ساحة صراع أمريكا و روسيا و إيران وتركيا

سورية

بقلم: صالح عوض

هنا دمشق أقدم عاصمة عرفها التاريخ.. هنا تنفس الإنسان مجده الأول وبنى حضارته الأولى.. هنا العاصمة العربية الأقرب للقدس، من هنا خرج قيصر بعد أن أعياه أهل الشام بحياكة الحرير، وهنا أناخت عير قريش لتعود بما جاد به الشام.. وهنا دعوات محمد بالبركة، وعشق صحابته جهادا، هنا أبو عبيدة وخالد واليرموك.. هنا بردى يغسل عن دمشق جراحها وتنقط “فيجي” قطرات الحياة في حلوق من طال بهم جميل صبرهم.. هنا عاصمة الأمويين ومسجدهم وتكية عمر بن عبدالعزيز ومراقد مئات الصحابة وقبر صلاح الدين ومرقد محي الدين بن عربي.. على أرضها سقطت إمبراطوريات وقامت ممالك، جاء التتار ورحل التتار جاء الصليبيون ورحل الصليبيون وبقيت دمشق عربية الوجهة والقسمات تبدو رخوة في مواجهة الغزاة ولكنها عصية على الابتلاع تراوغ الطغاة وتمتص صدمتهم وتطوح بهم على جنبات التاريخ، وتشرئب بعنقها ووجهها الوضاء فيمتلئ المؤمنون يقينا.. بيت العرب الدافئ وقلبهم النابض لجأ إليها الفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون والجزائريون والأرمن والشركس وكل المعذبين فكانت لهم الأخ والرفيق وبوأتهم من المقاعد أكرمها.. اتسع قلبها لكل العرب وكل المسلمين وأساء إليها بعض العرب ومعظم الناس فحولوها ساحة قتل ودمار.. لأنهم يعرفون أن المنتصر فيها ينتصر على العالم ولأنهم يعرفون إنها أقصر طريق إلى فلسطين.. نحاول رؤية حقيقة المشهد علنا نتلمس بوابة الخروج من الكارثة.

أطراف الصراع الرئيسية: 

أمريكا وروسيا وإيران وتركيا هذه هي عناوين الحرب في سورية.. وتحت هذه العناوين أتباع من دول إقليمية أو مؤسسات إعلامية أو مليشيات أو أحزاب إلى الدرجة التي يبدو فيها أن العالم كله أصبح تابعا لهذا العنوان أو ذاك، واختلطت الروايات و تناقضت الحجج والادعاءات فكانت الحرب المجنونة في ظل إصرار أطراف الصراع على تحقيق أجنداتها، والضحية سورية الدولة والشعب والثروات التي دفعت الكثير بسبب تطاحن أصحاب المشاريع على أرضها..  وكأننا حقا أمام حرب عالمية مصغرة، أنفقت فيها الأموال الطائلة وسقط القتلى بمئات الآلاف وهجر أكثر من أربع مليون سوري خارج وطنهم وسبعة داخل وطنهم.. اما المجموعات المسلحة فهي أدوات فقط تم تحريكها لتستدعي التدخلات المتعددة، وهنا تطل الأسئلة برأسها ماذا يريد الروس في منطقتنا؟ تحالف ام استعمار؟ لماذا حشدت أمريكا أتباعها في معركة سورية؟ والى أي درجة يكون حصل تفاهمهم مع الروس أين اتفقوا وأين يختلفون؟ تركيا لماذا تدخل المعركة وتجيش الجماعات المسلحة وتصبح ساحة انطلاق للمقاتلين القادمين من شتى البقاع في حرب تدرك ان أمامها الروس والإيرانيين، وماذا تريد إيران من هذه الحرب؟ وهل تكون اقتربت من البحر المتوسط واستطاعت أن تحشد الشيعة في لبنان والعراق وأفغانستان والباكستان واليمن في المعركة تأسيسا لمشروع كبير؟ ثم هناك الأسئلة بلون التاريخ فما هي العلاقة التاريخية بين كل طرف والأطراف الأخرى.. علاقة الأتراك التاريخية مع الروس “العثمانيون والقياصرة” وعلاقة الأتراك والإيرانيين “الصفويين والعثمانيين” وعلاقة الروس والأمريكان التاريخية، وعلاقة إيران بأمريكا لاسيما بعد الثورة الإيرانية؟ وعلاقة إيران بروسيا قديما وحديثا؟

تاريخ من الصراع:

من الواضح ان هناك سجلا طافحا بالأحداث التاريخية التي تخبرنا عن صراع بين الدول المتشابكة الآن على العارض السورية استمر زمنا طويلا وبالإحالة على التاريخ نكتشف ان كل طرف يحمل من الذاكرة ما يكفي ليدفعه إلى القتال والتوجس من تحرك الأطراف الأخرى لاسيما وكل طرف يرى ان فوزه في هذه المعركة يمنحه حيزا استراتيجيا في مناطق النفوذ.. لقد تواصلت الحرب بين الخلافة العثمانية والقيصرية الروسية خمس قرون. كما أن إيران تدرك أن وجود أصدقاء أمريكا في المشهد يعني إخراجها من المسرح كله الذي دفعت فيه قواها على اعتبار ان سورية ساحة متقدمة لتحريك نفوذها في المنطقة وورقة قوة بيدها كما أن أمريكا وهي تترك ظاهريا المشهد للروس إنما لكي تكبل الروس بواقع من الصعوبة بمكان، وهي تريد أن تحقق من خلال الروس ما لم تستطع ان تحققه في المنطقة من التسبب في تدمير المنطقة وتحقيق أمن وجود الكيان الصهيوني، ورغم علاقات تاريخية من الصراع بين الروس والإيرانيين إلا أن ضرورة مؤقتة على الأقل تدعو إيران إلى الدفع بكل قوتها ومن خلال أتباعها متحالفة معهم في المعركة في سورية.. كما ان تركيا ترى ان الملعب السوري ليس من شأن إيران ولا الروس إنما هو ملعبها وهذا ما عقد المسألة.

الحرب المتشعبة:

يمكننا حصر إستراتيجية تركيا وروسيا فيما يخص الأزمة السورية، في ان تركيا اتخذت سياسية الدعم المفتوح للمعارضة السورية المسلحة في سياق وقوفها مع الربيع العربي منذ عام 2011 مدعومة بمال عربي واسع من قبل دول الخليج،  أما بالنسبة لروسيا، فقد اضطرت عام 2015 للتدخل، من أجل إنقاذ غازها المتدفق الى أوربا والمهدد فيما لو نجح القطريون من مد أنبوب غاز عن طريق سورية بعد انهيارها، فكان لابد من إنقاذ حليفها العربي الوحيد في المنطقة، وللتعويض عن خسارات إستراتيجية أمام الزحف الأمريكي في أوربا الشرقية ومحاولة لملء الفراغ الكبير نتيجة الانسحابات الأمريكية الظاهرية، ونجحت روسيا في مساعدة قوات النظام على استعادة أغلب المناطق التي سيطرت عليها المجموعات المسلحة المدعومة من أمريكا ودول أوربية وتركيا ودول خليجية وأحيانا كثيرة من قبل الأجهزة الصهيونية.

  في الحلقة الأخيرة من الصراع الدامي على الأرض السورية تبدو بوادر أزمة بين طرفين تميزا بحضورهما الفاعل في الصراع: تركيا وروسيا.. بين التركي والروسي تاريخ صراع لعدة قرون، ولكنه يصبح في محفوظات التاريخ وليس من دوافع الحاضر وذلك لتطلعات البلدين الحالية والتي تسير في تطور مضطرد على أكثر من صعيد..  وهذا ما يفسر تصريح أردوغان بعد التطور الأخير في إدلب: “ليست هناك ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا خلال هذه المرحلة، لدينا معها مبادرات إستراتيجية جادة للغاية”.. فالعلاقة بين البلدين إستراتيجية اقتصاديا وسياسيا ترى فيها تركيا وروسيا مكسبا مهما لكليهما فلقد ازدهرت العلاقات الاقتصادية بينهما فمن المتوقع أن يصل حجم المعاملات الاقتصادية بين البلدين إلى 100 مليار دولار و ان 3.5 مليون سائح روسي يحل بتركيا سنويا.. كما تعززت العلاقة بمد أنبوب “أسيل” الروسي عبر التراب التركي وشراء منظومات اس 400 والشراكة التكنولوجية بينهما والتفاهم في عديد الملفات الإستراتيجية كما ان التداخلات الإقليمية بين البلدين حساسة لا تحصر اهتمامهما على الساحة السورية، فلقد نجحت أنقرة في التحول إلى قوة إقليمية في منطقة القوقاز، ونجحت في إحياء الصلات بذوي الأصول التركية في هذه الجمهوريات: “أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزستان”.. وهذه ورقة قوة إستراتيجية بيد الأتراك و لقد ظلَّت روسيا باستمرار حذرة وتحسب حسابا عميقا للتحرك التركي في القوقاز” بين البحر الأسود وبحر قزوين” .. فتركيا تتحرك في فلك واسع وتعتبر مركز الاستقطاب للدول الإسلامية المحيطة بروسيا وكذلك بالتتار الشيشان في روسيا.. وهذا بالإضافة الى عناصر أخرى عديدة يمنح الأتراك شعورا بقدرتهم على أن يكونوا دولة عظمى في المستقبل غير البعيد.

 الأمر الذي يعني ان انزياح تركيا للموقف الأمريكي والناتو إن حدث فهو بمثابة إدخال للروس في معركة استنزاف على أكثر من جبهة لن تكون الجبهة السورية إلا أحدها، وتدرك روسيا ان عضوية تركيا في “الناتو” وكونها القوة العسكرية الثانية داخله من شأنها أن تمكِّنها من إعادة رسم علاقة مختلفة مع روسيا، في ظل المخاوف الروسية المتنامية من تطويق الحلف الأطلسي لها،كما ان خيار الحرب بالنسبة لتركيا يعني إدخال البلاد في متاهة الحرب والنزف وتدمير عجلة النمو الاقتصادي وتعرض الأمن القومي التركي لهزات عنيفة…لذا فإن خيار التهدئة واحتواء الأزمة والسير نحو تفاهمات إستراتيجية لا يبدو فقط احتمالا لأحد  الطرفين وإنما هو الطريق الوحيد أمامهما.

 بعد الصورة الأخيرة:

من الواضح ان الوضع على الأرض السورية يسير نحو القضاء على الجيوب المسلحة ويمكن الذهاب إلى الصورة الأخيرة للمشهد بأن الأتراك معنيون تماما بأن لا تكون إحدى تداعيات إنهاء التمرد المسلح في سوريا قلقا يهدد الأمن القومي التركي ويكون الأتراك قد اقتنعوا ان لا إمكانية لنصر المجموعات المسلحة، أما بالنسبة للإيرانيين وما سار في فلكهم من مليشيات شيعية لبنانية وعراقية وأفغانية وباكستانية ويمنية فلقد أسهموا بقوة في معارك تحرير المدن والاقتحامات في أكثر من جبهة في سورية ولكنهم أصبحوا عبء على السياسة الروسية في سورية حيث يعمل الإيرانيون على جني ثمار مشاركتهم بإيجاد قواعد لهم جنوب سورية وهنا ترك الروس الإيرانيين بلا غطاء يتعرضون لقصف متواصل من قبل الطائرات والصواريخ الإسرائيلية ويتصاعد النقد للوجود الإيراني والمليشوي في سورية بعد ان ابدوا مظاهرا تمس ثقافة المجتمع وهويته الى الدرجة التي أباح عنها حسن نصر الله في خطاب له بان الرئيس السوري حذره من تلك الطقوس التي تمس الوجدان السوري، أما الروس الذين دخلوا لإنقاذ الدولة السورية فقد مهدوا لذلك بتفاهمات إستراتيجية مع قادة الكيان الصهيوني بان لا يمس التدخل الروسي امن الكيان بأذى.. ولعله من الواضح ان روسيا وريثة موقف تاريخي ضامن لوجود الدولة العبرية ولذا فان الوجود الإيراني والمجموعات التابعة له سيجد صعوبات حقيقية في الأشهر القادمة لاسيما بعد الانتهاء من آخر الجيوب المسلحة.. أما الأمريكان فهم حتى الان حققوا عدة أهداف أولها بلا شك إلحاق الأذى بدولة عربية محورية مواجهة للكيان الصهيوني وجعلها في حيز من العجز لا تستطيع الوقوف في مواجهة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية وثانيا هم ضمنوا ساحة لإغراق أكثر من طرف في مستنقع الدم في سورية وقاموا باحتلال مواقع إستراتيجية من سورية من اجل إجراء مقايضات إستراتيجية مع الدولة السورية اقتصادية وسياسية..

انتهاء الصراع الدامي على الأرض السورية لا يعني انه المشهد الأخير في الأزمة.. فهناك تداعيات لكل ما حصل خلال تسع سنوات ستنعكس على مجالات عدة، أن إعادة ترميم الأوضاع الاجتماعية والنفسية بين السوريين تحتاج همما عالية وقرارا سياديا..كما أن فتح الباب للاجئين من أبناء الشعب ومتابعة شئونهم وتهيئة السبل لإعادتهم لبلداتهم وقراهم هي المهمة الوطنية المقدسة كما ان اللقاء السوري لترسيم الدستور وفتح الباب أمام انتخابات حرة ونزيهة في المؤسسة التشريعية والتنفيذية هو الخطوة الضرورية.

ستكون سورية أجمل عندما يخرج منها كل الأجانب وأجنداتهم والشعارات الطائفية والمليشيات المسلحة والعنف بكل رموزه.. عندما يعود أبناؤها إليها ويرفعون لبنيانها شاهقات النصر على أنقاض الموت والجريمة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك