال لخضر وبوصوف عبد الحفيظ) يضاف إليهم بعض القادة التاريخيين. وبهذا لم تكن لرئيس هذه الحكومة، فرحات عباس ولخلفه من بعد بن يوسف بن خده، أي سلطة فعلية على تلك النواة ضمن منظور أولوية العسكري على السياسي، لاسيما وأن القيادة العسكرية قد انتظمت في هيكل جديد يسمى القيادة العملياتية العسكرية (كوم) الذي ضم “كوم الشرق” بقيادة محمدي السعيد ضم الولايات الأولى والثانية والثالثة و”كوم الغرب” بقيادة هواري بومدين وضم الولايات الرابعة والخامسة والسادسة.

 

عودة إشكالية الداخل والخارج 

كان ينتظر أن يقضي استقرار الحكومة المؤقتة بين تونس والقاهرة على الثنائية التي ظلت تلازم الثورة التحريرية منذ انطلاقها، وهي ثنائية الداخل والخارج. إلا أن هذه الثنائية مع لبثت أن عادت إلى السطح بعد شعور قادة الولايات التاريخية في الداخل بالعزلة وضعف التسليح والتمويل في ظرف دقيق تمر به الثورة بفعل المخططات الجهنمية لديغول، في حين انتقل أعضاء الحكومة المؤقتة من ثورة الجبال إلى “ثورة الصالونات والسفريات”. وهو الشعور الذي دفع قائد الولاية الثالثة العقيد عميروش إلى الدعوة إلى اجتماع قادة الولايات في ديسمبر 1958 وهو ما تم في منطقة اولاد عسكر بجيجل (منطقة تابعة للولاية الثانية) وجمع كلا من الحاج لخضر عن الولاية الأولى ولمين خان ممثلا لعلي كافي عن الولاية الثانية وعميروش ايت حمودة عن الولاية الثالثة وسي محمد بوقرة عن الولاية الرابعة واحمد عبد الرزاق (سي الحواس) عن الولاية السادسة وغابت عن الاجتماع الولاية الخامسة التي كان مقر قيادتها بوجدة المغربية.

لقد كان الاجتماع نقطة تحول هامة في العلاقة بين الداخل والخارج، تماما مثلما كان اجتماع القاهرة قبل سنة ونصف، في قلب ميزان علاقة السياسي مع العسكري. فقد خرج قادة الولايات بتقرير عنيف وشرس تجاه تقاعس الحكومة المؤقتة بعد أن كان إنشاؤها بشرى خير على المجاهدين في الداخل. وقد تقرر إرسال هذا التقرير إلى القاهرة كما قرر القادة أيضا إنشاء قيادة أركان جيش التحرير الوطني بالداخل تقوم بالتنسيق بين الولايات لمواجهة الوضعية العسكرية المستجدة مع سياسة ديغول القمعية. وهي القيادة التي أسندت إلى عميروش والحواس وبوقرة.

 

هكذا نشأت هيئة الأركان

وبهذا ظهر الصراع بين قيادتين متوازيتين لجيش التحرير، إحداهما في الخارج والأخرى في الداخل، مما استدعى اجتماع 10 عقداء بتونس، وهم الحاج لخضر عن الولاية الأولى وعلي كافي عن الولاية الثانية وسعيد فريروش (بعد استشهاد عميروش) عن الثالثة وسليمان دهيليس عن الرابعة ولطفي عن الخامسة في حين تعذر تمثيل الولاية السادسة بعد استشهاد الحواس رفقة عميروش، وقد أضيف إليهم قائد كوم الشرق محمدي السعيد وقائد كوم الغرب هواري بومدين إلى جانب الباءات الثلاث. وقد دام الاجتماع 100 يوم بسبب صراعات جديدة حول القيادة بين كريم من جهة والثنائي بوصوف وبن طوبال من جهة أخرى بعد رفضهما انفراد كريم بوزارة الحرب وهو الصراع الذي انتهى بإنشاء اللجنة الوزارية المشتركة للحرب، ضمت الباءات الثلاث، والتفكير في إنشاء قيادة أركان جيش التحرير الوطني تكون تحت مسؤولية هذه اللجنة الجديدة. وهكذا نشأت لأول مرة هيئة أركان أسندت قيادتها لهواري بومدين من منطلق كونه شابا طيعا يسهل التحكم فيه إذ لم يكن يملك آنذاك رصيدا تاريخا معتبرا في النضال السياسي أو العمل المسلح، وعين له مساعدون هم الرائد عز الدين ممثلا للوسط وقايد احمد ممثلا للغرب وعلي منجلي ممثلا للشرق.

 

هيئة الأركان في مواجهة الحكومة المؤقتة

أفضت الصيغة القيادية الجديدة إلى استتباب الوضع مؤقتا إذ ما لبثت أن عادت التوترات هذه المرة بين الحكومة المؤقتة وقيادة أركان جيش التحرير الوطني بعد إسقاط هذه الأخيرة لطائرة فرنسية على التراب التونسي، كانت تريد قصف مركز تكوين تابع لأركان الجيش وهي العملية التي أثارت أزمة بين الحكومة المؤقتة والحكومة التونسية بعد ضغط الحكومة الفرنسية على تونس لتسترجع قائد الطائرة الذي نجا ووقع أسيرا لدى الجيش الجزائري قبل إعدامه حرقا وبذلك تعذر تحويله إلى السلطات التونسية لتسلمه للحكومة الفرنسية. سردنا هذه القصة بعجالة لأنها كانت مفتاحا لبدء صراع مرير دام إلى غاية أوت 1962، بين الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان لاسيما بعد خلافة بن يوسف بن خده لفرحات عباس على رأس الحكومة في جوان 1961. صراع تخللته مناورات سياسية وعسكرية انتهت بسيطرة قيادة أركان الجيش على الحكم ووضع الرئيس احمد بن بله في الواجهة قبل أن تنقلب عليه في جوان 1965.

 

وفي الختام..

تابعنا من خلال هذه السلسلة الصراعات والخلافات والتوترات التي قامت بين اتجاهات ثلاثة حول قيادة الثورة وصناعة قرارها وكيف تواصلت تلك الصراعات بين أطراف الاتجاه الواحد وكيف تفتت إلى صراعات شخصية بين أفراد الطرف الواحد. عمدنا إلى الكتابة بشأنها بالرغم من أن ما تزخر به أحداث اليوم من موضوعات قد يضطرنا لتأجيل الخوض في الماضي، إلا أن بروز وتفشي خطاب التفرقة والكراهية والعنصرية والجهوية بين أبناء الجزائر وتوظيف تاريخ الحركة الوطنية وحرب التحرير ظلما وتضليلا لتذكية هذا الخطاب اضطرنا لنفرد لصراعات السلطة ما يكفي من المادة الإعلامية لنبين أن تلك الصراعات، على حدتها ومرارتها، لم تؤد إلى التفريط في الوطن ولا في هدف الاستقلال واسترجاع السيادة ولم تؤد أيضا إلى إشاعة الكراهية بين أفراد الشعب من أي منطلق كان بل بقيت محصورة في دوائر قيادية. حتى أن أيت احمد قال ذات يوم لو أن الشعب عرف بحقيقة تلك الصراعات لاستسلم في بداية الطريق.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك