ستظل كاميرتي حرة مناصرة للقضايا العربية

المخرجة السينمائية التونسية إيمان بن حسين حصريا "للوسط"

انفردت يومية “الوسط” بحوار حصري مع المخرجة السينمائية التونسية إيمان بن حسين  التي  نشأت وترعرعت في ألمانيا  حيث كان والدها  ديبلوماسيا سابقا هناك ،ونجد في رصيدها العديد من الأعمال الوثائقية  التي بثت في القنوات العربية   مثل  قناة ” البي بي سي ”  ولقد أنتجت  قناة ” الجزيرة الوثائقية ” فيلما لها بعنوان  “هل يصنع القتلةُ الدواء؟  فأثار هذا العمل الفريد من نوعه  جدلا واسعا  في الوسط الإعلامي التونسي والعربي والذي ذاع صيته في العالم ،فكشفت من خلاله المستور عما خفي من ملابسات التجارب الطبية المخالفة للقانون والأخلاق في تونس، وما رافقها من فساد أو تغافل حكومي، تحت غطاء مالي وصناعي أجنبي للتجارب التي تم تطبيقها ،فالشيء اللافت من خلال جل أعمالها  هو طرحها للمواضيع السياسية ،فلقد دعت  من خلال هذا اللقاء الشيق إلى ثورة في العقل وإعادة تأهيل وتكوين فكري لبلوغ مستوى من الرقي ،كما أنها كشفت لنا  عن فيلمها الجديد الموسوم بـ “القطيع” ،  أين وعدت هذه المبدعة متابعي أعمالها بالقول :”ستكون كاميرتي دائما حرة مناصرة للقضايا العربية”.

 تألقت بفضل فيلمك الموسوم بـ ” هل يصنع القتلةُ الدواء؟”،فما هي قصة هذا الشريط الإنساني/ السياسي الذي ذاع صيته في العالم ؟ وما أصل حكاية هذا الوثائقي الذي كان أنجح ما عرضت “الجزيرة الوثائقية “؟

هي مؤامرة بين البنتاغون وأكبر مخبر أدوية في الكيان الصهيوني ووزراء صحة وبعض المسؤولين في معهد باستور من تونس حيث قاموا بإجراء تجارب سريرية على أطفال من منطقة نائية في تونس في خرق واضح للقانون وهذه التجارب سيستفيد منها جنود من الجيش الأمريكي الذين أصيبوا بمرض “الليشمانيا” في حرب العراق…طرحنا الموضوع في فيلم “هل يصنع القتلة الدواء؟” وكشفنا كل الملابسات بالأدلة الدامغة وباعتراف من الوزراء الذين واجهناهم بكل ما يفيد تورطهم وبعد التشكيك في مصداقية الفيلم من قبل بعض الفاسدين جاء قرار المحكمة المنصف للعمل ليصدر حكم بعدم قانونية هذه التجارب.

هل موضوع هذا الفيلم يشكل تهديدا حقيقيا للدول العربية؟

 لأنه ترجمة للانبطاح العربي الذي نعيشه فعندما تتأملين في موضوع الفيلم وهو عبارة عن انصياع لأوامر الأمريكان الذين لا يسمح قانونهم بإجراء تجارب على جنودهم لذلك تمت تجربته على أطفال في منطقة  فقيرة في تونس رغم أن القانون التونسي أيضا يمنع التجارب على القصر والدواء كان من صنع اسرائيلي هنا نتحدث عن مراكز القوة المسيطرة في العالم وكيفية مجاراة أصحاب القرار في الدول العربية وانصياعهم لأوامرهم وارضاءهم لهم المهم البقاء على رأس السلطة حتى لو كان الأمر يمس من هيبة الدولة ومن حياة اطفالها …لذلك سيبقى فيلم “هل يصنع القتلة الدواء؟” النقطة السوداء في حياة كل المتآمرين والمتورطين في هذه القضية حتى وإن لم يعاقبوا قانونيا.

“القطيع” الولادة القيصرية إبداع آخر لا يزال ينتظر النور، فما سبب تأخر عرضه ،رغم أنه من الأعمال التي تبدو حسب السيناريو الأكثر ارتباطا بواقع المجتمعات العربية وبين السياسة والفن خيط رفيع ؟

بعد فيلمي “هل يصنع القتلة الدواء؟” تريثت وترددت كثيرا للقيام بعمل جديد لأن الجميع أصبح ينتظر الفيلم المقبل لإيمان بن حسين وينتظر شيئا في حجم هذا الفيلم إلى أن اقترح عليا “القطيع” وهو عبارة عن تسريب من البيت الأبيض لاجتماع مهم لقادة وزعماء فيه أسماء مهمة لشخصيات سيتم اغتيالهم وأكثر من ذلك منذ البداية تحمست للفكرة وبعد التثبت من صحة التسجيل اتصلت بالمنتج ووافقت على العمل وبدأت فيه في سرية تامة حرصا مني ومن المنتج الذي أصر أن أقوم به كاملا خارج تونس حتى عملية المونتاج وبقية أطوار العمل قمت بها في الخارج مانعا أي أحد من الفريق بمن فيهم أنا التواصل أو إرسال أي شيء عبر البريد الالكتروني، في البداية لم أعارض بل أعجبت بحرصه الشديد على سرية العمل بعد ذلك اتفقنا على أن يكون العرض الأول بداية شهر ديسمبر ثم تأجل مرة واثنان وثلاثة وعندما أسأله كان يجيب هناك ضغوطات كبيرة بعدها طلب مني عدم الالحاح وسيعرض الفيلم في الوقت المناسب وإلى الآن أنتظر هذا الوقت المناسب…

 استطعت أن تستفزي أصحاب القرار بمزجك المتحكم في القضايا السياسية بصقلها في إبداع سينمائي رائع، فماهي العراقيل التي تواجهك في الاستمرار على هذا النهج المميز؟ 

أكيد أن مثل هذه المواضيع لا يحبذها أصحاب القرار وغيرهم فإن تكشف حقيقتهم وتعري فسادهم هو شيء مرفوض بالنسبة إليهم ومستعدون لأي شيء لعدم عرضها مثلا في فيلمي الأخير بعد أن فشلوا في إغرائي بطرق مختلفة جندوا بعض الإعلاميين الفاسدين لتشويهي ولمغالطة الرأي العام وكنت أواجههم بمفردي إلى أن أنصفني القضاء وجاء الحكم كالضربة الكاسرة لهم جميعا…هذا إلى جانب التهديدات التي كنت أتلقاها يوميا والعراقيل من نوع تعطيل بعض الاجراءات الشخصية كجواز السفر وغيره ولكن الحمد لله أنني أنتمي إلى بلد فيه شعب يهابه المسؤولين من أعلى سلطة فنحن في تونس وبعد الثورة أصبح للشعب كلمته  وقدرته على ردع الظلم والانتصار للمظلوم وهذا مكسب كبير لنا فبتعليق بسيط على الفايسبوك تكشف فيه ممارسات تعسفية يقف الجميع إلى جانبك وتصبح القضية قضية رأي عام وتنتصر في الأخير والحمد لله هذا الشيء ساعدني كثيرا في تلك الفترات الصعبة…أما بالنسبة للعراقيل حتى إن وجدت فأنا أتجاوزها عموما هناك طرق عديدة يجب أن تخلقها حتى لا تبقى سجينة ممارساتهم وعرقلتهم …أنا مخرجة ولدي رسالة أؤمن بها إيمانا كبيرا وباستثناء الموت لن أسمح لأي شيء أو أي أحد مهما كان أن يقف أمامي ويعرقل ما أريد تحقيقه في مجالي بإذن الله.

لماذا وقع اختيارك على الأعمال الوثائقية الاستقصائية؟ فما هي مكانتها في الوطن العربي؟

هو ليس اختيار بقدر ما هو اقتناع بكشف الحقائق وتعرية الفساد ففي النهاية أي عمل هو ترجمة لأفكارك ومبادئك والأشياء التي تؤمن بها وأنا والحمد لله تستهويني ومنذ طفولتي هذه التوجهات أتذكر عندما كنت في ألمانيا أين كان والدي ديبلوماسي سابق هناك، حينها لم أكن أتجاوز الـ 7 سنوات كانوا يسألونني السؤال الروتيني ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين ؟  وبكل براءة كنت أجيب أريد أن أحرر فلسطين،  في البداية لم أدرك معنى هذه الإجابة، الآن وعندما اشتغلت بميدان الإخراج ولمست المواضيع التي أريد إثارتها وعرضها رغم المقترحات العديدة التي كنت أتلقاها لكن حرصي بالتشبث بهذا التوجه أدركت المعنى الحقيقي لإجابتي البريئة التي كنت أقولها بكل تجرد وهي تحرير فلسطين ،وفلسطين بالنسبة لي هي أم القضايا وترجمة لجميع المبادئ القيمة المزروعة فينا كعرب منذ الأزل….وبالنسبة لموقع الأفلام الاستقصائية في الوطن العربي الآن بعضها جاء كردود أفعال عادية بعد الثورات، لما كنا نعانيه من تعتيم وخوف من نقل واقعنا أمام الجميع فكلنا يعلم أنه في السابق ممنوع منعا تاما الاقتراب أو طرح مواضيع معينة  لذلك في الفترة الماضية جاءت هذه النوعية من الأفلام بكثرة ولكن بعد ذلك تراجعت هذه الحماسة وعدنا إلى الرداءة التي للأسف مزروعة في عقولنا مع بعض الاستثناءات …أظن أننا كشعب عربي لازالت بيننا وبين الرقي في الطرح أشواط ونحتاج إلى ثورة في العقل وإعادة تأهيل وتكوين فكري لبلوغ مستوى من الرقي المعين في الأعمال .

 هل هذه الأعمال تخاطب العقل أم الضمير العربي؟

هما خطان متوازيان لكنهما للأسف لن يلتقيا أبدا وهكذا الشأن في جل الأعمال التي قمت بها فما يقبله العقل ليس بالضرورة أن يحظى بموافقة الضمير والعكس صحيح وما أطرحه في أفلامي قد يستوعبه العقل ولكن من المستحيل أن يصحي أو يمس ضمير الفاسد والظالم الا من رحم ربي وعلى أمل أن يتقبله كلاهما يوما ما سأصر على أن أقوم بأعمال نابعة مما أؤمن به .

 كانت قناتا “الجزيرة “القطرية و”البي بي سي” أرضية خصبة ساهمت في جعل أعمالك ترى النور لدى المشاهد العربي، فما السر وراء هذا الاختيار؟ 

لا أستطيع أن أنكر فضل” الجزيرة” على ايمان بن حسين فما انا عليه اليوم والحمد لله هو بفضل الله أولا ثم مهنيتي والجزيرة في وقت كان كبار المخرجين يحلمون بالتعامل معها كنت حينها في بدايتي امنت بي وقدمت لي المساعدة وراهنت عليا كمخرجة في حين أنني لم أجد أي دعم من بلدي تونس، لذلك سأبقى مدينة لهذه القناة طوال مسيرتي المهنية حتى وإن لم أتعامل معها مجددا لست من النوع الجاحد والناكر للجميل بالنسبة “للبي بي سي “تعاملي معها جاء بعد أن ضرب اسمي كمخرجة وهي إضافة جدا جيدة لي وأتمنى أن أكون دائما في المستوى المطلوب.

حدثينا عن المخاطر التي واجهتك في بلدك “تونس” بسبب أعمالك الاستقصائية؟

صدقني إن لم تكن هناك مخاطر لاعتبرت نفسي نكرة بالعكس المخاطر هي من تزيد من إصراري وتصميمي على المضي قدما بما أقوم به وفي الأخير لا تحذف إلا الشجرة المثمرة وكلما زادت المخاطر والعراقيل كلما زاد اصراري أكثر وأكثر … لذلك لا يمكنني تسميتها بالمخاطر بل هي الداعم الرسمي لإيمان إذا فأنا لا أصنفها على هذا المنوال وبالتالي فهي غير موجودة بالنسبة لي.

المواضيع السياسية حاضرة بقوة في جل أعمالك، فما الذي تعكسه يا ترى ؟ هل هي تحقيق لذات إيمان بن حسين وانتصار لأفكارها التي تود تجسيدها على أرض الواقع؟

تعكس واقعنا الذي نعيشه فالسياسة هي الخبز اليومي للمجتمع كل تفاصيلنا مرتبطة بالسياسة حتى الجزئيات البسيطة ولا أخفيك سرا أنني إلى الآن لا أعتبر نفسي تعمقت جيدا في أفلامي في السياسة انتظر أعمالي المقبلة إن شاء الله وسترى كيف سأطرح هذا الموضوع…من ناحية أخرى إيمان بن حسين الإنسانة بعيدة تماما عن المخرجة فالعديد من الأشخاص الذين يشاهدون أعمالي عندما يقابلوني لا يصدقون أنني نفس تلك الشخصية التي أخرجت تلك الأفلام أنا يا سيدي أترجم بالكاميرا واقع أليم نعيشه واقع شوهه الانتهازي والظالم والمستبد والقوي ووو…واقع يهزم فيه الفقير والضعيف ويستغل فيه المهزوم والمظلوم …واقع يزور فيه التاريخ على حسب أهواء الزعماء وتصنع فيه بطولات وهمية تدرس لأولادنا على مدى السنين ..كل هذه الاشياء سأدافع عنها في أفلامي بكل ما أوتيت من قوة ومهما كلفني ذلك ولا أدعي في ذلك البطولة أنا مخرجة عادية لكن الفرق بيني وبين غيري أنني أؤمن بأن السينما رسالة قبل أن تكون شهرة أو نقود .

هل كان والدك الداعم الوحيد لك في بدايتك في عالم السينما؟

للأسف والدي رحمه الله لم يبقى ليشاهدني مخرجة، فقد توفي وأنا في سن صغيرة ولكنه زرع فيا أشياء منذ طفولتي هي ركيزة مهمة أعتمد عليها في مهنتي خاصة وفي حياتي عامة وحتى إن لم يكن حاضرا اليوم ويشهد ثمرة تربيته سيبقى ملهمي إلى آخر يوم في حياتي.

هل لأعمالك الجادة دور بارز في انتشارك على المستويين العربي والعالمي؟

حقيقة لا أعتبر نفسي منتشرة عالميا، لكنني أطمح لذلك وسأكون بإذن الله قريبا مخرجة عالمية… بالنسبة للأعمال الجادة التي أطرحها، فعلا قد تكون لها دور كبير في وصولي في وقت قصير وإثبات اسمي كمخرجة لها وزنها عربيا فالمتلقي مل من المواضيع التافهة والتجارية وأصبحت المواضيع التي تمثله وتمسه هي من تلاقي استحسانا لديه لا أخفيك أنني لم أخطط لهذا في البداية لكن، كما قلت سابقا إيماني بقيمة ما أقوم به هو من جعل لدي مصداقية وثقة لدى المشاهد.

 فيم تتمثل مشاريعك المستقبلية؟

 أعمل الآن على اللمسات الأخيرة لسيناريو فيلمي الروائي الطويل الأول والذي سأبدأ إن شاء الله تصويره بعد رمضان المقبل هو قصة نوعا ما حقيقية فشلت في طرحها في فيلم وثائقي نظرا لخطورة الموضوع فحولتها إلى فيلم روائي طويل سيكون جاهزا نهاية هذه السنة إن شاء الله ، وعليه قررت أن أتجه قليلا إلى الدراما سيكون تركيزي أكثر على الأفلام السينمائية الروائية أو المسلسلات دون الابتعاد طبعا عن توجهاتي التي أؤمن بها.

 كلمة أخيرة للقراء وعشاق أعمالك الرائعة ولجريدة” الوسط” الجزائرية؟

الجزائر الحبيبة والشعب الجزائري القوي والمناضل قصة حب وعشق بينه وبين الشعب التونسي لا يمكن ترجمته في بعض الأسطر، لهذا فالشعب الراقي الذي تابعت مؤخرا تحركاته الراقية نحو الكلمة الحرة وتغيير سياسة معينة ، فأنا جد فخورة به أقول دمت ودام رقيك …لمن يتابع أعمالي أعدكم أنني سأواصل على نفس المنوال وستكون كاميرتي دائما حرة مناصرة للقضايا العربية، وأتمنى أن أكون عند حسن ظنكم جميعا…وأشكر جريدة “الوسط “على هذه المساحة التي شرفتني بها على صفحتها، متمنية لها مزيدا من التوفيق والتقدم.

حاورها: حكيم مالك

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك