سورية مثالا

لاستقرار ولا أمان بدون مواجهة الكيان الصهيوني

بقلم: صالح عوض

خانوا الحقيقة، وخانوا أنفسهم وبلدانهم، من حيث لا يعلمون أولئك الذين  ظنوا أنهم سيؤمنون بلدانهم و أنظمتهم عندما يلتزمون بالهدنة مع العدو الصهيوني، فلا ينازلونه في معركة، ولا يباغتونه في جولة، ويؤمنون له حدوده واستقراره.. لم يعرفوا أنهم إن لم ينازلوه في ساحة المعركة الواضحة بحثا عن السلامة فإنه سيجيئهم من كل الجهات، ليدمر البلدان، ويفتك بالشعب، و يدفع النظام للتنازل عن شروط سيادته لآخرين  حفاظا على وجوده بأي ثمن.

غياب الوعي:

من العبث اعتماد الشعارات العقائدية بدلا عن الخطط والبرامج، ومن الغبن أن نحتمي بالرغبات أمام الصواريخ والمؤامرات.. إنها أزمة استحكمت فينا على المستوى القيادي ومن هذا الباب اقتحمتنا سيول الشر والاختراقات والنكبات.

الوعي في إدارة الصراع يحتاج إلى عناصر عديدة أهمها على الإطلاق متابعة جبهة العدو واستيعاب التطورات والتغيرات داخله وعلاقاته الإقليمية والدولية فضلا عن استحضار طبيعته وهدفه الاستراتيجي وإدراك كيفية إدارته للصراع وكيفية استخدامه لأدواته باستمرار وهذا يسهم بعمق في تشكيل جملة الوعي المترجمة الى برامج وخطط لا تعرف التهاون والأوهام.

على الصعيد المنهجي والمعرفي يبدو الذين يظنون انه بإمكانهم توقيف الحياة والصراع في نقطة ما وتجميد الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة بالموقف حسب رغبتهم إنما يعيشون أوهاما يكتشفون مأساة مفاعيلها في مستقبلهم، ستتحرك الحياة ويتحرك طرف الصراع الآخر في اتجاه لا يعرفونه لتأتيهم المفاجآت بشتى أنواعها من حيث لا يعلمون، وهنا نصبح ملزمين بالبحث عن الخطوة الضرورية القادمة بعد كل موقف وكل مرحلة بدون تيبس لتصبح عملية ترتيب الأولويات جهدا متواصلا وعملا مستمرا حسب المعطيات المطروحة والرؤية الناضجة لقوى العدو وللإمكانات الذاتية من خلال الحكمة والوعي والهدف الايجابي.. وهنا من الواضح أننا نتجنب الحديث عن الدول المهرولة التي تعقد تسوية وسلاما وتفاهمات عميقة مع العدو ذلك لان مثالها أوضح من أن نشرحه فها هي مصر تتضور جوعا وتدخل في دوامة المشكلات المعقدة وتتراكم عليها الديون وتستقوي عليها قوي ودول وتكاد تدخلها في أزمة مياه عويصة وكذلك حال الأردن الذي دخل معاهدة صلح مع العدو فلقد انحدرت فيه المستويات عامة الاقتصادية والسياسية والأمنية وأصبح مهددا من أكثر من جانب.. والحديث عن منظمة التحرير التي فقدت بانخراطها في الهدنة والتنسيق الأمني وهجها وقوة دفعها وأورثت مغامرتها في التسوية أوضاعا فلسطينية كارثية حيث تزايد الاستيطان بشكل مذهل وضيعت من عمر الشعب في محاولاتها العبثية عشرات السنين.. انه الغباء الاستراتيجي الضخم الذي حال بين العقول والواقع وشوش كل الحقائق ليحول طاقات الأمة إلى هباء.. ولعلنا في مواجهة هذا المسلسل من التجارب نكون قد تيقنا من سبب النكبة المستمر إنها الأقفال على قلوبنا والأكنة على أفئدتنا، لقد كانت عملية التفكير عندنا تدور في خارج دائرة العقل والإدراك.. ولعل التجربة السورية الصارخة حيث قتل أكثر من نصف مليون سوري وتهجير سبعة ملايين سوري وتدمير البلد رغم أن قيادة البلد نأت عن الصراع المباشر مع العدو بل دخلت في مغامرات لصالح الأمريكان في المنطقة في محاولة تحقيق بولصة التامين على النظام.

المثال السوري:

 هنا يجب أن يكون واضحا أن وحدة سورية أرضا وشعبا ودولة مصلحة كبرى للقضية العربية، والحديث هنا لا يناقش هذه المسألة الحساسة، إنما يناقش كيفية الحفاظ على الوطن في جغرافية خاصة وظروف خاصة.. ولئن جاء هذا الحديث متأخرا شيئا ما فذلك لأسباب موضوعية بحتة لعل أهمها صعوبة النصح في أتون الحرب المستعرة التي مزقت سوريا بأشراف دول استعمارية ووكلائها من دول إقليمية وجماعات مسلحة.

سورية ليست البحرين ولا الإمارات فسورية وفلسطين ولبنان والأردن أجزاء وحدة جغرافية خاصة من مجموع الوحدات التي تشكل المجتمع العربي والجغرافيا العربية ففلسطين قضية سورية خاصة جدا ومن هنا يكون الحديث عن تعاملها مع القضية الفلسطينية ليس كسواها والمطلوب منها أكثر مما هو مطلوب من سواها.. من على أرضية هذا الرؤية نحاول طرح جدليات المواقف وإثارة التساؤلات ومناقشة المسلمات علنا نهتدي الى أول الخيط في الحفاظ على الدولة الوطنية المستهدفة الآن بالتقسيم والتشتت.

ننطلق من بديهية سياسية تلك التي تؤكد أن القضية المركزية للعرب والمسلمين جميعا هي قضية فلسطين بمعنى أن المشروع الصهيوني يستهدف المنطقة العربية والعالم الإسلامي استراتيجيا ومن المعلوم أن هذا المشروع يتحرك في كل مكان يجد فيه خميرة لأزمة في بلادنا تجده يفصل جنوب السودان ويدعم الانفصاليين الأكراد في العراق والحركات الانفصالية في كل مكان من امتنا ويتواصل مع مجموعات مسلحة في سورية و سواها كما انه يستهدف القنبلة النووية الباكستانية والمفاعل النووية الإيرانية كما قام باغتيال مئات العلماء العراقيين ويحوط شمال إفريقيا العربي باختراقات أمنية في الدول الإفريقية.. وهاهو يقترب من ممراتنا المائية في تيران وصنافير وفي باب المندب وسوقطرة ومضيق هرمز بعد أن مكنته السعودية والإمارات والبحرين من مواطئ قدم لقواعد أمنية وإستراتيجية.. فلقد أصبحت القوات الصهيونية بالقرب من كل عواصمنا.

وهنا لابد من الكلام المركز على طريقة صياغة القوانين  تلك المستخلصة من التجارب المتوالية وأول تلك القوانين أن القضية الفلسطينية بالنسبة لدول الطوق ليست فقط قضية مركزية بل وقضية أمن وطني وقومي أولى، يجب التعامل معها على اعتبار أنها محور كل نشاط للدولة العربية المجاورة لها سياسيا واقتصاديا وإنتاجيا.. وهنا يجب الانتباه إلى أن بقاء إسرائيل كيانا عنصريا في المنطقة يستوجب تخلفا دائما في الإقليم وارتباكا أمنيا وصراعات داخلية وضعف عسكري ومجتمعي مستمر.. فإسرائيل لم تكن في يوم من الأيام كيانا عنصريا سياسيا فقط، تحد نشاطاته بجغرافية معينة، بل مشروعا يمتد في عصب المنطقة ليشلها من خلال علاقاته الدولية والإقليمية ويحولها بعد تفكيكها وإضعافها لصالحه.

وهنا نبدأ بطرح تساؤلاتنا ومقارباتنا حول سورية البلد العربي الذي له علاقة خاصة بفلسطين تجمعه بها وحدة جغرافيا ووحدة إقليم تاريخي بعادات خاصة وصلات قربى حميمية تحت عنوان بلاد الشام وهنا تصبح فلسطين ليست فقط قضية مركزية وليست فقط قضية أولى بل قضية حياة وموت.. ففلسطين تتبوأ مكانة في الوجدان السوري والوجود السوري ليس لسواها من بلاد العرب.

فهمت القيادة السورية أن عدم الانخراط في استكمال العملية السلمية يكفي ليعبر عن رفضها التنازل عن بعض الحق العربي.. وفهمت أن البقاء في دائرة الهدنة أسلم من الانخراط في العملية السياسية واتجهت القيادة السورية إلى البحث عن أوراق قوة تعزز صمودها وقوة ردعها وكذلك تقوي شروط تفاوضها ان أجبرت عليه،  فكان عليها ان تمتلك الورقة الفلسطينية واللبنانية والعلاقات مع إيران ثم العلاقة في الوضع العراقي.. ودفعها ذلك إلى مشكلات دامية مع الفلسطينيين واللبنانيين الذين رفضوا أن يكونوا ورقة قوة بيد النظام السوري الذي واجههم بقسوة فاخرج المقاومة الفلسطينية من لبنان وصفى التنظيمات اللبنانية الوطنية الموالية للفلسطينيين والقيادات اللبنانية الوطنية التي مثلت ظهيرا للمقاومة الفلسطينية.. ورعى وجود قوى جديدة بلون مذهبي خاص حققت له ما يريد في الساحة اللبنانية وألغى احتمال وجود قوى أخرى من طوائف أخرى في محاولة لترتيب البيت اللبناني لصالحه.. كما أنه ظن أن مشاركته مع قوات التحالف الدولي ضد التدخل العراقي في الكويت سيعطيه فرصة إضافية في الوجود الآمن بل لعله اعتقد للحظة انه كما شارك في الحرب سيشارك في الغنائم كما جاء في حوار الأسد وبول وزير خارجية أمريكا.. إلا أن احتلال العراق كشف الغطاء عن سورية مباشرة لتصبح البلد العربي المؤهل للسقوط بعد سقوط بغداد وهنا حاول النظام السوري جاهدا تقوية المقاومة العراقية التي حققت انتصارا على الغزو الأمريكي إربك الخطة الأمريكية وأجل مشروع إسقاط الدولة السورية.

فوضى الحسابات:

منذ 1974 توقفت الحرب رسميا بين سورية وإسرائيل بدون أي أفق سياسي وتصدت سورية لجهود الرئيس المصري أنور السادات في عملية التسوية ولكنها اضطرت لمفاوضات بشروط اقل بعد 1991 في مدريد إلا أن الإسرائيليين الذين كانوا على استعداد أن “يتنازلوا” لسورية في ظل عملية تسوية مع السادات أكثر مما عرضوه على سورية في المفاوضات الأخيرة أصبحوا أكثر راحة في المناورات وقال قائلهم- بيرس-:” لقد أغلقنا السوبر ماركت والآن نفتح دكانا محدود السلع”.. هنا بالتأكيد نحن لا نقول أن جهود السادات في عملية التسوية كانت الحل الأفضل ولكن نقول إن النتيجة التي وصل لها السوريون كما إخوانهم الفلسطينيين- حسب توصيف سعيد كمال- كانت أسوأ مما كان يقترحه عليهم السادات في ظل موقف مشترك.. مما يكشف لنا من جديد غياب الوعي الاستراتيجي وغياب الوعي بطبيعة الصراع ولا مآلاته.. فلم يرفضوا لتسوية من أجل مواصلة الكفاح الذي قد يوفر لهم شروطا أفضل ولكن تركوا التسوية لينأوا بأنفسهم عن المعركة والمواجهة.

لم يكن الهروب من التسوية يعني حالة التوتر وعدم الاستقرار إنما الهدنة بلا ثمن و ذلك ما تريده إسرائيل فهو المناخ الطبيعي الذي تتقن الاستفادة منه أما سورية فكما سبق اتجهت الى البحث عن أوراق قوى إقليمية تكون بديلا عن المعركة المباشرة مع العدو..في حين كان لابد من حرب استنزاف مستمرة تبقي حالة الحرب وما تكلفه للعدو نفسيا واستراتيجيا بحسابات هدفها إرهاق الدولة العبرية وإرغامها على تنازلات حقيقية وتجميع القوى العربية والإسلامية على طريق استعادة الحق العربي في فلسطين.. 

كان استقرار النظام وسلامته أولوية مبالغ فيها لدى صاحب القرار السوري وهو أمر لا غضاضة فيه فهو سبب من أسباب الاستقرار في البلد لكن الذي لا يمكن فهمه كيف تسرب إلى الذهن السياسي أن ترك إسرائيل تعيش الأمن على الحدود الشمالية عشرات السنين بلا حرب يمكن أن يحقق الأمن والاستقرار في سورية؟ وكيف تسرب إلى الذهن السياسي السوري ان عدم العدوان الأمريكي والإسرائيلي المباشر على سورية يمكن أن يستمر طويلا آو لا يتم ترجمته في أشكال أخرى من العدوان وبطبعات مختلفة حسب الظروف المواتية؟ كيف تسرب إلى الذهن ان البديل عن الحرب المستمرة الاستنزافية مع العدو إقامة علاقات إستراتيجية مع إيران؟ وكيف تفرط الدولة السورية بعلاقتها مع العراق الذي يمثل لها القوة الحقيقية والسند الاستراتيجي، ولم تلتفت الدولة السورية الى عنف حالة النزق في الإقليم العربي التي تحتفظ باستعداد قوي لكي تنخرط بسرعة فائقة في أي تحالف ضد أي تمدد إيراني، وهكذا تكون سورية الدولة فتحت جبهة أخرى بحسابات غير دقيقة ضدها لتمارس عمليات ابتزاز لدول الخليج من خلال علاقاتها بايران.. كان لابد أن تكون كما هو موقعها وقدرها بلد يتوسط العرب والمسلمين.

السؤال الفلسطيني:

ماذا لو كانت سورية في حالة حرب استنزاف منذ 45 سنة مع الدولة العبرية؟: تأتي الإجابة المنطقية بأن سورية ستنهج سلوكا سياسيا مختلفا في الداخل والإقليم والمنطقة العربية يمنح سياستها مشروعية عربية تؤهلها للصمود أكثر وهذا يتأتى:

1- عدم اصطدامها بمنظمة التحرير الفلسطينية بل والتقرب إليها وتوفير أحسن الشروط لتحركها لاسيما بعد أن خرج السادات بمصر من الإجماع العربي، وبناء إستراتيجية مقاومة مشتركة بينهما يتم تفعيل الشعب الفلسطيني في الداخل والمحيط في المعركة كما يتم تفعيل الساحة اللبنانية بعيدا عن التقسيم الطائفي والوصاية لتصبح لبنان ساحة مقاومة بجانب سورية تماما.

2- إن انخراط سورية في حرب استنزاف مع العدو كان من شأنه أن يجنب سورية الدمار والخراب الرهيب الذي لحق بها خلال عشر سنوات الأخيرة حيث انطلقت قوى الإجرام والتخلف والهمجية مدعومة من قبل النظام العربي والدوائر الاستعمارية الغربية.

3- تجمع العرب والمسلمين وتوحد مشاعرهم باستمرارها في المقاومة وتحقق نهوضا ثقافيا وسياسيا عربيا وتتجنب حسابات قطرية ضيقة أفقدتها للأسف دورا أساسيا ينبغي لها في الإقليم.

4- تعرية منطق القوى المقاتلة وإسقاط دعاواها التي استخدمت على نطاق واسع بان سورية لم تحارب من يحتل الأرض والوطن إنما من يهدد النظام ويستدلون على ذلك بضراوة الحرب التي دخلها النظام ضد المجموعات المسلحة و نتائجها الرهيبة من دمار البلد فتكون الحرب مع العدو الصهيوني بالإضافة إلى بعدها السياسي المهم، عنصر توحيد للمجتمع وبعث نباهته والارتقاء بهمته.

5- حرب استنزاف مع الدولة العبرية هي الرد المنطقي على سياسة التسوية التي تكرست في المنطقة بعد اتفاقيات كامبديفد، كما ان عدم المواجهة المباشرة هو السبب القوي في إفشاء روح الهزيمة.

سؤال استنتاجي: 

ترى لو دخلت سورية في حرب مباشرة أو استنزاف مع الصهاينة هل كانت ستخسر ماديا بمقدار الخسارة التي منيت بها في السنوات الأخيرة؟؟ ألا يدعو هذا الكلام إلى مناقشة السياسات واستخلاص العبر؟؟ والله غالب على أمره.  

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك