ذكرى معركة ساقية موسى بمتليلي الشعانبة

بتاريخ 03 سبتمبر 1959

بقلم الحاج نورالدين أحمد بامون /

عضو المجلس الوطني للمنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين 

و الأمين الولائي للأبحاث و الدراسات التاريخية بولاية غرداية سابقا 

 

تمهيد :

معارك لا تنسى خلدها التاريخ لنقلها للأجيال للافتخار بمجد الآباء و الأجداد, ليتناقلها الأحفاد وبتداولها لتدوينها وتوثيقها لأهميتها وقيمتها التاريخية كمادة دسمة لطلبتنا الأعزاء و باحثينا ,مزال حبر الأقلام سيال لجمعها منذ أعوام على مر الأيام.

مقدمة :

نظرا للأهمية مشاركة أبناء الجنوب بصحراء الجزائر العميقة و شساعتها تناول عديد الكتاب والمؤرخين عير مؤلفاتهم ومراجعهم من أحداث معاشة أو شهادات مسجلة وموثقة ,وقائع أحداث مشاركة أبناء الصحراء في حرب الجزائر منذ اشتعال شرارتها الأولى عبر كافة التراب الوطني ، والتي توسعت حتى  صحراء الجزائر مسرحا لأحداثها، والتي شهدت على تفاصيل مجرياتها جبال المنطقة الشامخة من كاف مولاي سي عبد القادر , كاف الدخان وأفران و غيرهم , إضافة إلى الكثبان الرملية بداية وادي الدرين, سبسب , واد غزالا ت ,العرق , كسيكيس , غريس إلخ……

التي تروي للتاريخ ولأجيال المستقبل قصصها ووقائع أحداثها لتحكي لهم عن شجاعة أبناء الجنوب عامة، والشعانبة خاصة ودورهم الفعال في العمل على تمسكهم بوحدة الجزائر، شعبا وبحدودها وطنا.

و لتبين البطولات و المعارك التي أوقعت الإستعمار الفرنسي في فخ أطماعه التوسعية ومحاول توغله أكثر والسيطرة على الأوضاع بالمكان، وهي الأطماع والطموحات الوهمية التي قوبلت بالرفض القاطع و عدم قبولها و التصدي لها من خلال المقاومات الشرسة التي قام بها مجاهدي المنطقة والتي لا تقل شأنا عن تلك الهجمات و المعارك التي قام بها مجاهدو الشمال إبان الثورة التحريرية الجزائرية المجيدة, بينما استثنيت مشاركة الشعانبة وبطولاتهم بكل دقة وشفافية إلا ما رحم ربي, والتي هي ثورة من أعماق التاريخ وأغوار دهاليزه ومعابر أنفاقه, تستحق الدراسة الشاملة والتطرق لها بتعمق لنقلها بكل صدق وأمانة محينة ومنقحة قابلة للإضافة من تصحيح و تنوير و توضيح فسبحان الذي لا ينسى و لايسهى.

مشاركة الشعانبة بالمنطقة عبر مراحل الثورات والانتفاضات:

لقد كانت للشعانبة أدوارا عديدة ومشاركات هامة و أساسية في تنشيط حركات الثورات الشعبية في مهدها منذ انطلاقتها من طرف الأمير عبد القادر رحمه الله ,  انتقالا لثورة الزعاطشة بعاصمة الزيبان و ثورة واحة العامري للشيخ بوزيان بمشاركة كل من الشيخ محمد بلحاج بن سالم و الشيخ علي  بن الريش شيخ زاوية متليلي و الشريف محمد بن عبد الله و البطل الثائر الشريف بوشوشة بن التومي بصحراء الجزائر مرورا بورقلة إلى عين صالح, والبطل الناصر بن شهر بالأغواط وضواحيا، و من أهم المشاركات كانت بداية بأم البطولات المقاومات للأمير مؤسس الدولة الجزائرية وشعلة الثورات ثورة أولاد سيدي الشيخ وقائدها الشيخ بوعمامة وختامها  ثورة التحرير الوطنية الفاتح 01 نوفمبر 1954 , دون أن ننسى مشاركتها في الحركات الوطنية المسطرة ضمن أجندة الأحزاب الفاعلة يومها حزب الشعب و انتصار الحريات والتي قدمت قوائم لا تعد ولا تحصى من شهداء و مفقودين ومجاهدين عذبو و نكل بهم منهم على سبيل المثال , الشهيد رسيوي محمد الشيخ النيمص بوهران الغرب الجزائري – الشهيد معمر بن محمد الرواني بمعركة الشوابير بأفلو بالقعدة جبال لعمور , الشهيد بين يتور الحاج علال الذي ألقي رميا من الطائرة ببشار , الشهيد بن زيطة ميلود بن محمد بتميمون ، الشهيد زيدان موسى و الصافي جلول بن حمو بجبال بوسعادة ولاية المسيلة و الشهيد جديد الساسي بن بن محمد بعين بسام ولاية البويرة و الشهيد الرمز شهيد المقصلة أخر المعدمين سليمان بلمختار ,إلخ.

أهم المشاركات والمعارك الضارية بمنطقة متليلي الشعانبة:

منذ فجر انطلاق ثورة التحرير في أول نوفمبر 1954 كانت للشعانبة مشاركات فعالة في الهياكل التنظيمية التي سبقت هذه المرحلة و بالضبط في صفوف جيش التحرير لمواجهة مختلف الصعوبات الموضوعية بالمنطقة وتحدياتها ومن بينها ما يلي :

مواجهة العدو الفرنسي و التصدي له بكل قوة, التغلب على صعوبات قساوة الطبيعة خاصة ندرة الماء وبعد المسافات و مسالكها الوعرة وأهمها قوة الصبر للتحمل التقلبات الجوية من رياح عاتية و حرارة حارقة عبر الصحاري و فيافيها.

وللتصدي لذلك كان لزاما وضع هيكل تنظيمي للثورة بالمنطقة من طرف القيادة.

لٌلإشارة كانت المنطقة متليلي وضواحيها في البداية تابعة للمنطقة التاريخية الأولى سنتي 1956/1957

المنطقة الثالثة إلى غاية بداية سنة 1958, ومنها تم تشكيل هيكلا تنظيميا جديدا للثورة تكون من الناحية 3 الثالثة , المنطقة 3 الثالثة . الولاية التاريخية 6 السادسة.

وضمت الناحية الثالثة أربعة 04 قسمات تاريخية منها على سبيل المثال القسمة 59 و التي تتضمن بلديات غرداية عاصمة الولاية حاليا – ضاية بن ضحوة – بريان و القرارة.

و القسمة 60: والتي تضم بلديات : متليلي الشعانبة – المنيعة – حاسي لفحل – المنصورة – زلفانة – بني يسجن – العطف وبنورة .

القسمة 60 التي تضم من بيها هياكلها بلدية متليلي التي أسندت مسؤولياتها إلى المساعد المجاهد الراحل الفقيد قرمة بوجمعة بن الخير رحمه الله التي بموجبها خاض قيادة معركة ساقية موسى بمتليلي.

تسمية المعركة و موقعها :

سميت المعركة بإسم ساقية موسى نسبة للمكان وهو ساقية سيل مياه الأمطار لصاحبها موسى طبقا لتقسيم مياه السيل بالمنطقة و شعابها ولنا عودة لاحقا للموضوع في أكثر تفاصيل , وقعت بالمنعرج( الفيراج) الثالث , بعد الهبوط من أعلى القعدة بطريق سبسب.

تاريخ المعركة ونوعها :

وقعت معركة خلال شهر سبتمبر1959 بساقية موسى و التي كانت أول معركة عسكرية نوعية محليا بمتليلي الشعانبة بعد الهيكلة التنظيمية وتأسيس القسمة 60 , و هي نوع من أنواع الكمائن التي تعود مجاهدي جيش التحرير نصبها و التفنن فيها بكل إحترافية, كمين نصبته مجموعة من مجاهدي جيش جبهة التحرير تحديدا بالمنعرج الفيراج الثالث كما سلف.

قيادة المعركة:

أسندت قيادة المعركة للمساعدة قرمة بوجمعة بن الخير و مساعده المجاهد بوعامر محمد بن جلول و بن شعاعة قادة بن محمد, بمشاركة كل من المجاهد الشحم محمد بن سالم حفظه الله والمجاهدين الهاشمي الدارم، محمد الرسيوي، الهاشمي لحرش، الطيب الكوطي، قدور بن ثامر، موسى بوجرادة، عبدالقادر دهان، لطيب محجوب.رحمهم الله .

أسباب المعركة:

تعود أسباب المعركة إلى إكتشاف خبر مغادرة دورية من جيش التحرير الوطني التابعة للقسمة 60 المتكونة من حوالي 20 جنديا المتوجهة إلى مدينة سبسب في مهمة جهادية للقيام بأعمال عسكرية ,حيث مكثت في أحد المراكز الثورية عند المجاهد أحمد مهاية, قبل أن تعود أدراجها ليلا إلى شعبة واد نشو وتمكث هناك.

وفي مساء اليوم الموالي انسحب الجنود نحو متليلي عبر مدخل ساقية موسى للقيام ببعض الأعمال الثورية بعدما خلفوا 08 ثمانية من رفاقهم المجاهدين بشعبة واد نشو.

وعند وصول المجموعة إلى المدخل الجنوبي لمدينة متليلي بأعالي ساقية موسى , أكشف أمرهم من  جنود مركز المراقبة العسكرية المتمركز فوق جبل سيدي مولاي عبد القادر وسط المدينة الكاشف لمداخل ومخارج المدينة وأحيائها بكل دقة ، فقام بإخبار الدورية العسكرية التي كانت متمركزة بأسفل الشعاب والتي بدورها قامت بإرسال جنود لتأكد من صحة الخبر، إلا أن دورية الإستطلاع لفرقة المجاهدين المكونة من بن شعاعة قادة بن محمد و محمد بوعامر قامت بإكتشاف تلك التحركات قبل وصول أفراد الجيش الفرنسي إليهم وقاما بتحدير رفاقهم من أجل الإنسحاب السريع من المكان، قبل أن يقوم محمد بوعامر بإطلاق النار على أحد الجنود الفرنسيين ممن أكتشف وجودهم وبدأ في تعقبهم فأرداه قتيلا على الفور. وبقتل الجندي الفرنسي إندلعت المعركة بكل ما أوتيت من قوة.

حيث إستعملت فيها القوات الفرنسية كل أسلحتها الثقيلة الرشاشة لمصوبة نحو جنود جيش التحرير البواسل ,فقامت بتوجيه نيرانها نحو فرقة المجاهدين. وبحنكته خبرته وفراسته تمكن المجاهد محمد بن جلول بوعامر و بن شعاعة قادة من الإنسحاب إلى مكان أخر.

حيث قاما بإطلاق النار على العدو الفرنسي من أجل تسهيل المهمة ليتمكن رفقاء السلاح من الإنسحاب بكل أريحية، وهو ما تم بالفعل بعد تبادل كثيف لإطلاق النار دام عدة ساعات حتى ساعات من الليل و حلول الظلام و إنتهى في الأخير بإنسحاب المجموعة غربا تحت جناح ظلام الليل بإتجاه الشعاب القريبة من مدينة سبسب, بينما إنسحب كل من المجاهد محمد بن جلول بوعامر وقادة بن شعاعة عبر شعاب أخرى نحو حي شعبة سيد الشيخ, ثم نحو شعاب لعريق بمتليلي وذلك بعدما كبدو قوات العدو الكثير من الخسائر الفادحة.

إنتقام العدو الفرنسي:

حيث وتبعا لنتائج المعركة المشرفة لمجاهدي جيش التحرير و خروجهم سالمين غانمين منها وما نتج عنها, قام جيش العدو الفرنسي بحملة تمشيط وتفتيش واسعة عبر أرجاء مدينة متليلي ليوم كامل والتي شملت جل المنازل أملا في العثور على جنود جيش التحرير أو القبض عليهم, إلا أنها تكبدت خسارة فاد و هزيمة نفسية نكراء غير متوقعة و راحت تجر أذيالها والتي لم تفلح في ذلك وإنتقاما قامت بإعتقال المجاهد المسبل بن عمرة حيدة .وتعذيبه و إعدامه أمام منزله في مشهد مروع أين فاضت روحه لبارئه رحمة الله و على شهدائنا الأبرار.

نتائج المعركة و خسارة العدو الفرنسي:

تمكن مجاهدي جيش التحرير من إلحاق خسائر فادحة في صفوف العدو الفرنسي بمقتل 13 جندي

وجرح العديد من الجرحى.

كانت معركة نوعية بارزة سجلت بأرقام و أحرف من ذهب في السجل الذهبي لجيش التحرير بالمنطقة عامة و للشعانبة خاصة. معركة مشرفة. كانت مفخرة محفزة و مشجعة مكنت جيش التحرير من تفادي خسائر كبيرة و إعادة هيكلة صفوفه من جديد بزرع الثقة ويقين ثابت بمبادئ قضيته العادلة المصرية و خوضه لباقي المعارك بكل طمأنينة لإحترافيته و خبرته التي لا يتسهان بها من شجاعة بسالة رحم الله جميع من توفي و حفظ الأحياء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك