رسائل من المستقبل

بعد نهاية الغزو

بقلم: احسن خلاص

نجح انتشار فيروس كورونا في وضع العالم أجمع في موقع الدفاع والترقب. ولا تكاد تتجه الأنظار إلا إلى جديد الإحصاءات التي تقدمها يوميا المنظمة العالمية للصحة حول تطور انتشار الفيروس وضحاياه الذين يعدون اليوم بمئات الآلاف وأضحت هذه المنظمة الهيئة الوحيدة من هيئات منظمة الأمم المتحدة التي تشتغل وترتبط باهتمام البشر من أكابر القوم في العالم إلى أبسط إنسان يقتات من جهده اليومي في أقصى وأعزل بدل إفريقي أو آسيوي أو من أقاصي أمريكا اللاتينية.

لم يعد اليوم من هم للبشر إذن إلا البحث عن أفضل السبل للخروج من السجن العالمي الذي وضعوا فيه فقد تأجلت حركية البشر وتوقف السعي في مناكب الأرض وابتغاء فضل الله وتنفست بذلك الأرض قليلا بعد أن توقفت حركة السير والطيران وتثاقلت عجلة التصنيع عن حركيتها المعهودة في الصين وأمريكا وأوروبا وكأن الأرض أخذت راحة مستحقة بعد أن أنهكها الإنسان الظلوم الجهول الذي اهتدى بعد طول ضلال إلى أنه قد يضطر يوما لإنفاق ما في الأرض جميعا للإبقاء على النوع البشري الذي تتهدده الفيروسات في كل حين.

لا يجري التفكير اليوم في أي شيء آخر إلا في الخروج من هذه الورطة التي لم تنفع معها تكتلات المصالح ولا هيئات الضبط الدولية وهي ترى الاقتصاد العالمي يتكبد الضربات القاصمة، فلا سبيل للتفكير اليوم ولا مجال للتخطيط إلا في الخروج من هذه المحنة بأقل الأضرار فقد أقسم كورونا أن يجعل الجميع يتراوح بين الخاسرين والأخسرين لذا وجدنا دولا تنفق من خزائنها ملايير الدولارات لتعويض الشركات التي ضحت بأرباحها من أجل تطبيق إجراءات الوقاية التي تفرضها المنظمة العالمية للصحة لتجد نفسها في النهاية ترتكب أخف الأضرار.

ستنتهي فترة غزو كورونا كما انتهت فترات غزو الذين من قبله، قد يكون ذلك بعد أسابيع أو بعد أشهر، وحينها ستحصي كل دولة عدد ضحاياها وخسائرها فتدرك بذلك مواطن قوتها وضعفها قبل أن تعي أن معركتها مع كورونا ما هي إلا جهاد أصغر، فالجهاد الأكبر يبدأ من اللحظة التي يبدأ فيها التفكير في تدارك الخسائر وإعادة الاقتصاد إلى توازناته العادية وهي المهمة التي قد تستغرق وقتا طويلا واستعدادا لتحمل آلام أكبر من تلك التي خلفها سقوط مئات الآلاف من ضحايا غزو كورونا.

وإن كان الغازي الجديد قد أصر على أن يوزع أضراره على الجميع ولو بدرجات متفاوتة عدديا إلا أنه سيترك أمر الاستفادة وأخذ العبر منه بعد رحيله لذكاء البشر وقدرة كل دولة على إجراء أحسن الدراسات وأدق التقييمات، ليس للخسائر فحسب لأن هذا أمر يفرض نفسه علينا فرضا، بل للقدرات التي يملكها كل بلد، كامنها ومستغلها. سيعيد ما بعد الغزو الدول الكبرى إلى مخابر التفكير وستستنفر فيها الجامعات ومراكز البحث والدراسات الاستراتيجية وسيعاد النظر في منظومات الدفاع الوطنية بعد أن تدرك هذه الدول أن الخطر على البشر لا يأتي فقط من حروبها ونزاعاتها بل من كائنات مجهرية لا تأتي إلا بغتة وتهاجم دون سابق إنذار ولا تنتظر فشل المساعي الديبلوماسية لتضطر للحرب اضطرارا ولا تعرف شيئا اسمه المفاوضات لإنهاء النزاع.

لقد وضع الغازي الجديد الإنسان أمام حقيقته ككيان مستقل عن منتوجاته التكنولوجية التي أسرته واستلبته فقد اكتشف أنه اخترع لنفسه سجونا بعد أن ظن أنه سخر لنفسه وسائل لتيسير الحياة، فقد عاد إلى طبيعته الأولى وإلى عهد قطاع الطرق ويتأكد ذلك عندما نسمع أن الولايات المتحدة الأمريكية اشترت شحنات من الكمامات الصينية كانت موجهة إلى فرنسا بأضعاف سعرها وأن السويد، وما أدراك ما السويد، قد حولت كمامات كانت موجهة لفرنسا وأن تشيكيا استحوذت على مساعدات كانت موجهة لإيطاليا.

لكن ذكاء البشر سيدفعه في النهاية لأخذ العبرة وإعادة الاعتبار لمحورية الإنسان كفاعل وصانع بعد أن يدرك من استطاع الإفلات من الموت قيمة الحياة التي وقفت الآلة عاجزة عن فدائها وتولت الدبابات والصواريخ والطائرات الحربية يوم الزحف وأعلنت أن لا طاقة لها بكورونا ولا قبل لها به. فهل سيدرك الذكاء الجزائري المشترك التحولات الكبرى التي سيحدثها الغزو بعد نهايته. وهل سيستنهض همته بعد أن يدرك المرحلة التاريخية التي يمر بها، مرحلة لا بقاء فيها إلا للشعوب التي تنظر إلى الإنسان كمصدر للثروة المادية والفكرية والروحية والتي تدرك أنه لا مجال للاعتماد على ما يأتي من سلع وخدمات وتجهيزات من الدول الصناعية وأن لا سبيل إلى الخلاص إلا ببناء منظومات تعليمية وصحية قوية تكوّن الإنسان وتحميه من المخاطر. لقد أظهرت منظومتنا الاقتصادية هشاشة لا نظير لها فبعد أن نخرها الفساد والاعتماد الكلي على الريع والبيروقراطية ها هو كورونا يوقف عجلتها ويهدد بسنة اقتصادية بيضاء ثانية بعد تلك التي عاشتها الجزائر العام الماضي جراء مخاض انتقالها السياسي العسير.

ستخرج الجزائر منتصرة وأقوى مما كانت إذا عرفت كيف تتجه نحو نظام يتجاوز الشرعيات التقليدية نحو شرعيات أساسها العلم والتفكير والإبداع.

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك