من صحة الرئيس إلى صحة المؤسسات

دعوة إلى تصحيح عملية الاتصال

بقلم: احسن خلاص

بعد يومين يكون قد مر على نقل الرئيس تبون إلى المشفى الألماني شهر كامل وقد حلت به الوعكة الصحية في ظل ظروف حرجة مرت بها الجزائر عشية المولد النبوي الشريف حيث كان منتظرا أن يتولى تدشين جامع الجزائر  ويحضر أول صلاة جماعية فيه وقبيل الاحتفال بالذكرى السادسة والستين لاندلاع الثورة التحريرية الذي اختير أيضا يوما للاستفتاء على التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس. كان الجميع يأمل بالرغم من الحيرة والقلق الذي انتاب القائمين على مؤسسات الدولة حول طبيعة ردود الأفعال الممكنة والمناسبة تجاه الوضع الذي لا يمكّن من التحكم في وتيرة التغيرات التي يمكن أن تطرأ على المشهد السياسي والمؤسساتي في إذا طال غياب الرئيس وإذا طال العائق أمام الاضطلاع بمهامه الدستورية الهامة والخطيرة.

يدرك الجزائريون بوعي ثاقب أن المرض صار مع الزمن سنة من اختير لتولي منصب الرجل الأول في الدولة الجزائرية إذ لم يمر عهد رئاسي على الجزائر دون أي يشهد رئيس الدولة وعكة صحية فقد اضطرت السلطات العليا للبلاد لنقل الرئيس بومدين إلى موسكو للعلاج بعد ما تعذر الوصول إلى طبيعة المرض الذي أصابه وبعد أشهر من مصارعة ذلك الداء اللعين انتهى به الأمر إلى انتصار هذا الأخير ووفاة الرئيس كما أعلنت رئاسة الجمهورية عن خبر الوعكة الصحية التي أصابت الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد واضطرت السلطات العليا لنقله إلى بلجيكا أين تلقى علاجا سريعا وعاد إلى مهامه في آجال لم تتح الفرصة لإثارة التساؤلات وترويج الإشاعات عكس ما كان عليه الأمر عند مرض الرئيس بومدين الذي طال وفتح المجال لحرب ضروس بين الإشاعة والبيانات الرسمية التي كانت تصدر من حين لآخر من رئاسة الجمهورية لتخبرنا عن رسائل المواساة التي تتلقاها الجزائر من رؤساء الدول الشقيقة والصديقة والتي كانت تتمنى في كل مرة الشفاء العاجل للرئيس والعودة إلى مهامه خدمة للجزائر والدفاع عن القضايا العادلة في العالم.

غير أن الحالة الصحية للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ظلت في قلب اهتمامات الدولة الجزائرية ومحل متابعة من قبل شركاء الجزائر فقد كان لوضعه الصحي الذي أقعده لما يقرب من سبع سنوات تأثير بالغ على موقع البلد على الساحة الدولية بعدما كان قبل سنوات فقط قد اتخذ منحى تصاعديا تجاه إخراج البلد من العزلة الدولية التي وضعته فيها سنوات العشرية السوداء. 

وليست تجربة الجزائر مع مرض الرئيس بوتفليقة بعيدة في الزمن وقد بدأنا نلمس تأثيرها اليوم مع الصعوبات التي تلاقيها الديبلوماسية الجزائرية للعودة بالبلد إلى أداء دوره الإقليمي والدولي في إحداث التوازنات المطلوبة أمام مدى التأثير الذي أحدثه الفراغ الرهيب الذي تسبب فيه غياب الرئيس بوتفليقة وهو الذي ظل مصرا على الإمساك بجميع مقاليد السياسة الخارجية وفق ما يمليه الدستور دون أن يفوض أمرها إلى الحكومة بالرغم من أن الخارجية الجزائرية وجدت نفسها تسير برأسين في فترة من الفترات التي كان فيه الرئيس في غياب شبه تام ومنقطع تماما عن أي اتصال بالمجتمع مكتفيا بإرسال رسائل طالما شكك المواطنون في مصدرها بالنظر إلى حالته المتقدمة في التدهور.

ها هو الوضع الصحي لرئيس الدولة يعود ليحتل صدارة اهتمامات الرأي العام الداخلي والخارجي دون أن تضطلع المؤسسات الرسمية المكلفة بالإعلام والاتصال بالدور الذي يمكن الدولة من الاستجابة للطلب العام على المعلومة بشأن صحة الرئيس إذ لم نخرج بعد عن النمطية التي سيرت بها الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة، فالمصدر الرسمي لم يحقق بعد قفزة اتصالية نوعية إلى خطة اتصال محكمة ومضبوطة جديرة بالتغييرات الموعودة في أسلوب الحكامة ومنها إضفاء الشفافية على الاتصال المؤسساتي والحكومي لاسيما عندما يتعلق الأمر بملف في غاية الحساسية ألا وهو حالة الرئيس الصحية التي صارت مادة دسمة لمواقع بدأت تشتغل بجد ومثابرة لإشاعة أخبار كاذبة وفق توجيهات مخابراتية تخدم أجندات إقليمية ضمن التوترات والاستفزازات التي تستهدف الجزائر.

ولم يكن لحرب المواقع الإعلامية أن تنطلق مستهدفة الجزائر لو لم تحاول الاستفادة من الثغرات الرهيبة التي تركتها العملية الاتصالية الوطنية بشأن مرض الرئيس والتي صارت بذاتها تثير القلق والحيرة أكثر مما يثيرهما المرض ذاته الذي هو سنة من سنن الله في خلقة إذ أن الجزائريين لم ينتخبوا على إنسان آلي. وتذهب هذه المواقع إلى تلفيق إشاعات الغرض منها إرسال رسائل استفزازية لا تتعلق بوضع الرئيس بحد ذاته بل بالجمود الذي توجد فيه مؤسسات الدولة التي تبدو دون مستوى وأهمية الأحداث التي تجري في البلاد وفي محيطه وأسلوب الاتصال الرديء القائم اليوم عندما ينقل مستشار لدى رئاسة الجمهورية لقناة أجنبية خبر استجابة الرئيس لبروتوكول العلاج نقلا عن أحد أبنائه وهو ما يكرس التعتيم الإعلامي القائم الذي لا يخدم مصلحة الجزائر على الجبهتين الداخلية والخارجية ويضطر الجزائريين للبحث عن المعلومات في المستنقعات الإعلامية الآسنة.

لقد وجد الجزائريون اليوم أنفسهم في وضع لا يخافون فيه على صحة رئيسهم بل على صحة مؤسسات دولتهم التي دخل جلها في مرحلة “ننتظر لنرى” التي كادت أن تؤدي بالبلد إلى الانفجار لولا نعمة الحراك. 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك