زيارة أردوغان للجزائر تثير غضب الرباط

العلاقات الثنائية والأزمة الليبية في الموعد

يبدو أن الرباط غير راضية عن الزيارة التي يقوم بها اليوم إلى الجزائر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد أقدمت المملكة على إلغاء زيارة للرئيس التركي إلى المغرب هذه الأيام ضمن جولة أفريقية تنطلق منه إلى السينغال ثم غامبيا تعبيرا عن امتعاضها من إدراج الجزائر في اللحظة الأخيرة كمحطة أولى، بدل المغرب، ضمن برنامج أردوغان الإفريقي. وهو الخيار الذي أملته التطورات الأخيرة في الملف الليبي لاسيما وأن ضيف الجزائر يأتي بعد دعوة رسمية من الرئيس تبون قبل أسبوعين، أكدها لقاء الرئيسين على هامش ندوة برلين. فما الذي جعل الرئيس التركي يغير وجهة زيارته نحو الجزائر دون أن يأبه لاصطكاك أسنان العاهل المغربي؟

تقيم الجزائر مع تركيا علاقات متميزة بدأت تعرف نموا منتظما منذ عام 2014 وهي العلاقات التي تريدها أنقرة والجزائر شاملة وقابلة للتوسع لتشمل جميع المجالات انطلاقا من أن البلدين يمتلكان تاريخا مشتركا يمتد إلى ثلاثة قرون من الوجود العثماني بالجزائر. وقد تعاهد الطرفان على إقامة علاقات يسودها الاحترام المتبادل وتقوم على التشاور حتى في المسائل التي قد تعتبر محل اختلاف عميق في وجهات النظر في سياق وضع إقليمي غير مستقر ومتوتر مثل هو الحال بالنسبة للملف الليبي هذه الأيام.

ولا تدخر تركيا منذ 2014 أي جهد لإضافة لبنة جديدة إلى العلاقات الثنائية لاسيما في مجال التبادل التجاري وترقية الاستثمارات التركية في الجزائر وعيا منها بالإقبال الجزائري الكبير على الشريك التركي وإدراكا منها للقيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها العامل التاريخي والثقافي بين البلدين.

ومن هنا كانت زيارة أردوغان إلى الجزائر في فبراير من عام 2018 تحمل وعودا كبيرة بترقية العلاقات الثنائية إلى أعلى مستوياتها باعتماد الواقعية والبراغماتية في تطويرها فقد سمحت تلك الزيارة لرجال الأعمال الأتراك بالاطلاع على المزايا التي توفرها قوانين الاستثمار في الجزائر وعلى استعداد رجال الأعمال الجزائريين لإطلاق شراكات مع الطرف التركي، لاسيما وأن الجزائر تحصي أكثر من 800 مؤسسة تركية تشتغل فيها إلى حد أن الرئيس التركي وصفها بجزيرة الاستقرار السياسي والاقتصادي في البحر المتوسط وإفريقيا.

هذا المناخ الذي سمح لتركيا بأن تصبح، في ظرف قصير، المستثمر الأجنبي الأول في الجزائر فقد أحصت الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار حوالي 138 مشروعا أنجز منها في مجالات الصناعة والبناء والخدمات 23 مشروعا بقيمة 74 مليار دينار وأبرز هذه المشاريع مصنع الحديد والصلب بوهران ومصنع النسيج بغيليزان.

 

زيارة بطموحات جديدة

ولا تخفي تركيا طموحها في إبرام اتفاق للتبادل الحر بين البلدين وهو ما عبر عنه رجال الأعمال الأتراك، غير أن زيارة أردوغان هذه المرة، وإن أثارها الوضع الخاص الذي تمر به ليبيا، إلا أنها تطمح إلى وضع تصور أكثر طموحا يتجاوز العوائق التي نشأت من مرور الجزائر بفترة تحول سياسي أثر على مناخ الأعمال فيها، لاسيما وأن كثيرا ممن أشرف من الجزائريين على اللقاءات السابقة مع الطرف التركي يتواجدون اليوم في السجون بتهم الفساد.

لكن الأوان لم يفت بالنسبة للجانب التركي لاستئناف العلاقات المتميزة والواعدة التي بدأت بل إعطائها نفسا جديدا، وهو ما يتجسد من خلال إنشاء المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي الجزائري التركي كإطار للتشاور السياسي والتعاون الاقتصادي يبعد العلاقات بين البلدين عن الارتجالية والظرفية ويرقي العلاقات إلى صف الشراكة الاستثنائية ويثمن اتفاقات الشراكة والتعاون ومذكرات التفاهم المبرمة في قطاعات الطاقة والفلاحة والسياحة والتعليم العالي والثقافة والعلاقات الخارجية.

 

محك الأزمة الليبية

ويبدو أن تباحث الطرفين الأزمة الليبية بمناسبة هذه الزيارة يعد اختبارا حقيقيا لمدى قدرة البلدين على تجاوز الخلافات بين الطرفين في مقاربة الأزمة وحلها. وإن كان موقف الجزائر من التدخل التركي في سوريا فاترا إلى حد ما، إلا أن تدخلها في ليبيا لا يمكن أن يمر دون أن تشهر الجزائر بشأنه نقطة نظام. لذا فبقدر ما يتمتع ملف العلاقات الثنائية برؤية واضحة فإن الأزمة الليبية تتطلب جهدا كبيرا من الطرفين لتذليل الصعوبات وهو ما لم تنجح القنوات الديبلوماسية المفتوحة في إنجازه إلى حد الآن.

وتصر تركيا على حقها في التدخل عسكريا في ليبيا ضمن اتفاق بينها وبين حكومة السراج لحمايتها من هجمات قوات خليفة حفتر  بينما تؤكد الجزائر رفضها التام لأي تدخل أجنبي في المنطقة وهو ما أكدته بمناسبة اجتماع دول الجوار الليبي بالجزائر (الجزائر، تونس، مصر، التشاد، السودان، مالي، النيجز) غير أن الجزائر لا تمانع مشاركة تركيا في جهود  التسوية السياسية في ليبيا بشرط أن لا تستثني هذه الجهود أي طرف من الأطراف الليبية بما فيها التابعة للنظام السابق مرورا بممثلين عن حكومة طبرق والمريشال حفتر وهو ما لا يبدو الظرف مناسبا له لاسيما وأن أنقرة يربطها اتفاق واعد من الناحية الاقتصادية مع حكومة السراج وليس لها استعداد للعلب دور الحكم الذي تتمتع به الجزائر بحكم الاحترام الذي تحظى به لدى جميع الأطراف الداخلية والخارجية المرتبطة بالأزمة الليبية.

بقلم: احسن خلاص

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك