شروط الدولة.. السياسة والإدارة والرقابة

تقدم

بقلم: صالح عوض

منذ عقود طويلة والدولة العربية تتخبط في مواجهة استحقاقات السيادة والنهضة، لا تكاد تنهض من وهدة حتى تسقط في مستنقع؟ تنجح في عنصر وتخفق في عناصر، حتى عدنا وكأننا في متاهة ندور في سؤالنا المتكرر من أين نبدأ؟.. نمتلك إمكانات التقدم والحياة الكريمة.. وقد استودعنا الأجداد جغرافيا مذهلة جبلوها بدمهم وبقيمهم وثقافتهم وأستاذيتهم فكانت تاريخا من التجارب الناجحة والانتصارات مئات السنين.. فلماذا تنتكس دولنا رغم كل هذا؟ كل بلد من بلداننا يسقط في نوع من الإرتكاس: فمرة لتهور السياسة أو اضمحلال لياقتها، ومرة بفوضى الإدارة وعشوائيتها، ومرة بغياب الحارس والراعي والمراقب.. فأصبحت كل إمكاناتنا بلا قيمة وعرضة للتلف في غياب الحكمة في السياسة والإحاطة في الإدارة والحزم في الرقابة.

أزمة منهجية:

عانى المثقف العربي الموزع على التيارات السياسية والفكرية من الانشداد إلى نوع من الصراع العبثي الذي افقده القدرة على التركيز على المطلوب الضروري للمجموع والمقصود هنا الدولة الراشدة التي عليها توفير الأمن والمعيشة والنهضة، والدولة بهذا المعنى عليها تنعقد مصالح الأمة وبها تتحقق طموحاتها، إلا أننا استبدلنا الرؤية والخطة والمشروع بالشعارات وصراع الايدولوجيا في مواجهة تحدي بناء الدولة ونقلنا هذا الصراع العقيم إلى الهيكل الأساسي لدولنا.. فظن بعضنا أنه لابد من تلوين الدولة مرة بالإسلام، ومرة بالشيوعية، ومرة بالقومية وهكذا.. وفي هذا كله أغرقنا في التيه فلم نبن دولا ولم ننصر فكرة.. هنا لا نتحدث بم يحتكم الناس فيما بينهم فذلك موضوع آخر له علاقة بتراضي الناس حول القانون الذي يحتكمون إليه، ولكن ينبغي الإدراك بأن مجرد وجود القانون لا ينجز دولة ولا يحقق نهضة ولا يؤمن شعبا.. وهنا نعود للحديث عن الدولة الراشدة التي تحقق الحياة الكريمة العزيزة للشعب والامة، بغض النظر عن لون قوانينها ومرجعيتها الثقافية.

أمثلة النجاح:

لقد أذهلني قبل أيام وأنا أتابع أخبار انتكاساتنا خبر عن حجم مدخرات الشعب البلجيكي”11 مليون نسمة” وهو في رقعة جغرافية أقل من مساحة تونس خمس مرات، بلا ثروات طبيعية كالغاز والبترول والدهب واليورانيوم.. فلقد أعلن البنك البلجيكي أن المدخرات بلغت 291 مليار يورو فيما تتمتع البلاد بنظام اجتماعي راق ونسبة بطالة لا تزيد عن 5 بالمائة تتوفر لهم معيشة وطبابة كريمة، مع وجود جامعات ومستشفيات وحريات سياسية وصحفية وحقوق إنسان من أرقى ما يتمتع به إنسان..

وهناك تجربة سنغافورة مثالا، يمكننا وضعها على طاولة التشريح والتحليل، ومن ثم الوصول إلى فهم  كيفية العبور بهذا الشعب الصغير من حافة الفقر المدقع إلى مستوى الشعوب المتفوّقة، لدرجة أن الفرد السنغافوري بلغ ثالث أعلى دخل في العالم لسنة 2018، متفوقا على شعوب النرويج وألمانيا وفرنسا وأمريكا وغيرها، كيف حدث هذا؟

صحيح لن نجد مثالا في دولنا العربية والإسلامية يرتقي للطموح.. وهنا من الواضح أن النموذج الماليزي و التركي و الباكستاني رغم كل ما حصل فيها من تطور إلا أنها لم تصل بعد إلى النموذج المثال الذي يقنع الإنسانية بحياة تتوفر على ما يتحصل عليه أخوه الإنسان في الدولة الغربية حيث يعاني كل منها بمزيد من التعثر والتخبط أو التيبس في احد زوايا ممارسة الدولة في السياسة أو الإدارة أو الرقابة لذا فانه من الضرورة إن نستحضر تجربتنا الحضارية.. 

إن استنجادنا بالمثال التاريخي له مبررات أخلاقية وعملية.. نحن ندرك إننا لسنا نشازا في ذلك فإن أعظم دول العالم اليوم الولايات المتحدة والدول الأوربية يستحضرون دوما تاريخ الإمبراطورية الرومانية.. ففي تاريخنا الحضاري بنينا دولة تميزت عن كل ما سبقها ولحقها بمرونتها وقدرتها على استيعاب اكبر كتلة بشرية ومساحة من الجغرافيا لم تبلغها دولة أخرى وفي ظلها تنامت قدرات الإنسان وتفتقت عبقريته وذابت الفروقات الاجتماعية والعرقية وانتقلت المعارف بين البشر بجهود عملاقة من الترجمة كما تطورت كل فنون الحياة..

الإدارة:

في تأمل التجارب البشرية نستطيع بوضوح تلمس عناصر النجاح الأساسية لبناء الدول والأمم ..فلا يمكن بناء دولة إلا عندما تتوافر منظومة إدارية متطورة فهي حجر الزاوية في أي تقدم تحرزه الأمم والشعوب الكبيرة أو الصغيرة، وكما أشار مالك بن نبي رحمه الله انه لابد من إدارة أشخاصنا وثرواتنا وأفكارنا..وهنا لابد من التأكيد من خلال دراستنا للنماذج العربية ان الثروة والموقع الاستراتيجي والقوة العسكرية وسوى ذلك من المزايا يمكن ان يتم هدرها في حال كانت الإدارة سيئة أو متخلفة.

تتحقق النماذج الناجحة للأمم والشعوب بـ (قادتها) الإداريين الممتازين وفي المقدمة منهم قادة السياسة سواء كانوا في الحكومة أو الأحزاب.. وبعيدا عن التحجج بوجود ثغرات هنا أو هناك فان الإداري الناجح هو من يتحرك من واقعه نحو هدفه بكفاءة وخطة ورؤية وتوظيف لكل الإمكانات.. في سنغافورة القائد لم يجد الطريق معبَّدة أمامه كي يحقق النجاح، بل كان هذا البلد يغوص في بؤرة عميقة من الفساد، ومع ذلك نجح القائد ومعاونوه في انتشال هذا البلد من شرنقة الفساد، حتى بلغ المرتبة التي تليق به من بين بلدان العالم.

ما نلاحظه في الدولة الغربية لا يحتاج إلى مزيد من التدبر لكي ننتهي بان هناك اهتماما بالغا بالتسيير الإداري في مؤسسات الدولة وأن هناك تقاليد تحمي احترام التعليمات وتنفيذها وهناك مراقبة ومتابعة صارمة لجعل الإدارة في شتى الفروع متحررة من التكلس والتشتت والتسيب و أن الدولة أوجدت آليات لجعل الحركية بين دواليب الدولة او بين الفرد والمؤسسة انسيابية وتتحرك دوما في حالة متطورة لتحقيق المستوى الأرقى الأعلى في الأداء الوظيفي للفرد والمؤسسة. 

لا نتجاوز ان قلنا ان اخطر ما يواجه الدولة العربية هو فوضى الإدارة إما بسبب تخلفها عن الاستفادة من النظم الحديثة أو بسبب غياب آلية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أو بسبب غياب الكفاءة الشخصية وعدم التدريب اللازم أو بسبب فساد مقصود أو غير مقصود لإفشال الدولة أو لتحويلها إلى مرتع ريعي لمجموعة من الأفراد..

ويترتب على فوضى الإدارة مشكلات اجتماعية واقتصادية وأمنية وسياسية معقدة تشترك جميعها في تكوين ثقافة اللامبالاة والتشكك في إمكانية الإصلاح والتقدم.. وفي ظل سوء الإدارة لا يصلح وعظ ولا شعر ولا أمنيات ولا نشاط حزبي أو تغيير مواقع المسئولين بانتخابات واستفتاءات.. فالمشكلة ليست هنا.. إنها هناك ببناء هيكلة إدارية من القاعدة الى القمة محمية بقوة القانون والمتابعة المستمرة لتطويرها.

الإدارة هي بالضبط كالدورة الدموية في الدولة التي تشبه إلى حد كبير جسد الإنسان فهي تتحرك محملة بالأكسجين والغذاء لتصل إلى كل أجزاء الجسم بلا تعطل، وفي أي جزء يحدث تعطل يعني ذلك إننا نواجه جلطة دموية.. إن حاجـة دولنا إلـى الإدارة تفـوق حاجـة الـدول المتقدمـة إليهـا.. وفي مضمون الإدارة لابد من توفر عناصر النجاح الأساسية بتحقيق الاهتمام بالعوامل الإنسانية واحترام الإنسان وتكريس واقع الشورى في المؤسسة على أوسع نطاق مع الاهتمام بالنظام، والحرص على تحديد المسؤوليات، واحترام السلطة والتنظيمات الرسميّة، والهيكل التنظيميّ

وغني عن القول إن الإدارة علم بالإضافة للكفاءة الشخصية فكما استند عمر بن الخطاب الى دواوين الفرس في ترتيب ملفات دولته ولم يقف متحجرا عن الاستفادة من عطاءات التجارب البشرية فينبغي إن ننفتح على تجارب الإدارات الناجحة في الغرب والشرق لوضع آليات الإدارة الحديثة المتناسبة مع التطور العلمي والتكنولوجي والمعرفي.

لقـد أظهـر التاريخ أن توافر أهداف وسياسات واضحة للدولة لا يكفي لنجاحها، بـل أن معيار النجاح والفشل، إنما يتوقف إلى حـد بعيـد علـى قدرة الإدارة القائمـة على تنفيذ هذه الأهداف والسياسات. 

السياسة:

 السياسة هي إدارة العلاقات والمصالح على المستوى الخارجي فلئن كانت الإدارة على المستوى الداخلي تحتاج وضع آليات لتوظيف الطاقات وتطوير الأوضاع والاستفادة من الإمكانات المتاحة لإحداث تقدم مضطرد فان السياسة إدارة للعلاقات الخارجية بما يحقق توفير المناخ المناسب لسلامة الإدارة وتوفير الإمكانات المناسبة لتطوير الإدارة داخليا..

وكما إن الإدارة بكل مستوياتها على الصعيد الداخلي تتحمل المسئولية الكبيرة في موضوع توظيف القدرات وترتيب الأفكار والمشاريع وتنمية الإمكانات فان السياسة على الصعيد الخارجي تتحمل مسئولية الحافظ على الهوية المعنوية للبلاد ووجهتها الحضارية ومن أهم ما يترتب عليها إدارة علاقاتها بما يجنب البلاد من الانزلاق في صراعات او استنزاف يفقد البلاد ثرواتها واستقرارها فحين ذلك تهدر السياسة ما جمعته الإدارة.

السياسة بالنسبة لدولتنا العربية عبارة عن سير في حقل ألغام قد زرعه الأعداء و هي مجال الخطر الذي يتم فيه استدراج دولنا من حين الى آخر لإسقاطها كما حصل في العراق..

وهنا تصبح العملية السياسية عملية علمية دقيقة تماما تقتضي البحث عن عناصر القوة لتحصين المجتمع والانطلاق من إمكاناته وهذا يستوجب ان تحدد سياسات الدولة العربية أولوياتها.. ولعنا بعد مسلسل التجارب والأخطاء وصلنا الى نتيجة مفادها ان استرضاء العدو ليس من الأولويات المطلوبة، بل لعله فتح الباب لمزيد من التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي، او وضع قيود على الحركة الخارجية، مما يحرم البلد من امكانات النهوض والتنمية..

إذا لم تستطع الدولة العربية ان تتخذ كل ما هو مطلوب أخلاقيا تجاه قضايا العرب والمسلمين و العالم فليس أقل من السكوت في انتظار تحسين الشروط الموضوعية والذاتية.. وهنا لابد من إحداث التوازن المطلوب بين رغبات الشعب وعواطفه و وقدرات البلد ورؤيته السياسية وأولويات عمله السياسي.

على الدولة العربية أن تعيد ترتيب أولوياتها على أساس المصلحة الخاصة والتي لن تكون إلا ضمن المصلحة العامة.. فلا مصلحة لدولة عربية يمكن تحقيقها بعيدا عن مصلحة الوطن العربي، وإن أي تفرد بسلوك سياسي تجاه القضايا المصيرية سينتهي إلى ما انتهت إليه مصر من تراكم الديون وانسداد الحياة بكل أنواعها.. وهذا يتحقق بتشكيل منظمات إقليمية وشراكات سياسية ومؤسسات تعمق التواصل بين الدول وتفعيل اللجان المشتركة في كل المناشط.

ومن الغني عن القول إن نجاح السياسة الخارجية يعتمد على الوعي الاستراتيجي والأداء المتميز وحسن تقدير الموقف وإحداث التوازن المستمر بين القدرة والموقف و لعله من الواضح أن هناك دولا لا تمتلك كثيرا من الإمكانات الذاتية ولكنها تحقق حضورا من خلال حيوية نشطاها السياسي ومواقفها وإدارتها لملفاته الخارجية بما يرجع لها بمصالح كبيرة.

ليس أمام سياسة الدولة العربية إلا أن تتحرك وفق أولويات السلامة التي تبدأ بالامتداد نحو البلاد العربية والإسلامية وتقوية أواصر العلاقة البينية سياسيا وهذا يحتاج إلى روح تصالحية على الصعيد العربي الداخلي بين الأقطار والجماعات المتنازعة.. و تكريس جهد كبير ليس على طريقة عمل السفراء والمندوبين إنما بتفاهمات عميقة في الإقليم والمنطقة والعالم توسع دائرة الاستقرار والأمن العربي والإسلامي.. و ترسم السياسات خريطة التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بين دول العرب والمسلمين.

الرقابة:

لعل الرقابة في بلداننا العربية هي الغائب الأكبر، غياب عن الأداء الإداري والسياسي والاجتماعي والثقافي والضريبي مما أنتج تعفنا في كل مجالات الحياة وهنا نعود لضرب مثالين الأول: نجاح الدول الأوربية في موضوع الرقابة على ما سبق من عناوين، وأصبح للقانون قيمة ولشروحاته أهمية ومع الرقابة تم تقديس المال العام و صيانة كرامات الناس في الإدارة و ضبط لإيقاع الدولة داخليا وخارجيا والرقابة هنا أما تشريعية أو تنفيذية مهابة الجانب تسقط وزراء وتحاسب حكاما.. ومثال آخر مهم للغاية على مستوى الرقابة ذلك ما تمتعت به الدولة العربية في ظل الخلفاء الراشدين لاسيما عمر بن الخطاب الذي يرجع له الفضل في تأسيس الدولة ولقد انتبه عمر بن الخطاب إلى أهمية تنمية الرقابة والنقد والمحاسبة في أوساط الناس.. ولم يتردد في حماية حق المعترضين والمنتقدين والمتسائلين.. وكان تحريضه مستمرا لتنمية الرقابة المجتمعية على سلوك الإدارة والحكومة.

ان غياب المراقبة في دولنا يعني ان تصبح كل مكتسباتنا على أصعدة أخرى في مهب الريح.. وانه لا يمكن البناء على حسب خطة.. والرقابة ليست فقط قرارا إنها تحتاج لبنية تحتية من تعميم إعلامي وتربوي وانتخابات في المجالس كلها بشفافية وتكوين أجهزة رقابية في كل إدارة ويتم تنشيط السلك القضائي لملاحقة المتهتكين وضرورة رفع قيمة الغرامة والضريبة معنويا وماديا بحيث تصبح رادعا ضروريا للتسيب والتلهي هذه الرقابة التي تغيب تماما من حياتنا.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك