سحر السلطة الرابعة و هامش الحرية

جدل الوجود و رهانات البقاء

د. بن عجمية بوعبد الله أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

لطالما كان لوسائل الإعلام تأثيراتها الكبيرة والعميقة على المجتمعات الإنسانية التي صاحبتها وعاصرتها، لم يكن يتخيل العالم زمن “غوتمبرغ” الذي اخترع آلة للطباعة منتصف القرن الخامس عشر فقط لأنه كان قسيسا واحتاج الى وسيلة ليكثف بها طبع ونشر الكتاب المقدس أن يفتح عالما جديدا للطباعة والنشر والتأثير، لينقلب عالم النشر رأسا على عقب لتتحول الطباعة من هدف محدود لشخص إلى وسيلة نشر وتسويق وتأثير بل وصناعة الرأي العام والتأثير في المتلقين وفق أجندات سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية… إلخ

لم يتوقف جهد البشرية عند حد الطباعة بل تلتها الجرائد ووكالات الأنباء ثم الإذاعة في بدايات القرن العشرين والتلفزيون بمختلف مراحل تطوره عبر النصف الثاني من القرن الماضي، لكن لم يكن أحد ليصدق أو يتصور أو يتوقع أن يتسارع العلم في موضوع تكنولوجيات الاعلام والاتصال إلى هذا العصر الذي نعيشه الآن، حيث فاق الحدود فيما أصبح يعرف بثورة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي كواحدة من أهم فضاءاته المؤثرة والعميقة والجاذبة للوقت والاهتمام استعمالا وتأثيرا.

ويمكن حصر القواسم المشتركة لوسائل الاعلام والاتصال من عصر الطباعة إلى عصر الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي في النقاط المهمة التالية:

  • كلها اختراعات ارتبطت بأزمات وحاجات متعلقة بالحرب والنفوذ والرغبة في التوسع فارتبطت الطباعة بالتنصير، وارتبطت الإذاعة بالحرب العالمية الأولى للتأثير، وارتبط التلفزيون بالحرب العالمية الثانية والانترنت كذلك بالحرب الباردة والصراعات التي تلتها، وبالتالي ليست الأمور عشوائية بل مرتبطة بحاجات الأنظمة القوية والدول المهيمنة على عالم اليوم في إطار الصراع والتدافع، ولا تزال تبرهنا الاختراعات الجديدة والمتسارعة والمتواصلة.
  • كل وسيلة إعلامية كان لها التأثير الكبير على المجتمعات نفسيا واجتماعيا وسلوكيا لدرجة تغيير أنماط العيش المختلفة، وأصبحت فاعلا رئيسيا دخل في ترجيح كفة كل الصراعات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولذلك سمي الإعلام بالسلطة الرابعة أي لها نفوذها وتأثيرها وخططها وتمويلها واللوبيات التي تقف خلفها.
  • استطاعت هذه الوسائل أن تنافس أقوى القيم المجتمعية والجماعات الأولية كالأسرة والدين والعادات والتقاليد، نظرا لسحرها وسهولة تأثيرها وانتشارها وتوسعها واستقطابها لملايين المتابعين والمشاهدين والمنخرطين والمستعملين لها بل وأصبحت هذه المؤثرات المجتمعية التقليدية والكلاسيكية هي من تستعين بوسائل الاعلام في تعزيز نفوذها وانتشارها والتسويق لبضاعتها الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الحضارية.. إلخ
  • أصبح لوسائل الاعلام والاتصال لوبيات تأثير هائلة من حيث التمويل والاشهار والرعايات المالية الهائلة خاصة في الأنظمة الرأسمالية أين تكثر المنافسة في كل أشكالها، فالسلطة الرابعة اصبح لها كلمتها حتى في صناعة القرار الرسمي بسبب هذه اللوبيات التي تستعمل الاعلام دائما للتأثير، وهذا أمر رغم الانتقادات إلا أنه مشروع وطبيعي في إطار التدافع والصراع الطبيعي سواء بين الدول والحضارات المتنافسة أو حتى داخل المجتمع الواحد والبلد الواحد، فكما هناك لوبيات للنفط والسلاح والعقار والسياحة والأدوية هناك في المقابل لوبيات إعلامية مؤثرة ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال تأثيرها أو تقزيم أدوارها.
  • أصبح للسلطة الرابعة كلمتها الفصل في المشهد السياسي في كل الدول من خلال دعمها ومساندتها واصطفافها خلف التيارات السياسية والأحزاب والتوجهات المتنافسة، وأقوى الأدلة على ذلك ما حدث مؤخرا في الانتخابات الرئاسية الامريكية والتي كان لوسائل الاعلام الكلمة الفصل فيها بين مرشح ديمقراطي تسانده أغلب وسائل الاعلام وبين مرشح جمهوري عادته كل وسائل الاعلام، بل أن من أعلن نتائج الفوز كانت وسائل الاعلام في انحياز واضح للمرشح الديمقراطي، وأنا شخصيا لست ممن يؤمن بوجوب حياد المؤسسات الإعلامية، ففي الحياة لا يوجد شيء مستقل ولا ينبغي له أن يكون كذلك، الموضوعية والصدق مطلوبة فقط في نقل الخبر أما توجه المؤسسة الإعلامية وخطها الافتتاحي فهذا خاضع للقناعات والتوجهات وكذلك رغبة اللوبيات والممولين والداعمين سياسيين كانوا أو رجال مال وأعمال.
  • وسائل الاعلام تتأثر وتؤثر بناء على هامش الحرية الموجود في المجتمعات، لست أقصد بالحرية معناها العشوائي أو المطلق أو المبالغ فيها والذي لا يعترف بقيم ولا مقدسات ولا خطوط حمراء، ولكن حرية الصحفي والإعلامي في نقل الخبر وفي حرية الوصول إلى المصدر وفي حمايته من الابتزاز والضغط والاكراه، ومن مصلحة أي مجتمع أن يكون له صحافة حرة تساهل في تعزيز باقي الحريات وبناء المجتمع ضمن عقد اجتماعي واضع يتوافق فيه الجميع على الحقوق والواجبات وقيم المواطنة والعيش المشترك.
  • أدوار السلطة الرابعة ليست دائما وقودا للحرب والصراعات كما يراد لها دوما أن تكون، ولكنها كذلك مجال مهم للتنمية والتطوير ونشر الوعي شانها في ذلك شان الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، فهي قيمة مضافة مهمة في بناء المجتمع البناء السليم والصحيح وبخاصة في الشق الثقافي والعلمي والحضاري والنفسي والاجتماعي، ولطالما وصفت وسائل الاعلام بأنها مرآة المجتمع والعاكسة لواقعه بصدق وموضوعية والناقلة لتحدياته ومشاكله ومكامن الضعف فيه والاسهام مع كل الشركاء الآخرين في التطوير والتصويب والتصحيح والبناء بما يعزز روح المواطنة وإيجابية الفرد في الاسهام في التنمية كذلك.
  • السلطة الرابعة مرآة للديمقراطي في المجتمعات وطرف في النقاش المجتمعي العام، ولا ينبغي لها أن تكون محايدة في كل يتعلق بالقيم الرئيسية بل وجب أن تنخرط في كل ما من شأنه أن يؤثر على العقد الاجتماعي، فالذي يكشف الفساد هو الاعلام والذي يفضح التزوير هو الاعلام والذي يسلط الضوء على الجرائم في المجتمع بمختلف أنواعها هو الاعلام، والذي ينبه على الأوضاع الصحية والعلمية والمالية والاجتماعية هو الاعلام، ولذلك كلما كان الاعلام حرا كلما كان ذلك في خدمة المجتمع والعكس صحيح.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك