رد فعل الإدارة الفرنسية تجاه النشاط الثوري بالجزائر (1947-1954)

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، باحث دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

 

لقد دخلت الجزائر من جديد في عهد استعماري، وقد أفضت تجربة قانون الجزائر الخاص 1947 والتجربة الانتخابية إلى نتائج معاكسة لنوايا الاستعمار، الذي بالغ في سياسة التعسف والاضطهاد والحصار والتنكيل ضد الشعب الجزائري الذي أصبح يرضخ تحت وطأ الفقر والبؤس والشقاء.

ورغم ذلك فإن السياسة الفرنسية ساعدت الأحزاب الجزائرية بطريقة غير مباشرة على سرعة التطور والتوجه نحو عمل سياسي وثوري فعال، كان له الأثر الكبير في زعزعة الوجود الفرنسي ووضع الحكومة الفرنسية في مأزق حاولت الخروج منه بخلق هذا النشاط والقضاء عليه بكل الوسائل والطرق الممكنة.

  1. اكتشاف المنظمة الخاصة:

أنشأت المنظمة الخاصة في 15 فيفري 1947، وكان محمد بلوزداد رئيس هذه المنظمة التي كانت بمثابة الحلقة المفقودة في سلسلة النضال الوطني، فقد كانت أساسية وضرورية للإعداد للثورة واسترجاع السيادة الوطنية، وقد كان غرضها إعداد إطارات لجيش الثورة المسلحة كمنهج وحيد لتحرير الشعب والوطن من براثن المحتل الغاصب.

وأهم العمليات التي قامت بها هذه المنظمة 1948-1950، والتي نجحت في بعضها وفشلت في بعضها الآخر، منها الهجوم على بريد وهران، الهجوم على محافظة الشرطة ببلوزداد.. 

لم يكتب للمنظمة الخاصة أن تعمر طويلا، فقد نشأت بعد المؤتمر الأول للحركة وتم اكتشافها في شهر مارس 1950، وهذا رغم طابعها السري والإجراءات الصارمة التي أتبعت في تكوينها وحمايتها سواء على مستوى القاعدة المجندة أو على مستوى القيادة بحيث أن العلاقة بين المكتب السياسي للحركة وقيادة المنظمة كانت جد محدودة، والاتصال بينهما كان مقتصرا على شخصين على الأكثر وهما حسين لحول ومحمد خيضر، من جهة ورئيس المنظمة الخاصة محمد بلوزداد من جهة ثانية.

وقد اختلفت الروايات حول اكتشاف أمر المنظمة الخاصة من قبل الإدارة الاستعمارية، حيث وردت أكثر من سبع روايات أدت إلى اكتشافها، إلا أن أقرب الروايات في الواقع والتي اتفق حولها أغلب مؤرخي الفترة هي: 

  • أنه يوم 18 مارس 1950 قام كل من ديدوش مراد، مصطفى بن عودة، عبد الباقي بكوش، حسين بن زعيم، إبراهيم عجامي، بعملية تأديبية ضد عبد القادر خياري بتبسة، إلا أن هذا الأخير تمكن من النجاة والهروب وإخبار الشرطة بالعملية وببعض الأسماء، وتسببت هذه العملية في كارثة للمنظمة، لذا أكتشف أمرها من قبل السلطات الفرنسية وتعرفت الشرطة على أعضائها، وهو ما ذهب إليه الكاتب، العمري مومن في كتابه الحركة الثورية في الجزائر، وألقت القبض على أكثر من 300 مناضل وسيقوا إلى السجن وصدرت ضدهم أحكام، فحوالي 200 مناضل سلطت عليهم عقوبة تصل إلى 10 سنوات سجن، والمنع من الإقامة والحرمان من الحقوق المدنية وغرامات بملايين الفرنكات، وتكالبت الشرطة على الموقوفين وعذبتهم لانتزاع الاعترافات، وحاولت تحطيم معنويات كل من وقع في أيديها، واتهمت حركة الانتصار مباشرة وحملتها مسؤولية تكوين المنظمة الخاصة، سواء ما جاء في أول بلاغ للولاية العامة، أو من خلال الجلسات القضائية التي عقدت لمعاقبة المعتقلين، حيث ورد على لسان النيابة التي أكدت بصريح العبارة ما محتواه “ إن المنظمة الخاصة منبثقة من الحزب السياسي المطالب بالاستقلال والمسمى في إطار الشرعية بحركة الانتصار وحزب الشعب في السر”.
  • أما بالنسبة لحركة الانتصار فقد أمرت بتوقيف نشاط المنظمة على الرغم من أن جزء كبيرا من هياكلها وعناصرها لم تكتشف من قبل السلطة الاستعمارية.
  • ولتجديد العقوبات على المتهمين، وحتى تبدو تلك الأحكام القضائية عادلة وعادية لابد من أن تكون التهم الموجهة في مستوى تلك الأحكام القاسية التي صدرت في حق المعتقلين، لذلك نرى بأن الإدارة الاستعمارية غيرت نوعا ما من لهجتها تجاه هذا التنظيم معتبرة إياه خطرا على وحدة التراب والأمن الفرنسيين وجاء ذلك على لسان السلطة القضائية، حيث ورد في إحدى قرارات مجلس الإستئناف حول المنظمة الخاصة ما يلي: ” لقد تم وضع تنظيم سري ذو طبيعة شبه عسكرية ، عمل على تكوين إطارات لجيش ثوري، إلا أن الواقع خفض من أهميتها وخطورتها، ولكن يجب وضعها بعين الاعتبار لما تشكله من خطر على وحدة التراب وعلى ما تحدثه من تهييج للأي العام” .
  • كما عبر جاك شوفالييه بقوله: “…من جديد النار تحت الرماد في الجزائر، وإذ يسعرها بين الحين والآخر عصف غامض يلمع لهب يضيئ ما يحاك في الظل”.
  • ورغم حل المنظمة الخاصة وسجن الكثيرين من مناضليها، وحملة الاعتقالات الواسعة التي قامت بها أجهزة الأمن ضد مناضلي الحركة، إلا أن ذلك عمل على إيجاد وحدة لم تكن منتظرة بين التيارات السياسية الجزائرية، أمام تعنت الإدارة الاستعمارية وهكذا جاء ميلاد تجمع ” الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحريات واحترامها”…. يتبع 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك