شهادة المجاهد الملازم الحمزة عثمان بن لعجال

معارك جيش التحرير الوطني بمنطقة تبسة

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز 

 

    في هذا العدد سننقل بعضا من المعارك الحربية التي شارك فيها المجاهد الملازم الحمزة عثمان بن لعجال بالمنطقة السادسة تبسة الولاية الأولى أوراس النمامشة، والمولود سنة 1936م بباتنة، والذي التحق بصفوف جيش التحرير الوطني في شهر أفريل 1956م، تحت قيادة الشهيد جفافلية علي الزين أين كلف بمهام كاتب فرع (الفرع يتكون من ثلاث فصائل)، وبعدها شارك في معركة جبل أرقو الكبرى التي قادها الشهيد لزهر شريط أيام 17-18-19 جوان 1956م. 

     في سنة 1957م تقلد رتبة عريف تحت قيادة الشهيد فرحي الطاهر بن عثمان وعمل بالناحية الثالثة من المنطقة السادسة، وفي سنة 1958م تقلد رتبة عريف أول تحت قيادة الشهيد عزوز سعد الله، ليرقي إلى رتبة مساعد سنة 1959م، وفي سنة 1960م رقي مرة أخرى إلى رتبة ملازم، وعمل تحت قيادة الشهيد جلالي عثمان حتى أواخر سنة 1961م إين انتقل إلى المنطقة الرابعة أم البواقي من الولاية الأولى وعمل تحت قيادة سعيد الحركاتي حتى نالت الجزائر استقلالها.

     شارك المجاهد الحمزة عثمان في 27 عملية قتالية خضاها جيش التحرير الوطني في إقليم المنطقة السادسة تبسة، انقسمت بين معارك وهجومات حربية على المراكز العسكرية الفرنسية والسد الشائك والمكهرب المقام على الحدود الجزائرية التونسية، واشتباكات مسلحة. وقد اخترنا منها هذه المعارك لننقلها للقارئ الكريم عبر جريدة الوسط الجزائرية: 

 

01-معركة بوصوفة بالجيل الأبيض مارس 1958م: 

نشبت معركة بوصوفة بالجبل الأبيض خلال شهر مارس 1958م وقادها الشهيد عبدي لزهر بن شعبان بمساعدة الحمزة عثمان بن لعجال، وتعود أسبابها إلى تمركز مجموعة من مجاهدي جيش التحرير الوطني بجبل بوصوفة جنوب جبل الجرف بحوالي 05 كلم، وفي صبيحة أحد الأيام وعلى الساعة السادسة صباحا قامت دورية الحراسة بجولة استطلاعية حول الجبل جيش التحرير الوطني، وفجأة لاحظ المجاهدين وحدات الجيش الاستعماري تتقدم بهدف محاصرة المنطقة التي يتواجدون بها، وكانت الدبابات تسبق فرق المشاة، من جهات الشرق، الشمال، والغرب، إضافة إلى وجود وحدات أخرى احتياطية شوهدت هي بناحية البوليات وجبل السطح.

وبعد أعلمت الدورية القائد عبدي لزهر بما شاهدته، أصدر أوامر عسكرية إلى أفراد المجموعة ليتمركزوا في الأماكن الاستراتيجية في جبل بوصوفة التي توفر نوعا من الحماية، وفي الساعة السابعة صباحا وصل إلى سماء الجبل سرب من الطائرات الاستطلاعية، وأخذت تحلق في الجبل لتحديد مواقع مجاهدي جيش التحرير الوطني، أما القوات البرية فكانت تتقدم في الجبل، وفي حدود الساعة الثامنة صباحا أطلقت إحدى الطائرات دخانا كإشارة إلى الأماكن التي يتواجد بها المجاهدين، وهنا أطلق المجاهدين نيرانهم بتجاه الطائرة فأصابوها إصابة مباشرة وشوهدت تحترق في السماء. 

ولما سقطت الطائرة انسحبت بقية الطائرات الأخرى، وأفسحت المجال لتقدم فرق المشاة الفرنسية ولما تقدمت في عمق الجبل، أطلق المجاهدون النار عليها، وتبادل الطرفين النار لمدة ساعتين، تكبد فيها الجيش الاستعماري خسائر فادحة في صفوفه، وتراجعت بعدها فرق المشاة على الوراء، لتبدأ بعدها الفرق العاملة على المدفعية الثقيلة بعيدة المدى المتمركزة في جبل البوليات وجبل السطح قصفا مركزا على الجبل، واستمر القصف لمدة ساعة كاملة، ولازم خلاله المجاهدين أماكنهم لتجنب القذائف المدفعية التي كانت تسقط في الجبل، وبعد نهاية القصف قامت فرق المشاة بمحاولة لدخول الجبل.

 ولما اقتربت من مواقع مجاهدي جيش التحرير الوطني، فتحت عليها النار من جديد والقنابل اليدوية واستمر القتال بعنف شديد لقرابة ساعة ونصف تراجعت على إثره الوحدات الفرنسية كلها لتتدخل المدفعية  للمرة الثانية لقصف الجبل لتحول المنطقة إلى نار ودخان وقد شبت الحرائق في الأعشاب وحتى الحجارة، لكن ثقتنا بالله وبأنفسنا جعلتنا نصبر ونلتزم أماكننا وعند توقف القصف المدفعي انسحبنا في اتجاه الجنوب مستعملين تكتيك حرب العصابات، غير أن الجنود الفرنسيين تفطنوا لنا، ولما اقتربنا من مكان عاري من الأشجار والصخور ولا يتوفر إلا سوى على نبات الشيح هاجمتنا أربعة طائرات صفراء اللون.

 وعندما حلقت إحداها على مواقعنا، تصديت لها (المجاهد عثمان الحمزة بن لعجال) بمدفع رشاش 24/29 فرنسي الصنع فأصابتها إصابة مباشرة فاشتعلت النار فيها وتحولت إلى كومة من النار والدخان وشاهدتها وهي تهوي مشتعلة وسقطت على الفور على مسافة 300 متر من موقعنا في إحدى الشعاب وانفجرت بمن فيها في تلك اللحظات انسحبت الطائرة الثانية، بعدما أصيبت هي الأخرى بنيران المجاهدين، وألحق بها عطب بليغ مما جعل بقية الطائرات الموجودة في الجو تنحسب من ميدان المعركة، علما أن الجنود الذين يحملون الذخيرة الخاصة بالرشاشة 24/29 هما الحمزة حسين بن لعجال ونابتي السبتي بن عبد الحفيظ ومازال حطام الطائرة موجود إلى يومنا هذا شاهد على ذلك. 

وقد اغتنمت مجموعة المجاهدين فرصة ابتعاد الطائرات وتسللت تجاه الجنوب متوجهة إلى الجبل الأبيض وكان الموقع وعرا على مرور الدبابات فلجأت قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي إلى استخدام سبعة طائرات عمودية لإنزال جنودها أمامنا وهذا ما أدى إلى وقوع اشتباك مع المظليين الذين انسحبوا بعد ذلك خوفا من الموت المحقق أما بالنسبة لمعنوياتنا فقد كانت مرتفعة جدا بسبب اسقاطنا لطائرة وإصابة طائرة ثانية وواصلنا طريقنا إلى الجبل الأبيض بينما كان الوقت عصرا تقريبا وفجأة لحقت بنا طائرات تابعة للحلف الأطلسي وبدأت في إطلاق وابل من الرصاص عن طريق الرشاشات والقنابل أما نحن فقد كنّا نختفي أحيانا ونتقدم أحيانا أخرى وخلال ذلك أصيبت برفقة الحمزة حسين وعكرمي عبد الله وسالمة الطيب بجراج متفاوتة الخطورة. 

ولقد تأثر مجموعة من الجنود الفرنسيين الذين حظروا المعركة تأثروا ببطولة وبسالة المجاهدين خلال المعركة المذكورة أعلاه، بعدها بأسبوع فرا ستة جنود من المركز العسكري بثليجان جنوب مدينة الشريعة بأسلحتهم الحربية والذخيرة والتحقوا بفصائل جيش التحرير الوطني الناحية الثالثة. وهم: يوسف بلعابد الروج، الدراجي، بوجلال، مويسي، جبايلي، بلحاج محمد. 

ومن بين المجاهدين الذين شاركوا في المعركة أذكر: عبدي لزهر، سالمة لزهر، عاشور الفتحي، بلغيث عمر، شنوف الهادي، بوطالب عبد اللطيف، عبدي عامر، الحمزة ميلود، شرفي معمر، توايتية الطيب، شرفي سعد، خالد فتحون، نصر الله بلقاسم، نصر الله محمود، بخوش لمين، عجال عجال، محي الدين حسين، محي الدين عبد المجيد، رقيق التهامي، ميهوب عبد الرحمان، نابتي السبتي، عون الله بوساحة، عسال لعروسي، محمودي أحمد، هلال محمد العسكري. 

 

02-معركة الجبل الأبيض 05 مارس 1960م: 

 

في شهر جانفي 1960م أصدرت قيادة الأركان العامة أوامرها لأجل أدن تدخل وحدات من جيش التحرير الوطني إلى الولاية الأولى أوراس النمامشة، وقسمت هذه الوحدات على أربعة مجموعات كالآتي: 

  • المجموعة الأولى: بقيادة العقيد الحاج لخضر. 
  • المجموعة الثانية: بقيادة الرائد علي سوايعي. 
  • المجموعة الثالثة: بقيادة الرواد الطاهر زبيري وعمار راجعي. 
  • المجموعة الرابعة: بقيادة النقيب جدي مقداد قائد المنطقة أم البواقي والنقيب جلالي عثمان قائد المنطقة السادسة تبسة. 

أما المجموعة الأولى فلم تتمكن من الدخول إلى الجزائر، أما الثانية فدخلت عبر نقرين، والمجموعة الثالثة فتمكنت من الدخول عبر الونزة لكنها خسرت الرائد عمار راجعي الذي استشهد خلال عملية اجتياز السد الشائك والمكهرب.  

وقد عينت ضمن أفراد المجموعة الرابعة التي ضمت 78 مجاهد، وقبل انطلاقنا باتجاه الحدود الجزائرية التونسية، تسلمنا أسلحة حربية جديدة، ومبالغ مالية قيمتها 500.000 فرنك فرنسي لكل مجاهد لأجل أن نوصلها إلى قائد الولاية الأولى، وفي يوم 02 مارس 1960م غادرنا الأراضي التونسية لتنفيذ تنفيذ المهمة التي أوكلت لنا، قررنا الدخول إلى الجزائر عبر قطاع بوموسى الذي يتوسط بئر العاتر ونقرين، وفي يوم 04 مارس وصلنا إلى اجتياز السد الشائك والمكهرب.

وتقدمت الفرقة المختصة بقطع الأسلاك الكهربائية الشائكة بين مركز العاتر ومركز نقرين على الساعة السابعة مساءا حيث بدأت عملية القطع للأسلاك لنعبر من خلال ثغرة يتم فتحها، بعد أخد الاحتياطات اللازمة لحماية الفرقة المختصة بالقطع من أي هجوم طارئ قد تشنه الدفاعات الفرنسية، وأثناء عملية القطع تمكنت أجهزة الرادار الفرنسية من اكتشاف موقعنا، حيث سارعت المدرعات نحو موقع عملية القطع من الجهة الشمالية والجهة الجنوبية في محاولة منها للقضاء علينا فاشتبكنا معها على أرضية الميدان واستخدمنا كل أسلحتنا بما فيها البازوكا، مما أدى إلى تحطيم دبابتين مهاجمتين. 

تواصل الاشتباك ورغم ذلك تمكنا من اجتياز السد الشائك والدخول إلى منطقة تبسة، لكن كانت القوات الفرنسية بملاحقتنا مستخدمة الدبابات والسيارات المجنزرة مدعومة بالطائرات الكاشفة ليلا فاستمرت المعركة طول الليل لكننا تقدمنا باتجاه الجبل الأبيض حيث تمكنا من حرق جيب وقتل ما فيه من جنود فرنسيين. وفي يوم 05 مارس 1960م دخلنا إلى الجبل الأبيض بهدف تحصين مواقع الدفاع، لأن المعركة ستكون أشد من سابقتها وحوالي الساعة الخامسة صباحا بدأت القوات الفرنسية في عملية إنزال للمظليين في أعالي قمم تحت تغطية لطائرات مقاتلة ومقنبلة وأثناء ذلك كانت الدبابات تتقدم عبر المحاور الآتية: رأس العش، واد هلال، المشرع، ودخلت وحدات المشاة من الجهة الجنوبية والجهة الشرقية ومدعمة بأسلحة مدافع الميدان، ولما حلت الساعة السادسة والنصف بدأت المعركة من جديد بيننا وبين الجنود الفرنسيين. 

واستمرت لحوالي ساعتين كاملتين تعرضنا خلالها إلى قصف جوي من الطائرات المقنبلة استمرت لمدة قاربت ساعة ثم ابتعدت عن سماء المعركة وفسحت المجال لوحدات المشاة، حيث تصدينا لها ومنعمها من التقدم في عمق الجبل، وأفشلنا كل الهجومات على موقعنا إلى غاية منتصف النهار، وأجبرنها على التراجع إلى الخلف وفسحت المجال لمدفعية الميدان لتقصف مواقعنا من جديد، وهكذا استمرت المعركة باقتحام قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي للطائرات، المدرعات، المدفعية، ووحدات المشاة إلى غاية الساعة الثامنة ليلا، وفي أثناء ذلك كانت الطائرات الكشافة تقوم بالتحليق فوق الجبل لمنعنا من الانسحاب منه، ورغم كل هذه التعزيزات والإمكانيات تمكنا من الانسحاب وتجاوز الحصار والطوق الذي فرضته القوات الفرنسية، وغيرنا موقعنا إلى جهات آمنة.

ومن بين المجاهدين المشاركين في المعركة أذكر: النقيب جلالي عثمان، الملازم الأول براكني علي بن يونس عضو مجلس المنطقة السادسة،  الملازم الأول رزايمية محمد الهادي عضو مجلس المنطقة السادسة، الملازم حفظ الله أحمد، الملازم عثمان بن لعجال الحمزة، الملازم العيد بلخيري، الحمزة حسين، يوسف بن الطيب، جفني معمر، الحمزة ميلود، بخوش علي، حارث الباهي، عجال عجال، عبد المالك مالكية، مالك علي، عجال محمد، لعروسي عسال، براكني يوسف، براكني الطاهر، بكور بوبكر، حمدي محمد، براكني لزهر، توايتية بوزيان، حفظ الله محمود، جلال محمد، بوطالب علي، بهلول صالح، دغبوج صالح، عبد الدايم عمار، عباسي بوبكر، دقايشي بشير، قاسمي عبد القادر، خويلدي لخضر، براهمية محمد، فارح بوصوان، جدواني إبراهيم، الصحراوي لزهر، مسعي عباس، أونيس الطاهر، إبراهيم لاندوشين، جدي محمد، بريك عمار بن طكوك، حارث الباهي، فارح عبد الرحمان، دغبوج صالح، عبد الدايم عمار، إبراهيم الطاهر. 

وأسفرت هذه المعركة عن إلقاء القبض على النقيب جدي مقداد الذي أسر خلال اجتيازنا للسد الشائك والمكهرب ونقل بعدها إلى سجن تبسة والمجاهد جلالي محمد، وإصابة المجاهد جدواني عبد الحفيظ بجراح واستشهاد دغبوج صالح، وبهلول صالح بن الوردي.

وقد تكبد القوات الفرنسية خسائر حيث تمكن المجاهدون من إسقاط طائرتين، وإحراق ثلاث دبابات، وجيب وسيارة نقل جنود، وقتل عدد من الجنود الفرنسيين. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك