دواعي هندرة النظام السياسي في الجزائر

أ.د. نورالدين حاروش

جامعة الجزائر3

 

     الحراك الشعبي في الجزائر يسير نحو الغرب وبقايا السلطة تسير نحو الشرق ولو أن الحضارة جاءت من الشرق؟ وبما أن الفصيلين انطلاقا من نقطة واحدة إلا أن التقاءهما يبدو بعيدا إن لم نقل مستحيلا ما لم يتم التنازل وتصحيح مسار الاتجاه بالنسبة لبقايا السلطة، لأن الواقع يفرض ذلك ولا أظن أن الحراك الشعبي هو من يغير مساره واتجاهه.


     لقد استمع واستمتع الشعب الجزائري بمختلف الشعارات التي كانت ترفع و تنادي بها الجماهير في كل خرجة أسبوعية، ولعل ما شد انتباهي هو شعار التغيير الجذري، ومنه أردت أن أدعم هذا الشعار  بنظرية علمية أكاديمية تم تطبيقها في مجال الإدارة العامة و وإدارة الأعمال وقد أتت أكلها، فلما لا نطبقها في المجال السياسي؟ علما أن الإدارة هي التي تنفد السياسات العامة للدولة ولا يمكن الحديث عن السياسة بدون إدارة  ولا الإدارة بدون سياسة بل هما وجهان لعملة واحدة؟

   هذه النظرية هي الهندرة أو الهندسة الإدارية التي تعرف بأنها تفكيك للجهاز الإداري  للمؤسسة أو الهيئة أو الشركة من الأساس وإعادة هندسة نظم إدارته وعملياته ثم بنائها كليا بشكل جديد يواكب متطلبـات العصر مع الاستغلال الأمثل للثورة التكنولوجية والمعلوماتية . وهو ما يمكن القيام به حاليا في الجزائر بالنسبة للنظام السياسي برمته؟

    الهندرة في حد ذاتها يعتريها العديد من الاختلافات، فهناك من يسميها الهندرة وآخر يسميها الهندسة الإدارية وثالث إعادة الهندسة ورابع إعادة التصميم وغيرها، ولكن، ومهما اختلفت هذه التسميات إلا أنها تتقاطع ضمنيا وتكاد تكون متشابهة إلى حد التطابق.

    الهندرة أو إعادة الهندسة هو ذلك الأسلوب الإداري الجديد والحديث الذي يعنى بالعمليات والأعمال التي يؤديها العاملون في المنظمات، وهو إعادة التفكير المبدئي والأساسي وإعادة تصميم للعمليات الإدارية بصفة جذرية بهدف تحقيق تحسينات جوهرية فائقة وليست هامشية تدريجية في معايير الأداء الحاسمة والتي تشمل الكلفة والجودة والخدمة والسرعة، كما تعرف كذلك بأنها البداية من الصفر وليس إصلاح الوضع الراهن والتخلص من مبادئ التنظيم التقليدية ومن أفراد ووسائل وإجراءات التشغيل التي يستخدمها حاليا وخلق مجموعة جديدة من الأفراد والوسائل والإجراءات. وهذا ما ندعو إليه من خلال هذه المقاربة وهو محل مطالب الحراك الشعبي.

 ولكن ما هي دواعي الهندرة؟ وبعبارة أخرى هل كل المنظمات تحتاج إلى الهندرة أو كل الأنظمة السياسية تحتاج إلى الهندرة؟ 

هناك ثلاثة أنواع من المنظمات أو الأنظمة تحتاج إلى الهندرة وهي: 

المنظمة  الأولى وهي التي أصيبت بالتحلل والتعفن الإداري ، والمنظمة الثانية التي لم تتدهور بعد ولكن هناك علامات خطر قد تؤدي إلى فشلها ، والمنظمة الثالثة هي الطموحة التي تسعى إلى مزيد من التفوق والامتياز. 

     فأما المنظمات التي أصيبت بالتحلل والتعفن الإداري وأنهكتها الأمراض المكتبية والبيروقراطية السلبية فهي تلك المنظمات التي تعاني من  انخفاض الإنتاجية (الكم والنوعية)، وتدنى مستوى الأداء، تقادم أساليب العمل، وانخفاض الأرباح والعوائد وانخفاض المبيعات وتحول العملاء إلى وجهة أخرى، ضعف الموارد والإمكانيات ارتفاع مؤشر الغياب والتأخير لدى العاملين والتقهقر في مواجهة المنافسين… 

هذا التشخيص كفيل بضرورة اتجاه المنظمة بسرعة إلى إعادة هندسة عملياتها وبصورة جذرية، والأمر يتطلب العلاج وبسرعة ، هندرة علاجية.

  أما المنظمات التي لم تتدهور بعد ولكن هناك علامات خطر قد تؤدي إلى فشلها أو من المحتمل أن تواجه تحول العملاء وظهور منافسين جدد وارتفاع التكاليف وعدم ملاءمة التنظيم الحالي وتقادم بعض العمليات وثبات الربحية وعدم زيادتها وبوادر انخفاض في كفاءة العاملين واتجاه الإنتاجية نحو التدني، هذا التشخيص يساعد على العلاج الوقائي قبل أن تصاب المنظمة بالتعفن، وبالتالي فهناك ضرورة للهندرة. هندرة وقائية.

   أما المنظمات الطموحة التي تسعى إلى المزيد من التفوق والامتياز والاستحواذ على الأسواق، فهي تسعى إلى المزيد من الأرباح وكسب رضا المجتمع وزيادة رقعة السوق والتغلب على المنافسين وكسب السمعة الطيبة لدى العملاء وهي في اتجاه مستمر نحو التطوير، وبالرغم من ذلك تقوم بعملية الهندرة لتقوية  وتدعيم مركزها، هندرة تدعيمية.

     فإذا طبقنا هذا التشخيص على الدول وأنظمتها السياسية نجد النمط الأول الأنظمة المتعفنة الفاسدة مثل النظام السياسي الجزائري،  وعليه فالحل يكمن في الهندرة العلاجية، أما النمط الثاني فيمكن أن نجده في بعض الدول التي تراقب نفسها خشية التدهور والانحلال فتقوم بالهندرة كوقاية، أما النمط الثالث فيتمثل في الدول والأنظمة القوية والصالحة وبالرغم من هذا تقوم ببعض التغييرات والهندرة بالنسبة لها تقوية وتدعيم لمركزها ونفوذها،… هل عرفتم الآن لماذا ينادي الشعب بالتغيير الجذري، عفوا بالهندرة؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك