سياسة الحكومة المؤقتة الجزائرية تجاه الاتحاد السوفياتي

1958-1961م

بقلم فرحاني عادل 

لقد كان ميلاد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في 19 سبتمبر 1958م حدثا هاما في تطور القضية الجزائرية على مستواها الداخلي والخارجي، حيث كان لنشاطها الدبلوماسي المكثف وسياستها المبنية على مبدأ التوازن الدولي وسيلة فعالة في جعل الكثير من دول العالم تؤيدها وتعترف بها وتقدم لها مختلف المساعدات على جميع الاصعدة خلافا لبعض الدول التي بقي موقفها متردد و متحفظ على شاكلة الاتحاد السوفياتي الذي لم يتضح موقفه منها الا بعد مرور سنتين من اعلانها وذلك كبداية سلسلة من المواقف الإيجابية للسوفيات تجاه الثورة الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية.

 

الحياد الإيجابي

 

سارت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية على نفس المبادئ التي أكدتها مواثيق الثورة الجزائرية وجسدها الوفد المقيم خارج البلاد منذ سنة 1954 الى سنة 1958 تمثلت في الحياد الايجابي الذي يعني في منظور الحكومة المؤقتة التحالف مع البلدان الحريصة على دعم استقلالها في المجال الدولي ومسايرة تيارات الوحدة العربية والأفرأسيوية بالإضافة إلى اعطاء اولوية مطلقة للدعم المادي بصرف النظر عن مصدره شرقيا كان او غربيا وذلك بهدف السعي لعزل فرنسا دبلوماسيا وكسب المزيد من الاعترافات الدولية بالحكومة المؤقتة، ويضيف الباحث لزهر بديدة ان جبهة التحرير الوطني سعت لان تكون فلسفتها الدبلوماسية مؤسسة على الصدق والمصداقية قولا وعملا وهو ما تؤكده تصرفات مختلف قيادات الثورة ومدى التزامهم بالوعود المقطوعة مع الحلفاء ومع الأعداء على حد سواء وذلك من خلال عدم التسرع في إصدار الأحكام والقرارات واخضاع ذلك أولا واخيرا الى ضرورة معرفة كل الحقائق والمعطيات المستجدة وقد تجلت بذلك الخلفيات التي كانت وراء دواعي تقديم الاتحاد السوفياتي بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية خاصة بعد تصاعد التأييد الذي اصبحت تحظى به القضية الجزائرية على مستواها الدولي وفرضها بنفسها كواقع يجب اخذه بعين الاعتبار 

 

اهتمام الاتحاد السوفياتي بالثورة الجزائرية

 

حسب ما أشارت له جريدة المجاهد في عددها 79 الصادر في 10 اكتوبر 1960 فإن اهتمام الاتحاد السوفياتي بالثورة الجزائرية يعود إلى أن حل المشكل الجزائري أصبح يمثل أحد مفاتيح السلم في عصرنا الحالي و خاصة بعد ست سنوات من التضحيات المتواصلة ،وبخصوص هذه المسألة يضيف الباحث عمر بوضربة بأن السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي تجاه الثورة الجزائرية تغيرت نتيجة لمجموعة من المستجدات الطارئة كالتطور الذي شهدته الثورة داخليا جعل من هيئة الامم المتحدة في دورتها 12 لسنة 1957 تقوم بإصدار لائحة بخصوص الجزائر تضمنت الدعوة الى تبني حل سلمي للقضية الجزائرية وانتشار صدى الثورة الجزائرية وتزايد التضامن الأفرواسيوي مع كفاح الشعب الجزائري بالإضافة إلى اهتمام الصين الشعبية بكفاح الشعب الجزائري ودعمه ماديا ومعنويا ومساعي وجهود بعض الحكومات الدولية العربية لدى حكومة وسفارات الاتحاد السوفياتي وذلك بطلب من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وذلك تأكيدا للسوفيات على وزن الثورة لدى أنظمة هذه الدول وكذا أهمية دعم الثورة الجزائرية لمد جسور الصداقة والتعاون العربي السوفياتي 

 

الاعتراف السوفياتي بالحكومة المؤقتة

يشير محمد البجاوي بأن الرئيس السوفياتي خروتشوف بعد أن اعترف بالحكومة المؤقتة يوم 3اكتوبر 1960أثناء محادثاته مع الوفد الجزائري بمدينة غليبي غوف قرب نيويورك صرح في ندوة صحفية بقوله “يمكن ان تعتبر اجتماعاتنا وأحاديثنا مع ممثلي الحكومة المؤقتة على أنها اعتراف بواقع قيام هذه الحكومة، وأريد أن أضيف أننا لسنا وحدنا الذين نعترف بواقع هذه الحكومة الجزائرية المؤقتة بل فعل ذلك العالم بأسره، ابتداء برئيس الجمهورية الفرنسية شال ديغول الذي شرع بمفاوضات مع هذه الحكومة، “وقد كان لتطور الموقف السوفياتي المؤيد للقضية الجزائرية جملة من الانعكاسات على مسار العلاقات السوفياتية الفرنسية التي جعلت من الرئيس الفرنسي شال ديغول ينتهج سياسة المساومة والصفقات على حساب المبادئ مع “خروتشوف” بمناسبة زيارته لباريس

 

أساس قانوني للثورة التحريرية

 

ويعود الباحث أحمد بن فليس بأن مسألة تأسيس الحكومة المؤقتة الجزائرية كانت محطة مهمة مكنت جبهة التحرير الوطني من إعطاء أساس قانوني للثورة التحريرية، حيث أصبحت هذه الثورة لها ممثل قانوني من الناحية الدولية تستطيع من خلاله التفاوض مع دول العالم ،ورغم ذلك فقد جاء اعتراف الاتحاد السوفياتي بالحكومة المؤقتة متأخرا بالمقارنة مع العديد من الدول واستناد لشهادة سعد دحلب فقد اثيرت هذه القضية خلال زيارة وفد الحكومة المؤقتة المشكل من “يوسف بن خدة ومحمود الشريف وسعد دحلب” خلال زيارتهم الى موسكو شهر ديسمبر 1958 اين تم استقبالهم من طرف وفد سوفياتي برئاسة “ميكوبان” النائب الأول للرئيس السوفياتي وفي نقاشهم معه طرحوا عليه مجموعة من الأسئلة كان في مقدمتها ضرورة التباحث في مسألة التماطل السوفياتي في اعترافه بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية فأجابهم هذا الاخير بقوله ” ليس من صالحنا أن نعترف بكم لأنه ربما تكثر عداوتنا من طرف الغرب ،وانما قدمنا لكم يد المساعدة في هيئة الأمم المتحدة وأرسلنا لكم الأسلحة عن طريق جمال عبد الناصر ” بالإضافة الى ذلك فإن رغبة الاتحاد لسوفياتي في المحافظة على التوازن في علاقاتها مع فرنسا الديغولية باعتبارها كحليف في حالة نجاحها في ابعادها عن أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية من جهة وبين سياستها في دعم القضية الجزائرية باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها من جهة اخرى.

 

تعاون على جبهات عديدة

 

وفي اتصال ثاني قاده يوسف بن خدة ” في 13 أكتوبر 1959 ممثلا عن الحكومة المؤقتة اين التقى بكل من “سوسلوف” الكتاب الثاني للجنة وأحد أبرز منظري الحزب الشيوعي السوفياتي آنذاك الى جانب “أندري غروميكوا” وزير الخارجية السوفياتي حيث قدم هؤلاء للوفد الحكومة المؤقتة حصيلة المساعدات السوفياتية للجزائر كدعم الاتحاد السوفياتي للقضية الجزائرية في هيئة الامم المتحدة ومساعدة اللاجئين بواسطة النقابات والصليب الأحمر وتقديم المنح للطلبة الجزائريين واستقبال جرحي جيش التحرير الوطني، وقد اعاد بن خدة يوسف طرح اسئلة متعلقة بتردد الاتحاد السوفياتي حول اعترافه بالحكومة المؤقتة خاصة وانه له اهمية في مضاعفة الضغوط الدولية على باريس فأجابه “سوسلوف” قائلا: ” ان كانت لديكم طلبات محددة يمكنكم استعمال سفارتنا بالقاهرة اما بخصوص مسألة الاعتراف فنحن نفضل حاليا العلاقات الفعلية واستقبال وفودكم في شكل غير رسمي حفاظا على مصلحة الشعب الجزائري والانفراج الدولي ” ويذهب المؤرخ محمد حربي إلى أن جبهة التحرير حبذت هذا الموقف حتى لا تثير سخط الدول الغربية وعلى الخصوص الولايات المتحدة الامريكية ،كما وضح ممثل الخارجية داخل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في أحد المؤتمرات بالبلاد العربية بتاريخ 8 الى 14 نوفمبر 1959 قائلا ان التعامل مع المعسكر الشرقي كان الهدف منه استعماله كوسيلة ضغط وتهديد للغرب فالاتحاد السوفياتي وبقية دول أـوروبا الشرقية يكونون قوة .

 

شبح التدخل الأمريكي في حرب الجزائر

 

فالسوفيات قام بمجهودات جبارة من أجل تعزيز الاستقرار والأمن والهدف السياسي يتطلب تعزيز هذا الاستقرار ومن ثم فمن غير المفيد له أن يرى الحرب في الجزائر تتسع وهو لذلك دائما مستعد لمنحنا المساعدة التي يمكن أن نطلبها منه إلا أنه لا يستطيع أن يمارسها إلا بواسطة ،حتى لا يظهر وكأنه يعمل ضد السلم ،وهو يطالب به و حتى لا يترك الفرصة لوجود سبب يبرر التدخل الأمريكي المباشر في حرب الجزائر .

وبذلك كانت الحكومة المؤقتة تحاول الاستفادة من كل الظروف الدولية والتناقضات بين القوى الكبرى لدفع الاتحاد السوفياتي الى تبني مواقف اكثر تقدما وفي نفس الوقت المحافظة على عدم التأثر تحالفاتها الخارجية بهذه المواقف” وبالرغم من ذلك فإن الحكومة المؤقتة كانت تحاول دائما عبر لقاءات الوفود الثنائية الحصول على دعم وتوضيح أكثر للموقف السوفياتي وبهذا الخصوص يقول رئيسها السيد “فرحات عباس” أن وفد الحكومة المؤقتة قد زار موسكو في 6 اكتوبر 1960 أين أقام السفير التونسي هناك حفل لاستقبالهم ،وقد جرت خلالها محادثات في الكريملين مع “كوسيفين” الذي دعا الوفد الجزائري إلى مأدبة رسمية كما أن السفراء العرب قد اقاموا حفل استقبال على شرف اعضاء الوفد الذي تمكن بفضل ذلك من الاتصال واجراء المناقشات مع اكبر عدد من المسؤولين والشخصيات الدبلوماسية الاجنبية في موسكو .

 

المساعدات السوفياتية غير مرتبطة بأي شرط أوقيد

 

وفي هذه الزيارة أثار “لخضر بن طوبال” تساؤلات حول المساعدات السوفياتية المقدمة الى البلدان المستعمرة وقد أجابه “محدينوف” بأن الاتحاد السوفياتي له مسؤوليات عبر العالم وهو ما يجعل التزاماته سرية ،وأضاف له السيد “كوسفين” مؤكدا أن المساعدات السوفياتية للجزائر غير مرتبطة بأي شروط وقيود

وانطلاقا من هذا يفهم التردد الذي ميز الموقف السوفياتي من القضية الجزائرية بعض الأحيان، فقد كانت المساعدة التي كان يمنحها الاتحاد السوفياتي للجزائر تتسم بكل حذر إذ كان يخفي ويتستر عما يعطي ويظهر ما يتلقى فقد كان من مصلحته استقلال الجزائر وخروجها من المعسكر الغربي بالإضافة إلى أن مواقفه كانت محددة بمجموعة من العوامل الأخرى تتمثل في اعطاء تعويض للعالم العربي وكسب صداقة الجزائريين بالإضافة الى جعل الصين ترتاح له بانضمامه الى صفها فيما يخص دعم الحركات التحررية للشعوب.

  وبذلك فقد كان لتابين المواقف السوفياتية تجاه القضية الجزائرية أن يجعل من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية توظفها باستمرار لإعطائها بعدا دوليا للقضية الجزائرية ،وكذلك استخدامها كعامل مهم في الصدام والمواجهة والضغط على العلاقات السوفياتية الفرنسية، فقد وجهت فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا رسالة مفتوحة إلى خروتشوف بمناسبة زيارته الى فرنسا سنة 1960 ذكرته فيها بالموقف الشجاع الذي وقفه الجزائريون المجندون في صفوف الجيش الفرنسي سنة 1919 حيث رفضوا رغم الأوامر محاربة الجيش الأحمر الروسي أين عرضوا أنفسهم للتعذيب والموت في سجون رومانيا في الوقت الذي كان فيه النقيب ديغول على الحدود البولونية يساهم في الحرب العدوانية ضد روسيا للقضاء على الجيش الاحمر. ” ويضيف الباحث عمر بوضربة ان الاعتراف الفعلي للاتحاد السوفياتي بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قد ساهم في تغيير سياسة الكثير من الدول الحليفة لهذا الاخير كدول أوروبا الشرقية خاصة بعد ظهور بوادر حل القضية الجزائرية من خلال القرارات الاممية وشروع الحكومة في اول مفاوضات رسمية في ايفيان بتاريخ 20 ماي 1961 وذلك لمراعاة مصالحهم مع الدولة الجزائرية المستقبلية ، ومما سبق ذكره نستنتج أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تبنت دبلوماسية قوية أثناء تعاملها مع الاتحاد السوفياتي جعلته يضاعف من تقديم المساعدات للثورة التحريرية تتويجا لاعترافه بحكومتها، وقد ساهم اعتراف الهيئة الأممية في دورتها الخامسة عشر بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم في تزايد التأييد الدولي للحكومة المؤقتة الأمر الذي جعل الكثير من الدول وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي تتبني مواقف أكثر إيجابية في دعم القضية الجزائرية في مختلف المحافل والمؤتمرات الدولية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك