رسالة من المجاهدين الجدد

نحارب بصدور عارية

بقلم: احسن خلاص

سيشهد التاريخ يوما أن البشرية، وإن واجهت وباء كورونا المستجد متفرقة، فإنها لم تستسلم وظلت تقاوم إلى آخر نفس لها، وهذه تجربة تاريخية تعيشها الشعوب تمتحن فيها قدراتها الجمعية والتنظيمية على تجنيد مواردها وذكائها لكي لا يذهب موروثها في البناء الحضاري الذي كونته لعدة قرون أدراج الرياح .

في الرسالة التي وجهها الرئيس تبون إلى العاملين في قطاع الصحة، ذكرهم أنهم يواجهون وباء فتاكا خبيثا لا يرى بأم العين إلا في نتائجه وهو سائر لا محالة إلى الزوال بحول الله لكن لا أحد يعلم إلا الله متى يزول وما هو الثمن الذي سيخلفه. ويمكن أن نضيف أن لا أحد يمتلك خطة قصيرة أو طويلة للتصدي له ولا أحد يمكنه أن يقدر عواقبه بالرغم من أن التوقعات بشأن مخلفاته بدأت مبكرا بل إن مؤشرات عديدة واضحة تجعلنا نؤيد ما قاله تبون في رسالته بأن ما يجري اليوم تحت أعيننا ينبئ بنهاية مرحلة حضارية في حياة الإنسان سوف تنبثق عنها بكل تأكيد مرحلة جديدا تشهد وضعا جيوسياسيا يختلف جذريا عما كان عليه العالم قبل ظهور الوباء.

لكن بعيدا عن التحولات الشاملة التي تنتظر من هذه التجربة التاريخية للبشرية، والتي دخلت فيها الجزائر بشيء من الشجاعة والصبر وبكثير من الحذر والخوف على المستقبل وهي ترى أعتى القوى تنهزم وترفع الراية البيضاء أمام ظاهرة نستطيع أن نطلق العنان للتخمين حول بداياتها لكن لا أحد يمكنه توقع نهايتها ولو أن هناك من العلماء والخبراء من لا يرى لها عمرا طويلا، من منطلق أن السنة الطبيعية للفيروسات أنها عابرة وليس لها مقام أبدي ومتتابع.

نقول، بعيدا عن البعد العالمي لهذه التجربة الإنسانية فإن رسالة تبون تحمل اعترافا صارخا بحدود الإمكانات المتاحة جزائريا لمواجهة أعداد هائلة من المصابين تنتظرهم مصحات عمومية وخاصة ضعيفة الجاهزية في الأيام المقبلة ومنه جاءت رسالته تحمل خطابا تعاطفيا وتنويهيا بجهود الواقفين في الصف الأمامي بوسائل غير كافية وهم يخوضون حربا ضروسا بإرادة حديدية لا حدود لها.

وردا على إحدى المقالات التي نتابع بها القضايا المطروحة على هامش تطور انتشار الفيروس عالميا، كتب إلينا أحد القراء رسالة نحاول ترجمتها من الفرنسية بأكبر قدر من الأمانة وقد جاء فيها: “السلام عليكم أخي. الشكر الجزيل لك دائما على كل ما تكتب. لكن لدي ملاحظة فإني قد تمنيت لو تحدثت عن الظروف التي توجد فيها مستشفياتنا. على خط الجبهة أطباؤنا وجميع عمال المستشفيات الذين يفتقرون لجميع الوسائل لمواجهة الوباء. أصدقاء أكدوا لي أنهم سجلوا حالتين بمستشفى مايو لرئيس مصلحة ومساعده. الكمامات تباع في السوق السوداء وأطباؤنا لا يمكنهم التدخل بأيد فارغة لمساعدة المرضى. إنه الارتباك في المستشفيات. ليس عدد الحالات هو الذي يخيف بل الوسائل. ليس لديهم كمامات ولا قفازات. ما الذي تغير اليوم. رجال السياسة سكنهم الذعر فإذا مستهم العدوى لا يمكن لفرنسا أو سويسرا أن تستقبلهم فجميع إمكانياتها مجندة والجيش هنا هو الذي يتدخل بوسائل ضخمة وهذه الوسائل لن يقبل أحد بأن توضع تحت تصرف رجل سياسي إفريقي وإن حدث فإنه لن يمر الأمر مرور الكرام. لهذا السبب لن تجد أي رجل سياسي يخرج للمخاطرة بحياته. سيعلنون عن حجر كامل ليضمنوا حماية أنفسهم. كل كمامة مفقودة اليوم في المستشفيات فهي محولة إلى الفيلات ومواقع امتياز المافيا. كل الثروات المحولة والمنهوبة هي بعدد الكمامات والأجهزة المساعدة على التنفس التي ستحتاجها المستشفيات. نتمنى إن شاء الله أن يخرج منها السكان سالمين بفضل أطبائنا. هؤلاء تلقوا ضربات على رؤوسهم وهم اليوم الأوائل الذين يرسلون على خط الجبهة. إنهم المجاهدون الجدد في زمن الكورونا. حفظهم الله وسترهم.”

نقلنا هذه الرسالة بأمانة لنظهر التباين بين ما تفكر فيه السلطة القائمة وتلك الصورة التي ورثها جل المواطنين داخل وخارج الوطن، عن دولة آخر ما تفكر فيه السهر على العناية الصحية بمواطنيها وهي الصورة التي تجلت لهم في أحسن صورها عندما رؤوا رئيس البلاد ووزراءها وكوادر الدولة العليا يتداوون في المستشفيات الفرنسية والسويسرية. فالتغيرات التي ينبغي أن يحملها وباء كورونا هي في نظرتنا للأولويات ولترتيب السياسات. فإذا لم نخرج من هذه الجائحة بخلاصات جديدة حول ضرورة رفع شأن البحث العلمي وتعزيز الهياكل الصحية ماديا وبشريا وإذا لم نهتم بالإنسان كمورد أساسي للتطور فإننا نكون قد ضيعنا الفرصة التاريخية للخروج منتصرين على هذه الجائحة.

الرسالة التي بعث بها الرئيس تبون إلى “المجاهدين الجدد” على جبهة المستشفيات والمصحات يمكن أن يرسل مثلها إلى جبهات أخرى لا يقل جهدها شأنا عن جبهة عمال الصحة، منها جبهة أعوان الحماية المدنية ومصالح الأمن والدرك وجبهة الحركة الجمعوية القائمة على حملات التضامن وجبهة المجتمع العميق في القرى والمدن وكل الجزائريين الذين استجابوا لنداء الحجر الصحي تاركين طوعا أو كرها مصالحهم الحيوية، مضطرين للابتعاد عن امتداداتهم العائلية وإلى كل الذين لم يهرولوا متلهفين وراء كيس السميد في الوقت الذي يعتبر اقتناؤها نصرا عظيما.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك