دروس التاريخ.

الوباء

بقلم: أحمد قصوري

 

“..هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة (الهجرية)، من الطاعون الجارف الذي حاق بالأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وفلّ من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل وتبدد الساكن..”

هذه هي الصورة المرعبة التي نقلها إلينا فيلسوف التاريخ، ابن خلدون، عن وباء الطاعون الأسود الذي ضرب العالم بين سنتي 1347 و 1351 ميلادية، وذهب بثلث سكانها. وكان هو شابا في الخامسة عشر، فقد والديه بسبب الوباء، و مات معظم العلماء والمدرسون الذين كان يأخذ عنهم العلم في تونس. والناجون منهم هربوا إلى أصقاع أخرى.

خاضت البشرية حروبا كثيرة ضد الأمراض. وانتصرت كثيرا أيضا. مرت أوبئة في التاريخ، كانت تحصد الناس بالآلاف في اليوم الواحد، ثم تغلب عليها الإنسان، بالحرمان، وبالتضحية، لكن بالعلم خاصة. الآن تطفو على سطح الذاكرة أسماء كبيرة لعبت أدوارا في تقدم الطب ووسائله، وخلدهم التاريخ: أبقراط، وابن سيناء، والرازي، وباستور، وفليمينغ، وتشارلز بيست، وكريستيان برنار، وماري كوري.. وغيرهم ممن انقطعوا إلى أنفسهم بين الكتب وفي المخابر للبحث والتجريب، لينقذوا مستقبل الحضارة الإنسانية باكتشافاتهم المدهشة في حقول الكيمياء والصيدلة، والطب. والحرب على المرض لم، ولن تتوقف. محطة الكورونا اليوم محك جديد، ستواجهه البشرية، لا مفر، وستنتصر أيضا، لا شك في ذلك. ليس من الأخلاق ربما أن نقول ربّ كارثة تجر خيرا، لكن الكوارث الطبيعية، والأمراض، والحروب، هي التي خلقت الدافعية في الإنسان إلى التحرك بعد ركود، وبعد ترف، وتهاون،  من أجل أن يتدبر، ويبحث،  ويكتشف، ويهتدي إلى الحلول، هكذا يقول التاريخ. فالأزمات تشحذ الهمم وتدفع إلى التغيير، والما بعد، لن يكون أبدا مثل الما قبل. سيغادر منا من سيغادر مع الوباء، لا مفر من ذلك، لكن سيظل هنا من يواصل المسيرة، بذهنية جديدة، وبخطى أكثر ثباتا. ونظرة إلى مسيرة الإنسان عبر التاريخ ، منذ خطواته الأولى الوجلة على وجه الأرض،  وزمن الكهوف، والأدوات الحجرية البسيطة، إلى عصر التكنولوجيا الإلكترونية، تؤكد أن الإنسان بفطرته ميال للتقدم والتطور. ومهما قيل عن مجتمعاتنا نحن، بأنها تتشبث بالماضي، وتعتبره العصر الذهبي في كل شيء، وأن السلف هو مرجعها المقدس، فإن تقلبات الزمن، سيدفعها حتما إلى إعمال العقل، والتدبر في الواقع بنظرة أكثر علمية وموضوعية. وستقتنع بالتأكيد بأن الانفتاح على الغير، والاستفادة من المنجزات العلمية والاتجاهات الفكرية العالمية، لا مناص منه لبناء غد تشترك فيه الإنسانية جمعاء من أجل خير البشرية كلها. وغدا ربما سيسجل المؤرخون أن عصرا قد انتهى في 2020، وبدأ عصر آخر في 2021، انتبهت فيه البشرية أخيرا إلى أن حماية الكرة الأرضية من جنون الاستهلاك المفرط، وإجهاد طاقاتها فيما هو زائد عن الحاجة، وفيما هو ضار ومهلك، هي مسؤولية مشتركة بين جميع البشر.

وأنا أود أن أعود إلى مسألة الطاعون الأسود الذي أهلك ثلث البشرية في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، لأنه محطة مفصلية تقع بين عصرين في التاريخ. وقع الوباء في نهاية العصر الوسيط،  بما ساد فيه من تخلف في العلم، وتحكم الإقطاع، ورجال الدين، وانتشار الخرافات، وصكوك الغفران، واضطهاد العلماء والمخترعين، ليدخل في عصر النهضة الذي بدأ يشهد عودة إلى الموروث اليوناني، وإحيائه والبناء عليه لبعث نهضة جديدة. وليس صدفة أن العدد الأكبر من ضحايا الوباء وقع في أوروبا. فقد كانت المدن مكتظة بالسكان، بسبب موجات الهجرة إليها من الأرياف، وانتشرت فيها القذارة، مع انعدام الصرف الصحي، وكثرة القمل والبراغيث والفئران. فأخذت تنتشر فيها الأمراض الناتجة عن قلة النظافة. وبسبب التخلف ساد الاعتقاد بغضب الإله، وأن الفقراء والأقليات الذين لا يدخلون الكنائس هم المتسببين في الوباء، وراح الناس يبيدونهم بدلا من إبادة الفئران والحشرات والقذارة. وقد ابتكر رجال الدين وسائل غريبة لمواجهة الوباء، مثل الرقص الجنائزي، والعري المقدس، والجلد، والتعاويذ. والحاصل أن الوباء حصد أول ما حصد رجال الدين، حتى خلت كنائس أوروبا كلها من الرهبان، وكان لابد من إنشاء معاهد جديدة لتخريج ما يكفي من القساوسة لتعويضهم.

وأعود هنا إلى إبن خلدون، إذ يقول: “..وقوع الوباء وسببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة، وإذا فسد الهواء وهو غذاء الروح الحيواني وملابسه دائما، فيسري الفساد إلى مزاجه، فإن كان الفساد قويا ووقع المرض في الرئة..فتكثر الحميات في الأمزجة وتمرض الأبدان وتهلك، وهذه هي الطواعين وأمراضها..”.

لكن بعد سكوت الوباء، ظهر زمن جديد، وتحركت الحضارة، وبدأ الإنسان يطرح الأسئلة الكبيرة، حول الدين، والعلم، والعمران، والاقتصاد، وتخطيط المدن، والنظافة، والفنون، والآداب، والقيم الجمالية..فكانت النهضة الأوروبية التي أعطت الانطلاقة لعصر جديد من الاكتشاف، والإبداع، في كل المجالات، والذي مازال نهجه متواصلا ويتطور كل يوم.

وأنا استغربت لخبر جاء في جريدة القدس العربي، ليوم الجمعة 20/03/2020، يقول أن رئيس حزب (سياسي؟) في الجزائر، اعتبر قرار وزارة الشؤون الدينية بتعليق الصلوات الجماعية في المساجد غير صائب، وغير شرعي. وأنه بالعكس، إن هذا الوقت هو وقت المساجد والدعاء والتضرع لله وليس منع الصلاة، كما قال. وهذا شيء غريب جدا.

وبالمناسبة تذكرت حكاية عجيبة وردت في مذكرات طبيب مصري، حدثت في سنة 1902، في واحدة من قرى صعيد مصر، عندما كان هذا الطبيب نجيب محفوظ (مجرد تشابه في الأسماء مع الكاتب المعروف) يخوض حربا بلا هوادة ضد وباء الكوليرا الذي كان تفشى في تلك المنطقة، ثم وجد نفسه يخوض حربا أخرى موازية ضد أمراض أكثر فتكا أيضا، هما الجهل والتخلف اللذين وجدهما يضربان أطنابهما هناك بين الناس. يقول الكاتب إبراهيم أصلان نقلا عن مذكرات ذلك الطبيب: ” ولعلنا نذكر الدكتور نجيب محفوظ، وهو الطبيب الذي عاون كاتبنا الكبير نجيب محفوظ على الخروج إلى الدنيا بعدما تعذرت ولادته، هكذا سمي الكاتب تيمنا باسم الطبيب الشهير. وأنا أريد أن أتوقف معك هنا عند هذه الصفحات التي سجل فيها حكاية الكفاح الذي قاده ضد الكوليرا، كذلك الكفاح المعاكس الذي قاده الأهالي دفاعا عن هذا الوباء، والوسائل المدهشة التي ابتكروها معرضين أنفسهم للإصابة بالمرض الذي أودى بحياة الكثيرين منهم. والذي حدث أنه في مستهل صيف 1902، كانت الكوليرا قد تفشت بين الحجاج في مكة وقضت على الآلاف، وبينهم كثير من المصريين، فلما عاد الحجاج كان بينهم عمدة قرية صغيرة اسمها “موشة” على مقربة من أسيوط، يسكنها حوالي 4 آلاف من الأهالي. وكان هذا العمدة قد جلب معه 10 صفائح من ماء زمزم بعدما كان لحقها ميكروب الكوليرا، ولما وصل العمدة إلى البلدة وزع الماء على الأهالي والأحبة فصبوه في آبارهم للتبرك، وما هي إلا ساعات إلا  وراحت تحصدهم حصدا. في ذلك الوقت كان يندر أن تجد طبيبا مصريا متخصصا في مكافحة الأوبئة، وكان الدكتور نجيب محفوظ وصل متطوعا إلى القرية، ووجد الناس محتشدين وقت صلاة الجمعة، فوقف على عتبة الجامع وأفهمهم بأن الكوليرا التي أودت بحياة الكثير من أعزائهم يرجع سببها إلى أن بعض الآبار تلوثت، فإذا وصلت هذه المياه إلى الأمعاء كان منها القيء والإسهال الذي يقضي على المصاب في أيام معدودات، وقد طهرت الحكومة ما استطاعت من الآبار، وهناك بقية أخفاها الأهلون خوفا من التلف، وهذا وهم، وسنبحث عما تبقى منها لتطهيرها حتى ينقشع الوباء..

فماذا فعل الناس بعد هذه الخطبة العصماء؟ لقد تفننوا في  إخفاء آبارهم الملوثة، وهو يخبرنا كيف أن الأهالي كانوا يخفونها بأن يضعوا عليها ألواحا قديمة من الخشب، وكانوا يفرشون فوق الألواح حصيرا باليا، ثم يغطون الحصير بالتراب، وأنه لم يكن يصل إلى اكتشافها إلا بأن يقرع أرض المنزل بنبوت (دبوز) نائب العمدة الذي كان يرافقه، فإذا كان صدى القرع أصم علم بأن ليس هناك بئر، وإن كان الصدى رنانا يأمر بنبش الأرض، وبهذه الطريقة اكتشف من الآبار المخبوءة والمصابة بالوباء حوالي 50 بئرا، وهو قام، رغما عن الأهالي، بتطهيرها واحدة تلو الأخرى.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك