سيرة وجهاد الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي

رائد المقاومة الشعبية الجزائرية1831 -1849

 أ . سليمان قاسم    باحث في التاريخ

بعد مرور ثمان وخمسين سنة هاهي الجزائر قد احتفلت بذكرى عيد الاستقلال والشباب بعد مواجهة دامية ضد مستعمر فرنسي، احتل الجزائر طيلة 132 سنة مارس فيها كل جرائمه ضد الجزائريين، الذين لم يركنوا للاستسلام، بل منذ الوهلة الأولى بدأت المقاومة الشعبية  التي قادتها شخصيات عظيمة استطاعت أن تشحذ همم أبناء الأمة الجزائرية في مواصلة الكفاح المسلح  ولعل من بينها شخصية الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي، الذي لم ينصفه التاريخ  في الكتابة والتدوين وهو  الذي دخل  التاريخ مرتين ، فالمرة الأولى حينما قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي واستشهد على ارض الجزائر الطاهرة والمرة الثانية حينما حط رحاله كشهيد بأرض الجزائر بعد غياب دام 170 سنة فقد قطع رأسه في معركة الزعاطشة بأرض الزيبان ووضعت جمجمته في متحف المستعمر الفرنسي ، فلهذا واحتفاء  بذاكرة هذه الشخصية التاريخية أردنا أن نكتب هذه الورقة  حول قائد المقاومة ببلاد أو لاد نايل الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي .

سيرته 

الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي من مواليد مصر قرب دمياط، في نهاية القرن 18 على الأرجح ، توفي أبوه وهو صغير، انتقل إلى سوريا سنة 1822 للعلاج من مرض أصابه في رأسه وبحثا عن الرزق ، ثم انتقل إلى القسطنطينية ومنها إلى غرب الجزائر ” ضمن فرق التجنيد العثمانية” فر من الخدمة العسكرية،” فترة الثورات الشعبية ضد  السلطة العثمانية كالتيجانية والدرقاوية منها ثورة ابن الاحرش والشريف الدرقاوي في مطلع القرن 19 م”  ويبدو انه تأثر بالطريقة الصوفية الدرقاوية المعروفة بالغرب الجزائري بعدما انتقلت إلى الجزائر من المغرب الأقصى ، انتقل بعدها إلى قسنطينة والى تونس والى طرابلس الغرب 1826 والتقى بالشيخ سيدي محمد بن حمزة ظافر المدني شيخ الشاذلية فاخذ العلوم والطريقة الصوفية ، دخل بعدها الجزائر واستقر بالاغواط سنة 1829 وابهر السكان بعلمه وكراماته فبنيت له زاوية ومنحت له أملاك ، لكن التنافس مع التيجانية جعله يغادر إلى مسعد.

حينما انتقل الحاج موسى إلى مسعد سنة 1831 كانت شهرته قد سبقته إلى هذا القصر فوجد كل الناس تواقة لاستقباله، وكان انخراط أولاد نايل في دعوته كثيفا فبنيت له زاوية وبيت لأنه نجح في تقدير كل السكان الذي رأو فيه مبعوثا من السماء  وهكذا فان انتقاله إلى مسعد سيشكل نقطة محورية في مسيرته الجهادية ، خاصة وان زاويته الدرقاوية وصل تأثيرها إلى قصر البخاري والمدية فعين مقاديم الطريقة بالمنطقة” الشيخ بولنوار ، الشيخ قويدر بن محمد الحاج، محمد بن عبد القادر ، سي الطيب الكربوبي ، ابن حسن، الحاج البشير، الشيخ احمد بن الوارث”.

 انتقل بعدها إلى مدينة الشارف وأقام فيها، ويذكر أرنو أن موسى قد أقام سنة 1834 في عين الخضرة قرب الشارف وقتا تمكن فيه من الدعوة إلى طريقته مستغلا بذلك الوضعية السياسية المناسبة ليقنع كثيرا من أولاد نايل وكل العبازيز تقريبا بالسير معه إلى الجزائر ثائرين في وجه فرنسا .

الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي ينتصر في المدية 

بعد توقيع الأمير عبد القادر على معاهدة ديميشال 26 فيفري 1834 اتهم  الدرقاوي الأمير عبد القادر  بالتحالف مع الفرنسيين ، ولم يكتف بذلك بل أعلن الجهاد ومقاومة الاحتلال الفرنسي، خاصة عندما تأخر الأمير في دخول إيالة تيطري استطاع الحاج موسى أن يقنع أولاد نايل والعبازيز بالزحف معه لغزو مدينة المدية، فساروا معه في جيش كبير.وفي الطريق ما فتئ الجيش الذي كونه يتزايد حتى وصل إلى المدية  التي حاصرها في أوائل  1835، بعدما جمع حوالي 5000 مقاتل بين 3000 فارس و 2000 مشاة مستغلا انشغال الأمير بضبط أمور منطقة الشلف.

 حينما وصل الحاج موسى إلى المخيمات  بالقرب من المدية التقى علماء المدينة  الذين حثوه على  عدم الهجوم ، رد على ذلك بعرض الانضمام إليه وهو ما رفضه العلماء، في ذلك الوقت لم يكن لمدينة المدية حتى باب صلب ولم يكن لديهم  سوى مدفع قديم مهترئ ، حينما عاد العلماء إلى المدينة أعلنوا  للناس وأهل البلدة أن موسى أراد الدخول بالقوة ، خرجوا  وقاتلوا  في الحدائق، اقترب موسى من أسوار المدينة، فأطلقوا عليه وعلى جماعته النار من مدفع كان في حوزتهم من أيام الحكومة العثمانية، فانفجر هذا المدفع فأوهمهم هذا الرجل أن تلك معجزة من معجزاته وكرامة له،، فادخلوه المدينة وجهروا له بالطاعة والاستسلام .

وبينما كان الأمير عبد القادر يحاول تهدئة القلاقل التي نشبت بين قبائل “فليته” في وادي الشلف، التي أثارها ضده أبناء سيدي لعريبي، اندهش للأخبار التي تقول أن  المسمى الحاج موسى وهو من أشراف الصحراء ، قد دخل المدية و استقبله عدد كبير من الناس استقبالا  حارا .

الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي والأمير عبد القادر مواجهة بين المقاومة الروحية والجهادية 

وضع هذا الحدث حدًا لترددات الأمير، ورأى أن الحاكم العام الفرنسي لم يعارض استيلاء الحاج موسى على مدينة المدية ، وخلص بطبيعة الحال إلى أنه لم يكن ليعارض خططه بعد الآن  لو نفذها، منذ تلك اللحظة تم اتخاذ قراره بالتحرك نحو تيطري وبخاصة بعد علمه أن عشائر الدوائر والزمالة بدأت تتحرك ضده متشجعة بحركة الحاج موسى  وأوعز لأخيه الكبير محمد سعيد أن يراقب الفرنسيين من ناحية مستغانم وأرزيو، وإلى البوحمدي من ناحية تلمسان وأمره أن ينحدر بجيشه نواحي وهران ليشغل حاكمها وتوجه هو إلى تيطري بعد أن وافق المجلس العسكري بالإجماع، ولما علم الحاج موسى جمع جموعه وخطب الناس وواعدهم بالنصر، وقال لهم: آية نصرنا ستكون أن مدفع ابن محيي الدين لن يعمل فينا، وأن باروده عند المواجهة سيصير ماء، ثم كتب إلى الأمير يدعوه إلى الجهاد.

في هذه الأثناء وصل رسله الذين أخبروه أن عبد القادر قد توصل للتو إلى السلام مع الفرنسيين، وأنه على رأس معسكر كبير جدًا، وقد اجتاز وادي شلف وسار نحو المدية متبوعا بكل فرق فرسان وهران ، وبفرقتين من جيش المشاة النظاميين،وبأربع قطع من المدفعية، غيرت هذه الأخبار خطط موسى ، الذي توجه بعد ذلك إلى جبل وامري.  وبدأ الطرفان القتال في فترة ما بعد الظهر، لكن عبد القادر صوب مدفعيته اتجاه وحدات موسى مما أثار فيها الرعب، و التي كانت سهلة الهزيمة ، قتل  فيها جيش الأمير 280 رجلاً ، وأخذ نفس العدد من السجناء ، واختطف العديد من النساء، أما موسى فهرب إلى الصحراء ، في حين أرسل الأمير حريمه إلى مليانة وابنه محمد.

فتح الأمير  المدية ولكنه خشي أن يثير الحاكم العام ديرلون إذا احتلها مباشرة لان فرنسا لديها من تحميهم بها وبدل أن يعين خليفة له على المدية ، عين الأمير ممثلا له وهو محمد بن عيسى البركاني من عائلة مشهورة وكهذا صارت بلاد التيطري كلها ملكا للأمير عبد القادر إلى حدود بلاد القبائل .

الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي أمير الصحراء يقض مضجع الفرنسيين 

بعد موقعة وامري بين الأمير عبد القادر والحاج موسى أصبح هذا الأخير ذائع الصيت في الصحراء فقد استمر في خوض الكفاح ضد العدو في الجنوب ” مسعد ونواحيها .

في فبراير 1847 ، قام الجنرال ماري مونج بجولة بين أولاد نايل ، لقمع التمرد  في بدايته الذي يقود بومعزة، فقد كانت قواته بالقرب من قلتة السطل عانت خلالها من عاصفة ثلجية ، فرضت حينها القوات الفرنسية عقوبة شديدة على القبائل التي استمعت إلى تحريض موسى الدرقاوي الذي ظهر في مسعد ،  لينتقل بعدها  بسرعة مع عدد قليل من فرسان “القوم” إلى متليلي  ببني ميزاب. كان الكثير من سكان هذا القصر تربطهم به علاقات قديمة ، حينما كان  بالأغواط  فهم يعتبرون وجوده بينهم نعمة من السماء. 

تبقى التحركات الفرنسية ببلاد أولاد نايل من اجل اجتثاث مقاومة موسى بن الحسن الدرقاوي وذلك بتسليط  الكثير  من العقوبات طيلة هذه الفترة على هذه القبائل ، ففي يونيو 1849  عبر الجنرال “لادميرو” زاغز  لمعاقبة أولاد فرج ، و أولاد ساسي  و أولاد خالد ، الذين تمردوا. 

على الرغم من أن موسى الدرقاوي قد لجأ إلى متليلي و ابتعد عن المسرح الأحداث في المنطقة  ، إلا أنه استمر في إبقاء نفسه على اطلاع دائم بالسياسة الفرنسية ، والحفاظ على العلاقات مع أكثر المنتسبين إليه إخلاصًا له ” وهنا يقصد اولاد نايل” ، ولديه مراسلات مهمة للغاية مع رؤساء التجمعات الدينية الأخرى، وتم تكليفه بمشروع الترغيب  من اجل  دمج كل الإخوان في طريقة واحدة، وقام حينها موسى بزيارات متكررة إلى أولاد نائل  ، كان الهدف منها جمع العطايا  وزيادة عدد متابعيه، وفي جولة نحو الأغواط  استقبله جميع السكان  منهم  الخليفة نفسه ، أحمد بن سالم  الذي آثر مقابلة هذه الشخصية الكبيرة والتي أغدق عليها  بالهدايا.

الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي قائد روحيا لثورة الزعاطشة  

مثلت مقاومة واحة الزعاطشة  التي قادها الشيخ بوزيان مثالا للوطنية و روح الجهاد و نموذجا لتلاحم الشعب الجزائري لرد المحتل الغاشم و إذا كانت أحداثها قد حصرت عند الكتابات الفرنسية كأحداث محلية مرتبطة بعصيان لبعض وجهاء المنطقة فان بوادر هذه المقاومة التي اتصفت بالبعد الوطني ، ظهر  في سرعة انتقال  أحداثها إلى مناطق محيطة مثل الاوراس و الحضنة وأولاد نائل دليلا على عمقها الشعبي الذي يستمد قوته من ترابط العائلات و الاعراش الجزائرية و الذي كان دائما احد المقومات الهامة في تواصل النضال و الكفاح الوطني.

 بعدما استولى الفرنسيون على الزيبان سنة 1848م عقب  استسلام الأمير عبد القادر، عرف سكانها خلال تلك الفترة الحكم الاستبدادي من قبل السلطات الفرنسية اتجاه المواطنين، ففرضوا على الفلاحين زيادة جائرة في الضريبة على النخيل، وكانت فرنسا في هذه الفترة منشغلة بقمع الثوار داخل الوطن، وانقلاب الجمهوريين بعرش ملك فرنسا لويس فليب. 

هذه الظروف جعلت الشيخ بوزيان يستعد للثورة ،وهو الذي كان في السابق يشغل منصب نائب للأمير عبد القادر بمنطقة الزاب الظهري، وكانت كلمته مسموعة في أوساط السكان، ومن أجل جعل النضال العام ضروريا ومنحه طابعًا دينيًا ، سعى للحصول على دعم الإخوان، ولهذه الغاية  أجرى مقابلة مع شيخ الطريقة  الرحمانية في الجنوب الشيخ سي المختار – يقيم في أولاد جلال  في دائرة بسكرة-  الذي  كتب على الفور إلى مقاديم  أولاد نائل  ، من اجل مشاركتهم  في المقاومة ضد  الفرنسيين 

دفاع الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي عن الزيبان واستشهاده في واحة الزعاطشة 

وصل نداء الجهاد من الشيخ بوزيان إلى الزوايا والشيخ والاعراش لنصرة مقاومة الزعاطشة  فقد لبى سى موسى الدرقاوي نداء الجهاد ، موافقا بسعادة على مقترحات سي بو زيان ، على أمل رد الاعتبار والانتصار على فشله في المدية ونشر مبادئ الطائفة في المناطق التي ما تزال مجهولة فيها، ذهب على الفور إلى مسعد وناشد أتباعه، وقد استطاع جمع حوالي 80 متطوعًا ، ليتوجه بعدها إلى الزعاطشة   التي استبسل  في الدفاع عن واحتها  التي حوصرت إلى غاية الهجوم الكبير الذي شنه العدو الفرنسي يوم 28 نوفمبر1849. 

انتهى الهجوم باقتحام الواحة التي استشهد فيها الشيخ بوزيان وابنه،  والحاج موسى بن الحسن الدرقاوي الذي كان من أكثر الأشخاص  بسالة  في القتال ، فعندما تم الاستيلاء على المدينة ، فجر نفسه داخل المنزل الذي دافع فيه واحة الزعاطشة واستشهد حينها.

وهنا يذكر شيخ المؤرخين ابو القاسم سعد الله “انه بعد سقوط كل الدور سكنت جميع الأرواح وبقيت دار بوزيان قائمة يتصاعد  منها الضرب، فوضع العدو في أساسها الألغام ونسفت بمن فيها واختلطت النيران بالدخان والغبار وأنات الجرحى بصوت الحجارة المتهاوية وسط الركام خرج بوزيان شامخ الرأس كأنه شبح  صحابي من رفاق عقبة بن نافع ، فانهال عليه العدو ضربا قبل أن ينجلي عليه الغبار والدخان فسقط شهيدا مضرجا بدمائه و بعد أن تأكد العدو انه لم يبق في الزعاطشة حي من البشر ولا الشجر أقام على باب معسكر هيربيون مقصلة رفع عليها ثلاث رؤوس: رأس الشيخ بوزيان وابنه ورأس شيخ آخر طالما حارب الفرنسيين منذ 1833 ،وهو الحاج موسى الدرقاوي.

وقد ذكرت جريدة المبشر حينها أن أهل الزعاطشة أبيدوا عن بكرة أبيهم  وكان عددهم ما يقارب  الثمانمائة منهم بوزيان وولديه والشريف سي موسى شيخ الدرقاوة لأنه كان داخل الزعاطشة قبل ذلك بأيام،  ثم نصبت رؤوس أعيان القتلى ،على أبواب بسكرة لم يتوقف الفرنسيون عند هذا الحد،  بل ارتكبوا جريمة أبشع وأشنع وهي تحويل الرؤوس  إلى المتحف الانتربولوجي بباريس التي استرجعت بفضل مجهودات الكثير من الخيرين من أبناء الوطن سواء باحثين أو مؤرخين أو سلطات سياسية استطاعت رد الاعتبار لشهداء المقاومة الشعبية من أمثال الشيخ بوزيان والحاج موسى بن الحسن الدرقاوي 

للموضوع مصادر ومراجع 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك