دور الرحلات في إيضاح صورة المجتمعات خلال القرن 19م

جوانب من تاريخ سيرتا

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، طالب دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

 

  • يهود مدينة قسنطينة بعيون الرحالة لويس ريجيس 1879م.

لقد ساهم التنوع الثقافي بين الكتاب في تنوع الدراسات المستفيضة حول الجزائر وكافة مقاطعاتها، خاصة بعد التغيرات والتحولات الهامة التي عرفتها الجزائر خلال القرن 19 م، ونحن من خلال هذه الدراسة سنمعن النظر في رحلات الفرنسيين إلى الشرق الجزائري، وبالضبط نحو مدينة قسنطينة، هذه الأخيرة التي جلبت انتباه الرحالة الفرنسيين نظرا لشهرتها التاريخية والحضارية، التي دفعت بدورها إلى تجاوز دراسة المدينة من حيث التطور العمراني، إلى دراسة المدينة من ناحية اجتماعية تعنى بفئة كانت في وقت ما جزء من المجتمع المدني للمدينة، ونقصد بكلامنا فئة اليهود الذين شكلوا نسبة معتبرة من سكان المدينة فاقت 6000 نسمة خلال القرن 19 م . وكانت قسنطينة بالنسبة لليهود مركز إقامتهم الرئيسي في الشرق الجزائري، ولعل قول بنجامين ستورا Benjamin Stora، المؤرخ الفرنسي – يهودي الديانة – قسنطيني المولد، بأن  ” قسنطينة هي أورشاليم المغرب ” أقرب إلى الحقيقة، بالنظر إلى التنوع الطائفي والثقافي الذي شهدته مدينة قسنطينة، والذي ازداد بعد السيطرة الاستعمارية الفرنسية.

  • إقامة لويس ريجيس بقسنطينة، الحياة الاجتماعية لليهود، وأنشطتهم الاقتصادية:  لويس ريجيس Liuise Régis كاتبة ورحالة فرنسية زارت الجزائر سنة 1879، متنكرة في هيئة رجل، واشتهرت ببحثها حول مدينة بسكرة، والذي نشر في مجلة العالمين “revue des deux Mondes”، لكنها في عملها الثاني حول قسنطينة كشفت شخصية الأنثى، حيث ألفت كتابا بعنوان قسنطينة، سفر وإقامة Constantine voyages et séjours، وقد نشر بباريس سنة 1880م .

قضت ريجيس حوالي ثلاثة أشهر في مدينة قسنطينة، في الفترة الممتدة بين 15 ماي 1879 إلى بدايات شهر سبتمبر حيث سافرت إلى باتنة، ومنها إلى بسكرة لتخرج منها بتاريخ 26 سبتمبر عائدة إلى الجزائر، ومن ثم إلى فرنسا. وأثناء تواجدها في قسنطينة كانت تزور بين الفينة والأخرى ضواحيها والمدن القريبة منها كمدينة ميلة.

قدمت الرحالة لويز ريجيس عملا قيما، ويعد من أشهر الأعمال التي اعتنت بتاريخ مدينة قسنطينة خلال القرن التاسع عشر، فقد أحاطت بمختلف جوانب الحياة اليومية للفرد القسنطيني بمختلف أطيافه، من مأكل ومشرب، ونمط سكني، ومعيشة، وزواج وطلاق، كما اهتمت بتسليط الضوء على النشاطات الحرفية والصناعية في المدينة، والتغيرات العمرانية التي شهدتها بعد الاحتلال الفرنسي. كما لم تغفل تاريخ المدينة في العهد العثماني، فخصصت جانبا من عملها للحديث عن صالح باي.

كان وصف ريجيس وصفا دقيقا لم نجده في أعمال أخرى مشابهة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا ما حاولنا أن نقارن بين رحلتها، ورحلة بول بورد – سابق الذكر- نجد أنها تفوقت عليه في نقاط كثيرة كان أهمها موضوعيتها حين تناقش وضع الأهالي وتفاعلهم مع الأوروبيين، فكانت رحالة مغامرة وفضولية، ولم تكن على غرار بورد مراسلة حاملة لأجندة موالية للسلطة الفرنسية، وربما هذا ما أزعج أحد المعجبين بعملها، والذي حرر مقدمة كتابها وهو ميزيار A.Mézières باحث في الأكاديمية الفرنسية، حين اعترف أنه بالرغم من إعجابه بالوصف الدقيق لمدينة قسنطينة، وتفوق ريجيس التي خدمتها أنوثتها في التقرب من النساء العربيات، ومعرفة مالا يعرفه الآخرون، أنه يعارضها فيما يتعلق بموقفها الحاد تجاه الكولون.

 

المجتمع القسنطيني وعاداته

 

احترمت لويز ريجيس المجتمع القسنطيني وعاداته، وتمكنت كونها امرأة من أن تخترق المجتمع النسوي، فقدمت صورة جميلة للمرأة القسنطينية المسلمة، وأعجبت بارتدائها الحايك الذي اعتبره بول بورد أقبح لباس على الاطلاق، وقد كتبت حول هذا الشأن: ” تلبس النسوة القسنطينيات الحايك، وترتبن طياته بطريقة فنية، والحايك قطعة قماش طوله خمسة أمتار وعرضه متر ونصف، يكون أكثر أو أقل نعومة حسب إمكانيات من ترتديه. واللون الأبيض منه لنساء الطبقة الرفيعة، والأزرق لعامة النساء…“.

لكن ما يهمنا في رحلة لويز ريجيس هو معالجتها للتواجد اليهودي بقسنطينة، ويلفت انتباهنا أنها لم تقدم إحصاءات لأعداداهم في المدينة رغم المعطيات الكثيرة التي قدمتها، لكن المتتبع لرحلتها يوقن أنها لا تميل إلى لغة الأرقام بقدر ما تميل إلى الرواية والسرد.

إن أهم ما جذب انتباه لويز ريجيس هو الحركة الدؤوبة لليهود في قسنطينة فيما يتعلق بالمجال الجغرافي والصناعي والتجاري،وكان من بين أهم مراكز نشاطهم ساحة القوافل التي صارت تعرف بساحة قصر العدالة بعد الاحتلال الفرنسي، وهي عبارة عن مساحة مربعة يقام فيها مزاد علني تباع فيه السلع والملابس المستعملة. يقصدها العرب والفرنسيون بغية الاستفادة من بعض الصفقات المربحة، أو لرؤية الحشود المتنافرة.

تقول ريجيس إن هذه الحشود “تتألف بالخصوص من اليهود الذين يتجمهرون، وينادون بعضهم البعض مع الكثير من الضوضاء، هذا ويخصص جزء من الساحة لورشات صغيرة للصناعة (بائعو المجوهرات) ولا تتعدى مساحتها تسعة أقدام مربعة” 30. ثم تواصل ريجيس وصف هؤلاء الباعة اليهود ” هؤلاء الإسرائيليون بملابسهم لا تختلف عن تلك التي يلبسها العرب ما عدا غياب البرنوس، يصنعون بمطارقهم الصغيرة والخفيفة قلادات جميلة من الذهب والفضة، يقتنيها الأهالي كهدايا للخطوبة والزواج”.

الأنشطة الحرفية

توزعت الأنشطة الحرفية لليهود في شوارع مختلفة من المدينة، والتي خصص كل واحد منها لحرفة معينة، فكان هناك شارع مخصص للخياطين اليهود المنشغلين بخياطة وتطريز السترات من الحرير أو الصوف، والتي قالت عنها ريجيس إنها كانت مختلفة الألوان. بالإضافة إلى حرف أخرى متنوعة امتهنتها اليهود، قام بتحديدها الباحث توبياك Taupiac في كتابه حول “اليهود الأهالي”، حيث أقر أن يهود قسنطينة قد نشطوا على غرار يهود الجزائر في مجال الفلاحة، وامتلكوا أراضي معتبرة، وقدم قائمة بأسماء اليهود ملاك الأراضي في قسنطينة 33، واستعرض توبياك قائمة لمهن أخرى لليهود في مدينة قسنطينة، ضمت 34: التجارة والخياطة والتزيين والزركشة والتطريز وصناعة الأحذية والدهانة وصناعة المجوهرات (الصياغة) وتلوين الزجاج والقصابة وصناعة النحاس والسمكرة وحياكة الجوارب وتجليد الكتب، فكانت بذلك الشوارع القسنطينية مزدخمة بالصناع والحرفيين، وكان من أبرزهم يومها أهل ميزاب الذين اعتبروا المنافسين الأوائل لليهود، لكنهم لم يتفوقوا عليهم، وهذا ما أشارت إليه ريجيس ” إذا كان الميزابيون أهل كلام وإقناع، يعترف به الجميع في مجال التجارة، غير أنهم لا يعدون شيئا بعد اليهود في هذا المجال”.

إن المنافسة التي برزت بين اليهود وبني ميزاب لها أسبابها، وكان من أبرزها أن كلا الطرفين قد امتهن البيع بالتجوال، وذلك بالتنقل بين المدن والأرياف، كما أن أهل ميزاب بقسنطينة نشطوا في مجالات كانت حكرا على اليهود، ونقصد بها البقالة وبيع الأقمشة.

 

النشاط الاقتصادي

 

انتبهت لويز ريجيس إلى النشاط الاقتصادي المتنامي ليهود مدينة قسنطينة، وتحدثت عن أول محل تجاري للبيع كان ملكا ليهودي يدعى ماردوشي Mardoché، كان هذا المحل يتواجد بشارع فرنسا. ويحوي هذا المحل مختلف الأقمشة الشرقية من الستان المقصب بالذهب، والشاش الأبيض المنسوج، والأوشحة الحريرية الزرقاء، والقطيفة المختلطة بآلاف الألوان، ويتم جلب هذه الأقمشة من فرنسا، غير أن الأصلية منها يتم جلبها من دمشق والهند. وهذا ما يدل على توسع النشاط التجاري اليهودي وغناه أواخر القرن التاسع عشر، وبداية ظهور يهود أصحاب رؤوس أموال اعتبرتهم ريجيس عنصرا فعالا في مجال التجارة، وفي الوقت ذاته كان محطما للعنصر العربي.

وتقصد ريجيس بكلامها القروض الربوية التي عانى منها كافة الجزائريين، واستفاد منها اليهود خاصة بعد صدور التشريعات العقارية المتعلقة بمصادرة الأراضي كالسيناتوس كونسيلت 1863، وقانون فارني ((Warnier 1873، وتبرز ريجيس صورة اليهود الماكرين لا المستضعفين على عكس ما لمح له العديد من الرحالة والكتاب الفرنسيين أصحاب الفكر الاستعماري فكتبت “لطالما كان اليهود ملعونين لدى المسلمين وذلك منذ قرون، ومرسوم الادماج الذي سنه أحد زملائهم (كريميو) زاد من حالة الاغتراب التي يشعرون بها …لكن في الوقت الذي تعرض فيه اليهود للاضطهاد في عدد من البلدان المسيحية كإيطاليا واسبانيا والبرتغال وحتى فرنسا، كانت الشعوب الإسلامية هي الوحيدة التي وجدوا فيها ملاذا آمنا، وكان المسلمون أكثر تسامحا وعدلا معهم، وفي مقابل اللجوء لم يطلب منهم سوى مهاراتهم التجارية. واليهود من جانبهم لم يتطاولوا على القانون في آلاف العمليات التي قاموا بها لإغناء الثروة العبرية… أجبرت عمليات مسح الأراضي العرب الذين تراجعت ثروتهم على الاقتراض من اليهود الذين استغلوا الفرصة، فقد حصلت الديون ثروات قيمة، لذلك رفض اليهود تجديد الرهن، وحازوا على الأراضي والمنازل من المقترضين المساكين“.

 

قويت بذلك شوكة اليهود في المدينة، وصاروا ملاكا لأكثر المنازل جمالا في قسنطينة، بعد ما كانوا يقطنون في حومة اليهود 41 التي ظلت للفقراء منهم والذين لم يحصلوا ثروة. (الشارع بلغة أهل قسنطينة). 

وفيما يتعلق بعادات وتقاليد الأسر اليهودية في مدينة قسنطينة، لم تهتم لويز ريجيس بالكشف عنها ووصفها، فلم تهتم بعاداتهم وطقوسهم الدينية، حيث لم تتحدث عن معابدهم (كنيستهم Synagogue)، ولا عن رجال دينهم من الحاخامات أو الربي le Rabbin، وهذا يثير تساؤلات عدة، خاصة وأنها اهتمت في رحلتها بالحديث عن المنشآت العمرانية والدينية في قسنطينة، حيث أشارت إلى جوامع قسنطينة والكاتدرائية الفرنسية .

لكن سرعان ما يزول الغموض، فتبعا لما كتب حول قسنطينة طيلة القرن 19 م لم تجد إشارة أو إيضاح لوجود كنيس رسمي لليهود، ويتجلى هذا في كتابات اليهود أنفسهم، حيث لم يؤكد الحاخام الكبير (الرئيس) لمقاطعة قسنطينة ونواحيها الربي كوهين AB.Cahen سنة 1867 وجود معبد لليهود حيث كتب ” أقام اليهود فيما مضى في شارع باب الجابية، ويقال إنه أقيم فيه معبد، لكن لا توجد أدلة تؤكد هذه الرواية، وفي عهد صالح باي منح اليهود أرضا واسعة ليقيموا عليها، توجد بين سوق العصر وباب القنطرة …” 42. دون أن يشير إلى وجود معبد يهودي رسمي في قسنطينة .

الأكيد أن يهود قسنطينة قد أسسوا معبدا لهم مطلع القرن 20 م قرابة شارعهم، هذا المعبد صار في الوقت الحالي المركز الثقافي الإسلامي أسفل ثانوية رضا حوحو، وقد أشير إلى المعبد في كتاب حول قسنطينة وبسكرة سنة 1923 لمؤلف مجهول جاء فيه ” يتواجد الكنيس بالقرب من ساحة لاقاليت la Gallette 43 في شارع la rue Thiers، ليس بعيدا من الشارع القديم في سيدي جليس”.

كما اهتمت لويز ريجيس بوصف المرأة اليهودية ولباسها، لكنها فاجأتنا حينما دحضت نظرة بول بورد، وأنكرت أن تكون النسوة اليهوديات جميلات كالعربيات، حيث قالت “…بعد زواجهن يغطين رؤوسهن بمنديل من الحرير الأسود على شكل قبعة على الجبين، يربط من الخلف، كما يوضع قماش آخر من الدنتيل، حيث يطوى ويمرر حول الذقن، ويرب فوق الرأس، تلبس النسوة على الدوام فستانا من الحرير، وسترة صغيرة مطرزة من الذهب، مفتوحة من الذراعين، ويضعن على أكتافهن شال مطوي بلون الرمان الأبيض، أما اليهوديات الفقراء فيلبسن لباس النساء العربيات من الطبقات الفقيرة”.

كما تحدثت لويز ريجيس عن يوم السبت (شباط بالعربية)، يوم راحة وعطلة اليهود، الذين يغلقون فيه محلاتهم، ويفتحون أبواب منازلهم ويجلسون عند عتباتها، وتلبس النسوة أزهى حلة مختلفة الألوان، ومزينة بأبهى الحلى الذهبية، ويفترش الرجال الزرابي للجلوس على الأرض، ويجلبون أدوات موسيقية كالقيتار والكمان، ويمتعون أسماعهم”.

 

يوم السبت

 

إن خروج اليهود يوم السبت إلى الأزقة والشوارع، ووقوف نسائهم أمام أبواب منازلهن، كان أبرز ما رواه الرحالة الأوروبيون، وأيضا المصورون الذين تركوا لنا صورا رائعة عن المدن الجزائرية وسكانها في القرن 19م.

كانت رحلة لويز ريجيس إلى قسنطينة رحلة مستطلعة متأثرة بالجو الشرقي الذي ألهم العديد من الكتاب الغربيين المستشرقين الذين كشفوا لنا لمحات من تاريخ العرب شرقا وغربا، لكنها تبقى كتابات حبيسة أقلام أصحابها، فالعمل المقدم من طرف لويز ريجيس لم يكن له صدى في الأوساط الفرنسية لكونه مجرد مغامرة لامرأة داخل أراضيهم فيما وراء البحار، واتضح هذا في آخر سطور رحلتها، والتي قالت فيها ” نتمنى لمستعمرتنا الجميلة مستقبلا سليما يسود فيه الانسجام والاندماج بين أعراقها. هذه الأرض القريبة من فرنسا…لا ينبغي أن تكون بالنسبة لأبنائها بالتبني مركزا للاضطرابات السياسية …”.

رحلات الفرنسيين والأوروبيين

وفي الأخير تبقى رحلات الفرنسيين والأوروبيين ترجمة لأحاسيسهم وميولهم، فلم تكن أحكامهم صحيحة على الدوام، خاصة الرحالة المتعصبون لثقافتهم العربية وللفكر الاستعماري، وحتى المغامرون والفضوليون منهم لم يختلفوا عنهم كثيرا لأنهم ببساطة نظروا بنظرة فوقية تجاه كل ما هو جزائري، وكانت أحكامهم تعتمد على المقارنة بين المجتمع الغربي والمجتمع الإسلامي، وهذا هو الخطأ الذي اقترفوه، كان عليهم أن يوصلوا صورة ما يرونه، وليس محاولة تغييرها كاملة .

ومع ذلك نحن لا ننكر دور هذه الرحلات في إيضاح صورة المجتمعات، لكنها تبقى دراسات حبيسة أحكام أصحابها، ولذلك فرغم توفر دراسات كثيرة في مجال الرحلة في الجزائر، لكنها تعد جزء من المصادر التاريخية وليست قاعدتها . 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك