دور الخدمة النفسية في مجال رعاية الأيتام

بقلم الأستاذة: كنزة دومي أخصائية نفسانية باتنة

 


كثيراً ما يصادف أن يموت الآباء أو الأمهات في أيام الحروب أو في الحالات الاعتيادية ، ويخلفون أطفالاً صغاراً يجب أن يحافظ عليهم في المجتمع وليصيروا رجال الغد بفضل التربية الصحيحة  فإن الدول وضعت للأيتام نظماً معينة تكفل لهم حقوقهم ، كما كفلها الإسلام أيضاً من خلال التعاليم القانونية والخلقية الخاصة به في حل هذه المشكلة . فاليتيم إنسان قبل كل شيء ، ويجب أن تحيى فيه جميع الجوانب المعنوية والفردية ، وله الحق في الاستفادة من الحنان والعطف والأدب والتوجيه ، وكل ما يستفيد منه الطفل في حجر أبويه ، فمن جهتها الأدبيات الكثيرة تصر على معاملة اليتيم معاملة بقية الأطفال في الأسرة ، وأن يقوم الرجال والنساء مقام الوالدين في رعاية اليتيم .
   ( فأما اليتيم فلا تقهر) والتزاماً بهذه الآية القرآنية الكريمة تأسست ” دور الأيتام الإسلامية” لترعى اليتيم في جميع مراحل حياته، تعلمه، تؤمن له الإقامة، تكسوه، تعنى بصحته، تدربه مهنياً، تفتح أمامه آفاقاً واسعةً لتجعل منه طفلاً مليئاً بالصحة والحيوية والأمل والسعادة، لكنها لا تغني عن حرارة الأسرة التي تفتح جميع المشاعر والعواطف الراقية الكامنة في نفس الطفل بنفسها ، وبذلك يتطبع الطفل منذ حداثته على الصدق ، والأمانة ، والشهامة . حيث تعتبر الأسرة هي الميدان العملي لتطبيق تعاليم الشعور بالمسؤولية و الوجدان ، وإظهار ذلك كله بصورة بارزة ظاهرة أمام عيني الطفل ، أن الأسرة التي ينتشر فيها الوفاء والتضحية ، الصدق والشهامة في الأقوال والأفعال ، الأمانة والشجاعة في العمل ، الإيثار والتواضع  ترسم نموذجاً صالحاً للأطفال ، إن جميع هذه العوامل تتجلى لعيني الطفل بالتدريج خلال حياته .
من جهتها تناولت العلوم التربوية والاجتماعية دراسة جماعة الأيتام بوصفهم من الفئات الخاصة فى المجتمع مما يحتاجونه من اهتمام تربوى ، ونفسى ، واجتماعي يساعدهم على الاندماج فى المجتمع ، وتجاوز ظروف اليتم وفقد الأسرة الحاضنة لأنطلاقه ونشاطه الاجتماعي ، ففقدان الأب أو الأم ، أو فقدان الأبوين يؤدى إلى ضغوط نفسية قوية على الفرد قد تمنعه من الاستمرار فى ممارسة شؤون حياته بشكل متوازن إذا لم يجد الطفل اليد التى تمسك به وتساعده على تجاوز هذه المحنة والوصول به إلى بر السلوك السليم والعمل المنتج ، وفي النقيض من ذلك عندما يوضع هؤلاء الأطفال الأيتام في مكان ويتم عزلهم عن المجتمع ، فالذي يحدث هو أنهم يشعرون أنهم مختلفون عن بقية المجتمع ، وهذا قد يولد لديهم شعور بالكراهية ، والحقد على ذلك المجتمع ويشعرون أنهم غير منتمون له ، وهو ما يؤدي بهم إلى أن يصبحوا غير متوافقين نفسياً.
وعلى صعيد آخر أورد محمود شريف (2003 ) الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل ، والذى بدأ العمل به في 29 نوفمبر1999 فى المادة “31 مسئولية الطفل ” والتى تنص على أن الطفل مسؤول عن خدمة مجتمعه المحلي بوضع قدراته البدنية والفكرية في خدمته ، لحفظ وتقوية التضامن الاجتماعي والقومي ، و حفظ وتقوية القيم الثقافية الأفريقية في علاقاته مع أفراد المجتمع الآخرين – بروح التسامح والحوار والتشاور – والمساهمة في السعادة الأخلاقية للمجتمع .
ونجد أن القرآن الكريم قدم اليتيم للمجتمع في صورة إنسانية رائعة ، فلم يقدم هؤلاء الأيتام على أنهم ضحايا القدر أو بقايا المجتمع ، كما هو متعارف عليه في بعض المجتمعات ، بل نجد القرآن الكريم أوصى المجتمع بالاختلاط بهم وعدم نبذهم لكي لا يشعروا بالنقص والحرمان مما يشعر به من يوضعون في مؤسسات لا تتعامل معهم معاملة تتسم بالتراحم والتعاطف الذي توفره لهم الأسرة البديلة ،{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }البقرة220 وقوله تعالى{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب5.
وفي رعاية اليتيم معالجة المشاكل التي تواجهه والتي تسبب له الألم والقلق والاضطراب ، من الاهتمام والعناية به أيضاَ القيام بتربيته تربية صالحة وإعداده لأن يكون عنصراً صالحاً في المجتمع ؛ فاليتيم الذي يحصل على العناية والرعاية والحب والحنان يشعر بالراحة والطمأنينة ويعيش سوّياً في عواطفه وفي شخصيته ، فمن أهم  احتياجات الطفل اليتيم الإشباع العاطفي والإحساس بالأمن ، ووجود بديل عن الوالدين أو أحدهما يقوم بالتوجيه والتهذيب ، وتقبُّل فكره المربي البديل ، كما يحتاج إلى التوافق الاجتماعي مع البيئة الجديدة ، وقد أورد” حامد زهران ” هذه الحاجات النفسية وهى على النحو التالى :
1- الحاجة إلى الحب والمحبة : وهى من أهم الحاجات الانفعالية التي يسعى الطفل إلى إشباعها ، والحب المتبادل المعتدل بينه وبين والديه وأخوته وأقرانه حاجة لازمة لصحته النفسية ، أما الطفل الذي لا يشبع هذه الحاجة فإنه يعاني من الجوع العاطفي ، ويشعر أنه غير مرغوب فيه ويصبح سيء التوافق مضطرباً نفسياً.
2- الحاجة إلى الرعاية الوالدية والتوجيه : إن الرعاية الوالدية خاصة من جانب الأم للطفل هي التي تكفل تحقيق مطالب النمو تحقيقاً سليماً ، فغياب الأب أو الأم بسبب الموت يؤثر تأثيراً سيئاً في نموه النفسي .
3- الحاجة إلى إرضاء الكبار
4- الحاجة إلى إرضاء الأقران
5- الحاجة إلى التقدير الاجتماعي
6- الحاجة إلى الحرية والاستقلال
7- الحاجة إلى تعلم المعايير السلوكية
8- الحاجة إلى تقبل السلطة
9- الحاجة إلى التحصيل والنجاح
10- الحاجة إلى مكانة واحترام الذات
11- الحاجة إلى الأمن
12- الحاجة إلى اللعب
ومن الطبيعي أن كل هذه الحاجات النفسية يحتاج لها الطفل اليتيم لأنه لا يختلف عن الطفل الذي ينشأ بين أبويه في هذه الحاجات النفسية .ومن جهة أخرى نجد أن الطفل اليتيم يشعر بالضعف وفقدان عناصر القوة ، عندما يفقد المصدر الحقيقي للحنان ، فالطفل اليتيم يمكن أن يكون إضافة عظيمة للمجتمع لو تم توفير الظروف المواتية له لكي ينمو بشكل طبيعي وصحي ؛ وعلينا أن نتذكر أن علماء كباراَ وزعماءَ عالميين ومفكرين عظماء كانوا يتامى إلا أنهم نشأوا في بيئات ومجتمعات رعتهم واحتضنتهم  الأمر الذي ساعد على أن يقدموا أفضل ما لديهم لهذه المجتمعات .
الأيتام هم جزء من مجتمعنا لا ذنب لهم في وضعهم هذا وعلى المجتمع أن يمد لهم يد العون للانصهار فيه بشكل طبيعي حتى لا يشعر بالنقص أو الحاجة أو ينشأ تنشئة غير سليمة تؤدي إلى خلل جزء من المجتمع ، والجمعيات الخيرية مؤسسات هامة وتبذل جهدا جبارا لتحقيق هذا التوازن في حياة الطفل اليتيم لكنها لا تغني عن تفاعل المجتمع مع اليتيم وتقبله له بشكل طبيعي وسليم .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك