سلام الهاتف والتويتر

الإمارات على خطى مصر والأردن

بقلم احسن خلاص

يفاجئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منافسه وهو في الطريق إلى تجديد ولايته على البيت الأبيض بإعلان صفقة اعتبرها تاريخية وهي الاتفاق على إنشاء علاقات بين “دولتين عظيمتين وصديقتين للولايات المتحدة الأمريكية”، الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. وهو الاتفاق الذي توج اتصالات أشرف عليها الرئيس الأمريكي منذ مدة وانتهت إلى تصور شامل لعملية تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين بإخراجها من السر إلى العلن والذهاب إلى الشروع في مراسيمها الرمزية والبروتوكولية منها إنشاء سفارتي البلدين والبدء في تنفيذ مخطط شامل للتعاون والشراكة يشمل جميع المجالات بدءا بالسياحة والنقل الجوي وانتهاء بمجال التعاون الأمني.

كان كل شيء جاهزا إذًا على طاولة قيادتي البلدين ولم يكن ينتظر إلى صيغة للإخراج أو لنقل حركة كوميدية استعراضية عن طريق الهاتف تجعل من العملية حدثا تتناوله وسائل الإعلام في العالم بمزيد من التفاصيل التي تحاول عبثا أن تظهر الطرف العربي أقل خذلانا مما يمكن أن يتصور. يرتكز السيناريو على عدة ومضات إعلامية افتتحها الرئيس الأمريكي انطلاقا من حسابه الخاص على التويتر بتقديم ما أسماه اتفاق سلام بين إسرائيل والإمارات العربية هو الأهم في نظره منذ عام 1994 تاريخ التوقيع على اتفاق سلام وتطبيع بين إسرائيل والأردن، حسب البيت الأبيض الأمريكي. وتحدث ترامب عن “انفراجة هائلة” وبشر ب”اتفاقية سلام تاريخية بين صديقتينا العظيمتين، إسرائيل والإمارات العربية المتحدة”. وعلى شاكلة الفرق الموسيقية تبعه ولي عهد أمير أبوضبي الشيخ محمد بن زايد آل النهيان بنغمة ارتدادية أكدت الخبر على حسابه الخاص على التويتر قبل أن يأتي البيان المشترك الأمريكي الإماراتي الإسرائيلي ليعطي للقرار طابعا رسميا.

أول ما يبدو على هذه التصريحات المتتالية أن الخطاب كان موزعا بشكل منسق بين الأطراف فقد كان موجها بالدرجة الأولى إلى الشعب الفلسطيني إذ اتفق حديث الرئيس الأمريكي وولي العهد الإماراتي على أن الأمر يسير في اتجاه السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال إبراز فكرة بسط السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية وتقديمها من حيث الأهمية على اتفاق تطبيع العلاقات ذاته ولو أن الطرفين اختلفا في تفاصيل مهمة جدا إذ أن تغريدة الرئيس الأمريكي تحدثت عن “إرجاء” بينما استعمل ولي العهد الإماراتي عبارة “توقيف” وكأن حديث الأول كان موجها للأطراف الإسرائيلية التي ستتضرر من القرار بينما توجه الثاني إلى الفلسطينيين.

غير أن بيان البيت الأبيض كان أشد وضوحا عندما حدد أهداف الاتفاق الحقيقية بالقول “إن إسرائيل والإمارات العربية المتحدة قد توصلتا إلى اتفاق سلام تم التفاوض عليه تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية من شأنه أن يقود إلى التطبيع الكامل للعلاقات الديبلوماسية بين هذين البلدين من الشرق الأوسط” قبل أن يوضح البيت الأبيض أن “نقاشات ثلاثية طويلة شهدت تسارعا في المدة الأخيرة تم الاتفاق هذا الخميس عن طريق الهاتف بين القادة الثلاث”. وأكد ترامب أن الاتفاق يتضمن أن ترجئ إسرائيل بسط سيادتها على عدة مناطق من الضفة الغربية التي تحدثت عنها سابقا بينما أكد محمد بن زايد أن الاتفاق يتضمن “وقف ضم إسرائيل لأراضي فلسطينية جديدة”. قبل أن يأتي البيان المشترك ليؤكد أن القادة الثلاث اتفقوا على التطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة وأن هذا “التطور الديبلوماسي التاريخي سيدفع إلى تقدم السلام في منطقة الشرق الأوسط ويشهد على الديبلوماسية الجريئة ورؤية القادة الثلاثة وشجاعة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل في شق طريق جديدة تسمح بالكشف عن طاقة هائلة في المنطقة”.

وعلى نهج كارتر وبيل كلنتون سيضرب ترامب موعدا قريبا للطرفين للتوقيع الرسمي على الاتفاق بالبيت الأبيض وقد يكون فاتحة لحملته الانتخابية لانتخابات الرئاسة لكن قبل ذلك فإن مشروع التطبيع الذي أعد منذ سنوات يتضمن اتفاقيات ثنائية للاستثمار في مجالات السياحة وفتح الخطوط الجوية المباشرة والأمن والاتصالات ومجالات أخرى عديدة كما سيتوج بفتح ممثليات قنصلية وديبلوماسية.

وأمام الغضب الذي أبداه الفلسطينيون على لسان أعضاء قياديين من منظمة التحرير الفلسطينين ومن حركة حماس والجهاد وفصائل أخرى اجتهدت دولة الإمارات من أجل تقديم الاتفاق الذي يقوم على خدعة إرجاء ضم الأراضي الفلسطينية على أنه أحسن ما يمكن الدفاع به عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وأن هذا التطبيع سيعود بالخير على الفلسطينيين في وقت لا يفيد فيه التعنت والممانعة فهذه الخطوة من شأنها أن تبقي الأمل، في نظر الإمارات العربية المتحدة، في إمكانية الحل القائم على الدولتين على أساس أن استمرار إسرائيل في توسعها الاستيطاني سيجعل عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين مستحيلة في المستقبل ومن هنا فإن عملية التطبيع الجديدة وهي الرابعة من نوعها بعد تلك التي قامت بها مصر وتبعها الأردن وموريتانيا “ستحفز الإمارات للعب دور أكثر إيجابية للدفاع عن كرامة الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة” في سياق المبررات التي يسوقها الإماراتيون. ويبدو أن دولا عربية أخرى تنتظر دورها لتحذو حذو هذه الدول الأربعة حسب ما أعلن عن مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي في تعليق له على الاتفاق.

ها هو “اتفاق السلام” بين الإمارات العربية وإسرائيل يمر بسلام ولم يكلف أحدا من الدول العربية عناء إصدار بيان أحادي أو ثنائي أو ضمن جامعة الدول العربية إذ اعتبر الأمر شأنا إماراتيا بحتا فاتفاقيات كامب ديفد واتفاقيات أوسلو وبعدها الاتفاق مع الأردن وما تخللها من اختراقات وتطبيع غير ديبلوماسي بين العديد من البلدان العربية وإسرائيل كل هذا ساعد على تخفيف وطأة الصدمة وجعل الشعوب العربية تعيش التطبيع واقعا مفروضا قبل أن تعيشه واقعا طبيعيا، كيف لا وقد صار الهاتف كافيا لإقرار “اتفاق سلام” على ظهر المقاومين الفلسطينيين كطريق لمباشرة عملية التطبيع.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك