دعا لانتفاضة مغاربية ضد الفرنسيين والايطاليين مسيرة الشيخ عبد الرحمان بن الطاهر طهيري

بقلم  : سليمان قاسم

كان للزوايا في الجزائر الأثر الواضح على الحياة الدينية لمنطقة الجلفة، فقد كانت كل من الزاوية القاسمية بالهامل والزاوية المختارية بأولاد جلال و الزاوية العثمانية بطولقة اكبر المراكز الدينية المؤثرة في المنطقة، فطلبتها يأخذون العلم منها ويحافظون على هذه الصلة بزيارات موسمية تشدها قبائل بأكملها نحو شيخ الزاوية تعبيرا عن الولاء والبركة…

وقد كانت لهذه الزوايا دور كبير في تكوين الشيوخ والأئمة كما أن العديد من هؤلاء الطلبة أذن لهم أن يؤسسوا زوايا محلية بالجلفة، ولعل من أبرزها زاوية بن عرعار بيض القول بزاقز الشرقي التي شيدت سنة 1780م ، وزاوية محمد بن مرزوق ببنهار عام 1825م ، وزاوية الشيخ الطاهر بن محمد بالقاهرة بمسعد سنة 1854م .وزاوية عين اقلال ببويرة الأحداب سنة 1869م.. وبالحديث عن الشيوخ والزوايا ارتأينا أن نتحدث عن شخصية تاريخية مهمة لعبت دورين مهمّين وهما الجهاد في سبيل الله و والدعوة إلى العلم وتدريس القرآن الكريم، فشخصية الشيخ عبد الرحمان بن احمد طهيري لم تأخذ حقها كفاية من التاريخ، فعند الاطلاع على الأبحاث التاريخية لا نجد أن الباحثين صوبوا أقلامهم نحوها إلا ما كتبه الشيخ عامر محفوظي أو ما نقل عنه في المؤلفات الأخرى بالإضافة إلى ما كتبه الأستاذ طاهيري مختار بن مصطفى في كتابه الذي خصصه للشيخ عبد الرحمان بن الطاهر طاهيري، ومن خلال ما ذكرت أردنا أن نعرج على هذه الشخصية التي نحاول أن نستجمع بعض أحداثها التاريخية في هذا المقال.

هو  العلامة المرشد المجاهد الشيخ “عبد الرحمان بن احمد طهيري” الادريسي الحسني ولد حوالي سنة 1874  بالمنطقة المسماة “ضاية زخروفة”، 50 كم شرق مدينة مسعد، وقد عاش وترعرع في كنف أبيه وعميه الشيخان سي يوسف وسي الطاهر، والكثير من الناس ينسبونه إلى عمه بقولهم “سي عبد الرحمن بن سي الطاهر” والحق غير ذلك فالشيخ سي الطاهر لم يخلف ولكن هو الأكبر في إخوته وهو من أسس الزاوية الطاهرية.

تعلم الشيخ عبد الرحمان  القرآن الكريم على أيدي مشايخ زاوية الشيخ الطاهر بن محمد بالقاهرة بمسعد، ودرس العلوم في زاوية الشيخ بن عزوز البرجي قرب طولقة، واخذ العهد في الطريقة الرحمانية على يد الشيخ عبد الرحمان النعاس بن سليمان.

تأسيسه للزاوية

أسس الشيخ عبد الرحمان بن الطاهر زاويته شرق “دمد ” بمسعد غير بعيد عنها في الموضع المسمى “المكيمن” سنة 1912م،  ونظم فيها طلبة القرآن الكريم وزودها بمعلمين أكفاء من بينهم الأستاذ محمد الطاهر من تقرت ورفعها بتعليم علوم الفقه واللغة العربية، ومنها تخرج فقهاء وأكفاء في اللغة العربية من بينهم “الشيخ محمد بن ربيح” الإمام في المسجد الكبير بالجلفة،  والشيخان “ابو القاسم وابو الخير” أبناء  عمه الشيخ يوسف ، وولده الشيخ “عمر طاهيري” خليفته في الزاوية والذي كان يمتاز بالنبوغ في الأدب والشعر والفقه المالكي، وقد كانت الزاوية محل ريبة من طرف الاستعمار الفرنسي، أين كان يقصدها مشايخ وعلماء زمانه خصوصا علماء منطقة خط الجريد، من بينهم سي احمد عضامو والشيخ “الطاهر العبيدي” من تقرت والشيخ “عبد القادر بن إبراهيم المسعدي” والشيخ “ابراهيم بيوض” والشيخ “محمد اطفيش” والشيخ “محمد الصغير” و”الشيخ الازهاري بن المبروك” وغيرهم من مشايخ الطرق والعلم.

يذكر أن الشيخ “عبد الرحمان بن الطاهر” كانت له عضوية في جمعية علماء السنة الجزائريين التي تأسست يوم 15 من سبتمبر سنة 1932 وكان يرأسها الشيخ المولود بن الصديق الحافظي، لكن من خلال استقراء الوثيقة المرفقة نرى أن جمعية علماء السنة كانت تجهل وفاة الشيخ عبد الرحمان بن الطاهر طاهيري على أيدي الاستعمار الفرنسي ولما له من صيت ذائع في الأفاق منحته العضوية الشرفية للجمعية، لكن الشيخ عبد الرحمان كان قد فارق الحياة بسجن بربروس بالعاصمة.

جهاده

لقد كان الشيخ طهيري عبد الرحمان صوفيا ثائرا ووطنيا مجاهدا صاحب أعمال ومواقف، فقد دعا إلى توحيد صفوف الجزائريين والى جهاد موحد في بلاد المغرب الإسلامي ( ليبيا وتونس والجزائر والمغرب)، وكان من بين الأوائل الذين واجهوا السياسية الاستعمارية الفرنسية،  فقد سعى قبيل الحرب العالمية الأولى إلى تكوين جيش ثوري ضد الاحتلال، بل انه دعا إلى عصيان مدني ضد المحتل بعد صدور قانون التجنيد الإجباري سنة 1912.

وقد اصطف الأهالي الرافضين لهذا القانون وراء الشيخ عبد الرحمان رغم الإمكانيات البسيطة المتوفرة آنذاك، ولما له من عناية ودراية ومحبة وتقدير استجابت عروش المنطقة لسعيه ودعوته، وقد حدثت أول مواجهة مباشرة في سنة 1913 حين دخل مدينة الجلفة على رأس 100 فارس في استعراض للقوة وهو ما اعتبرته فرنسا استفزازا لها فالقي عليه القبض، وفي عام 1915 وقعت مُشادّة بينه وبين الاستعمار جرح على إثرها تلميذة إبراهيم بن خلف الله ثم القي عليه القبض وزج به في السجن لمدة أربع أشهر بالجلفة.

وفي سنة 1916 اشتبك أتباع الشيخ عبد الرحمان مع القوات الفرنسية في مكان يدعى “ضاية القويسي” ثم في المعلبة بالجلفة ليلقي عليه القبض مرة ثانية بعد معركتين ويُنفى إلى مدينة وجدة بالمغرب مدة عامين، وخلال هذه الفترة القي القبض على اثني عشر رجلا من أتباعه منهم ولده عمر، ومن المنفى كان يحث أتباعه على مواصلة الجهاد حتى عاد للوطن سنة 1919 ليتولى شؤون الزاوية مؤقتا في غياب عمه سي يوسف.

وبعد الإفراج عنه، أقام الشيخ مؤتمرا علميا سنة 1920 بمنطقة بريش بمسعد، ضم فطاحل ومثقفين منهم الشيخ ابراهيم اطفيش، تحت عنوان ثلاث ليال في الصحراء، وقد كرس المؤتمر توحيد صفوف الجزائريين ودعا لانتفاضة مغاربية ضد العدو الفرنسي والايطالي فراسل الشيخين السنوسي وعمر المختار وبعث إليهما الشيخ المبروك بن الهبال الأخضري لتنظيم المقاومة.

استشهاده

سُجن الشيخ عبد الرحمان مرة أخرى بالجلفة لمدة أربعة أشهر، ليتم بعدها وضعه تحت الإقامة الجبرية بالأغواط إلى غاية الزج به في سجن سركاجي بالعاصمة،  ويحاكم صوريا يوم 14 جويلية 1931 تزامنا و العيد الوطني للمستدمر الفرنسي، ودفن بمقبرة آبائه في الزاوية الطاهرية بالقاهرة بسلمانة (مسعد).

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك