رحلة في غمرة الأحداث

في ذكرى الربيع الأمازيغي

بقلم: احسن خلاص

 

قدمنا في الحلقة الماضية بعض الشواهد على أن أحداث أفريل 1980 المعروفة بأحداث الربيع الأمازيغي لم تأت صدفة بكل كانت تتويجا لوضع محتقن ينذر بالانفجار في أي لحظة. وها هي اللحظة قد حلت فقدت صارت ولايات تيزي وزو وبجاية والجزائر العاصمة مسرحا لمظاهرات وإضرابات عامة وقطاعية عن العمل احتجاجا على قرار منع محاضرة الروائي والانتروبولوجي مولود معمري بدار الثقافة بتيزي وزو كما ذكرنا. فقد امتدت الاحتجاجات من 11 مارس ولم تتوقف إلا في نهاية شهر جوان، ولم يكد يمضي يوم دون أن يحرَّك الساكن بالإضرابات التي شلت الجامعات والمراكز الصحية والشركات العمومية والمحلات التجارية، بمظاهرات قادها تلاميذ الثانويات وطلبة الجامعات في تيزي وزو بمدنها وقراها وبالعاصمة وقد تعرضت لقمع عنيف، باتصالات على عدة مستويات بوزارة التعليم العالي والإعلام والثقافة ورئاسة الجمهورية من أجل إيجاد تسوية لوضع صار يتعفن من يوم لآخر مع موجة اعتقالات ضد الناشطين والمتظاهرين وقد بلغ عدد المعتقلين الذين احتفظ بهم طويلا في سجن البرواقية 24 ناشطا أغلبهم منخرطون في العمل السياسي السري منهم سعيد سعدي وجمال زناتي وأرزقي ايت العربي ومصطفى باشا وعلي ابراهيمي وغيرهم كما خلفت الأحداث إصابات بعضها خطير تلقاها المتظاهرون بالعاصمة وتيزي وزو.

وبالرغم من أن الأحداث امتدت على أربعة أشهر من الغليان الشعبي ضمن حركة دؤوبة لم تعرف الهدنة إلا في القليل النادر إلا أن الفاعلين في التيار البربري فضلوا اتخاذ يوم 20 أفريل كمعلم لإحياء ذكرى الأحداث فقد كان يوما بلغت فيه المواجهة مع السلطة ذروتها وأبانت السلطة آنذاك عن موقفها الرافض للمطلب الأمازيغي لم يدع مجالا للشك حول نواياها القمعية التسلطية. فماذا حدث في هذا اليوم؟

يذكر الشهود ضمن عملية التأريخ للأحداث أن قوات خاصة تكون قد دفعت إلى الدخول في عملية قمع شرسة فيما يعرف بعملية ميزرانة حيث قامت تلك القوات التي لم يعرف بدقة ما إذا كانت تابعة للجيش أو للأجهزة الأمنية على الساعة الواحدة ليلا بمحاصرة الحي الجامعي لواد عيسي ومستشفى مدينة تيزي وزو والمصانع في عملية ترويع بالكلاب الضارية فاجأت الطلبة الذين حاول أغلبهم الفرار من غرفهم الجامعية كما أتت عملية اعتقالات على النخب من الأساتذة والأطباء والممرضين. وهو ما ولد رد فعل تلقائي من قبل السكان بإعلان إضراب عام بشكل تلقائي حول تيزي وزو إلى مدينة ميتة ومعزولة عن العالم.

ولم تكن عملية القمع متوقفة على استعمال الأساليب البوليسية الشرسة بل تجسدت في حصار إعلامي رهيب إذ لم يتسن للصحافة العالمية الولوج إلى ميدان الأحداث في ظل غلق تام إذ لا منفذ لمعرفة الحقائق إلا مما تحمله وسائل الإعلام العمومية الوحيدة في الميدان فقد سخرت السلطة التلفزيون العمومي والإذاعة لتشويه المتظاهرين ومن ورائهم منطقة بأكملها كما لعبت الصحف العمومية منها “المجاهد” و”الشعب” و”جزائر الأحداث” و”الثورة الإفرقية” دورا بارزا في تكريس الدعاية الرسمية المغلفة بالإيديولوجية الرسمية للدولة. تهم عديدة سلطت على الناشطين والمتظاهرين وعلى منطقة القبائل برمتها منها العمالة لدوائر أجنبية، حيث عادة ما كان يشار إلى وقوف الدولة الفرنسية، مستعمر الأمس، وراء الأحداث.

وتذهب التهم أحيانا أخرى إلى تعيين أعداء آخرين للجزائر منهم دوائر الإمبريالية العالمية ضمن مسار استعمار جديد يرمي إلى الانتقام من الجزائر بسبب نجاحها كفاعل في حركة عدم الانحياز وجبهة الصمود والتصدي واستماتتها في الدفاع عن الحركات التحررية في العالم. وغالبا ما تذهب هذه الدعاية للاستهلاك الخارجي لاسيما في العالم العربي وإفريقيا ودول أخرى في طريق النمو، إذ لا يعقل في نظر السلطة آنذاك أن تعرف الجزائر حركة تمردية داخلية وهي التي تجوب إفريقيا لحل نزاعات دول أخرى غرقت في الحروب الأهلية. وبالمقابل أطلقت السلطة دعاية محلية دغدغت العاطفة الدينية منها اتهام ناشطين بحرق المصحف الشريف والعلم الوطني وإعلان التيار البربري تيارا مارقا مرتدا على القيم الوطنية والدينية، تيارا تابعا لدوائر أجنبية تحركه من وراء الستار لطمس معالم الشخصية الوطنية العربية الإسلامية.

تحدث كل هذه الحملة الإعلامية دون أن يترك للمتهمين أي مجال للرد والتوضيح وإنارة الرأي العام ولا أي منفذ للإعلام العالمي لمعرفة الأحداث عن قرب ولا لهيئات حقوق الإنسان أن تتدخل في شأن داخلي مغلف بالتعتيم والتضليل الإعلامي.

في حديث له للقناة الثانية الفرنسية في خضم الأحداث نفسها، حاول حسين ايت احمد تقديم قراءة مغايرة للقراءة الدعائية الرسمية فقد نفى أن تكون من وراء الهبة الشعبية نوايا انفصالية واعتبر أن المطلب ذو طابع ثقافي واجتماعي وسياسي يهم جميع الجزائريين وقد عبر عنه بشكل سلمي لكنه تعرض لقمع فاشي يذكر بالممارسات الستالينية مع منع الصحافة العالمية من تغطية الأحداث وتوجيه افتتاحيات الجرائد المحلية نحو الدعاية كما ذكر بأن حزبه كان قد شرع  قبل عامين من اندلاع الأحداث في عملية توعية اجتماعية لتصحيح مفاهيم الاشتراكية والديمقراطية ومحاربة النزعة المركزية البيروقراطية للسلطة وإتاحة الفرصة للشعب ليقرر مصيره محليا ووطنيا. واستنكر اتهام السلطة لمنطقة القبائل بالخضوع لتحكم دوائر أجنبية واعتبر ذلك حالة مرضية تعبر عن تخلف سياسي إذ لا يعقل أن ننفي للشعب البربري حقه في الوجود ونسجل ذلك في الميثاق الوطني وننفي وجود ثقافة عميقة ضاربة في القدم. قد تكون هناك ردود فعل أخرى غير هذا الرد من زعيم حزب سياسي معارض دون أن تصل إلينا إلا أن المؤكد أن أحداث ربيع عام 1980 لم يكن لها من نافذة للتعبير السياسي والإعلامي ولم تجد لنفسها إلا الشارع والساحات العمومية ولم تعثر على وسيلة أخرى إلا التجمعات والمسيرات والإضرابات العامة.

ولأن مسيرة المطلب الأمازيغي حبلى بالتفاصيل ومليئة بالأبعاد والعبر من التاريخ ولأنها تؤرخ لجانب هام من تاريخنا المعاصر فلا يمكن إلا النزول عن رغبة الكثير من القراء الذين طلبوا منا مواصلة مغامرة تفكيك الألغام المزروعة التي لا تزال تنفجر في وجوهنا إلى اليوم وإضاءة جوانب مظلمة لا شك أن العديد من شباب اليوم يجهلها. موعدنا في الحلقة القادمة.

يتبع

  • تصحيح:

نذكر القراء أن تزكية الرئيس الشاذلي بن جديدا رئيسا للبلاد كان في فبراير 1979 وليس في عام 1980 كما ورد خطأ في الحلقة الماضية فمعذرة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك