دراسة تحليلية للمجموعة القصصية “وتغتالني الكلمات” للكاتب “محرز زيتوني

الكاتب “محرز زيتوني” يتعرض لنوبة اغتيال من قبل كلمات تلقي به في النهاية صريعا على مسرح الجريمة متسائلا: أين ذاتي؟ تبدأ هذه المجموعة القصصية بالإهداء إلى كافة أفراد أسرته من والدية وصولا إلى إخوته مرورا بزوجته و أبناءه البررة حفظهم الله، لينتقل إلى مقدمة يعطي فيها بعض من الملامح عن  ما تحمله مجموعته في جعبتها.

 

“العقدةُ”

 

   القصة الأولى:  قصة عُقدت بعنوان “العقدةُ” تحكي قصة العادات الجزائرية في الأعراس، عن إلى أي مدى تنحصر مفردة الرجولة في فض بكارة المرأة؟، و كيف أن هذه العادات قد تجاوزت حد الخصوصية في حياة فردين من جنسين مختلفين امرأة و رجل، من أول ليلة في حياتهما ضمن قطار الزواج، يحاول الكاتب فيها أن يصف الحالة التي يصل إليها البطل من إحراج و عجز عن أداء أول مراسم الزواج، فيستهل القصة بوصف معتم؛ يقول في الصفحة )11( ينفتح الباب أمامه، يتصبب العرق من جبينه تصدر الآهات من قلبه حمما ملتهبة يحاول فك رباط العنق الذي يعصر أنفاسه عصرا”، يتواجه البطل مع سؤال أفراد أسرته المتكرر عن ما إذا استطاع أن يأخذ شرف زوجته التي لطالما روضت آناها العليا للمحافظة عليه أمام تنمر الواقع، لتكون إجابته السلبية سببا يوصله إلى باب الرقية الشرعية لفك عقدة وقفت حاجزا بينه و بين الرجولة، تظهر نتائجها بعد خروج جميع النسوة التي كن في انتظار إشارة للمبادرة في عملية الزغردة، بصورة إيجابية منحته  شرعية مسمى الفحل.

 

” ويرفع الموج إعصارا”

 

    القصة الثانية: ” ويرفع الموج إعصارا” بوابة للولوج إلى عمق الذكريات التي تعود بالبطل خمس سنوات إلى الخلف عن معاناة الحياة العسكرية بظلمة زنزانتها وألم رافقه منذ لحظة توديعه لأهله ضمن شاحنة حملته مع رفاقه كبضائع مكدسة، لكن اليوم سيعودون بعد فراق برعاية موج البحر وزبده، بذور الأمل تكشف عن ثمارها بعد الاغتراب والتعذيب والنفي.

 

“زوبعة في قلب بريء”

 

   القصة الثالثة: تزوبعت عثرات الطفولة حول أحمد بطل القصة الثالثة المعنونة بـ “زوبعة في قلب بريء“، تحكي هذه القصة عن نتائج رُهاب الأم المفرط على ابنها، التي جعلته متقوقع في زاوية غرفته خوفا من الأشباح و من الغول الذي اتخذ من قلبه مسكنا لسنوات انتهت به أمام مشعوذ يرتل تراتيل شعوذته في جو من البخور، ليعطي لنفسه الحق بوضع حرز على ملابس أحمد لطرد الأشباح من حوله، ثم تمر الأيام و الأشهر ليبلغ البطل السن القانوني لمباشرة الحياة المدرسية، و بمرافقة شقيقه الأكبر و أبيه يصل إلى المدرسة لتنكشف عقدة الخجل و العجز عن التكيف مع من هم خارج عائلته، الأمر الذي جعله يكتسب اسم الحمار باقتناع منه قبل كل شيء؛ فقد أدرك أحمد أنه ما من حيوان أقرب إليه وصفاً من الحمار، سارت الأمور في المدرسة على وتيرة لا يحمد عُقباها انتهت به إلى الطرد النهائي ليستقبله الشارع بحضن الحرية في سن الرابعة عشر، و لكن مع شقيق مفلس اتخذ من الغربة وسيلة لسد حاجته و والدين غابا عن الساحة العائلية، لم يطل حضن الشارع فقد انتهى مسلسل حياته منتحرا بعد أن أبقى رسالة انتحار يودع فيها الدنيا و يخبر أمه بأنه آت إليها.

 

“و تغتالني الكلمات”

 

     القصة الرابعة: قصة موسومة بعنوان المجموعة كاملة “و تغتالني الكلمات“؛ تروي حلم أقرب منه إلى الكابوس، سيطرت عليه الشخصيات الورقية لكاتب ألِفَ الكتابة بقلم حزين ينهش سعادة أبطاله بين أسطره، تتمرد هذه الشخصيات بإعانة من ضميره، امرأة تثور على شرف اُنتزع منها جراء محاولة تجربتها لأسلوبه العاطفي على أرض الواقع الأمر الذي جعلها تنزل من قطار الحياة عاهرة، واندلاق شاب فقد حاسة التذوق ليعيش الحياة ببلادة المتسكع، ثم ينتهي الحلم بصوت المؤذن.

 

“دموع ضاحكة”

 

    القصة الخامسة: “دموع ضاحكة” خليط متجانس بين الحزن والفرح خلق عنوان لقصة جديدة تربت على ظاهر الكلمات عبراً، تُعلن عن مدى غلبة المظاهر في المجتمع المهني، أستاذ يحاول الحفاظ على انضباطه داخل المؤسسة التربوية التي يعمل بها، بذلة سوداء نظيفة قطعت من الغموض أشواط، سيطرة على تلاميذ القسم أسلوباً، والنسيان جعل لنفسه مكان في القصة ليختمها بضحكات بريئة.

 

“دموع وقضبان”

 

    القصة السادسة: يستمر الدمع سيره ليرتبط مع القصة السادسة بعنوان “دموع و قضبان“؛ هي أسطر تحكي عن بطل بقي سجين غرفته خوفاً من الغول الذي سيصادفه إذا ما انتزع الحرز المُخاط في ملابسه، لكن هذا الامر لن يطول لأنه سيتمرد على واقعه هذا و يتنزع الحرز تاركاَ إياه  حبيس الغرفة، ثم يعمد الخروج بمفرده يتجول في الأزقة بحثا عن ذلك الغول، أولى الخرجات ترمي بيه مكتئباَ يحاول الانتحار لكن دون جدوى فضعفه يتغلب عليه أمام إلحاح الناس المجتمعة حوله، ليعود إلى البيت جاراَ أذيال الهزيمة، تتكرر الخرجات باستمرار دون علم أهله، يتعلم خفة اليد و سرقة الجيوب مع رفقاء المهنة، أخيراَ يجد نفسه أمام مركز إعادة التربية متهماَ.

 

“لحظة ضعف”

 

   القصة السابعة: يسقط بطل هذه القصة في دوامة من التساؤلات ، بين أن يُقدم على السرقة و العيش في سعادة دون الخوف من الفضيحة فمن وصل إلى المراتب العليا من أمثال أسياده لم تكن بالسهر أو بشهادة الكفاءة و انما عن طريق الوسائط التي لا طالما كانت طرق مختصرة نحو الشهرة و المال كان هذا رأي النفس الأمارة بالسوء، أما عن الضمير فيتخذ دور المعارض ليجعل صورة ابنه المكنى بـ”عادل” ببسمته البريئة تقف أمام ناظريه، كيف سيحمل مال مدنساَ إلى بيته يعيل به عائلته، أخيرا ينتهي الصراع و تتوقف الدوامة على الدوران لينتصر الضمير في النهاية و يبتعد البطل عن الخزنة بعد أن يضع المفتاح في مكانه المناسب، و بها تكون القصة بعنوان “لحظة ضعف“.

 

الانتظار الممل”

 

    القصة الثامنة: تظهر القصة في شاكلة ثلاث صور تعبر عن فرط الإهمال الذي عشعش في حياة المواطنين، الصورة الأولى تعبر عن طابور الانتظار الذي غزى المؤسسة الصحية من المرضى و الطبيب غائب، و الصورة الثانية تنبثق عن انتظار في محطة الحافلات الحافلة موجودة و السائق غائب أما الصورة الثالثة و الأخيرة فتدلي بإهمال أكثر عضو مشروط بالمسؤولية في المؤسسة المهنية؛ المدير حاضر و الاستقبال غائب، الصور مجتمعة تلعن الوقت الثمين الذي يضيع هباء جراء الانتظار، فلا أحد يقوم بعمله كما يجب ولا أحد يمتثل لأخلاقيات المهنة، و بالتالي كانت هذه القصة موسومة بـ “الانتظار الممل“.

 

“إفرازات على الدرب”

 

    القصة التاسعة: بعد الصور تتشكل هذه الأخرى من مجموعة من الهوامش بعنوان”إفرازات على الدرب” لسان حال الهامش الأول يردد كلمات تصف حال المكاتب الإدارية اليوم طابور من المساكين ينتظرون العامل الذي يأتي بتباطؤ كمن يملك زمام الأمور كلها، يجلس بتعجرف يرفض كل الطلبات و جل الأوراق بحجة اجتماع زائف، و الهامش الثاني يترصد حال أُناس شغلتهم الدنيا عن تلبية نداء الله عز و جل إلى الفلاح، ليجعلوا من جلسات اجتراع القهوة أهم من الرد على مهاتفة الصلاة، أما الهامش الثالث يروي معركة الحفاظ على الأملاك الشخصية وسط جمهور من اللصوص، فيما يعرج الهامش الرابع إلى حقيقة وضعية المرأة أمام ضغط التحرشات، أخيرا الهامش الخامس ينبني عن كيف أصبح التلذذ بالدماء المُتناثرة على الأرض جراء التنمر أمتع من فك الشجار.

 

“صوت من الذاكرة”

 

   القصة العاشرة: الأصوات شكلت قصة جديدة تحت مسمى “صوت من الذاكرة“، تسرد أحداث كابوس زار البطل أثناء نومه عن عمارات اكتسحت أراضي زراعية خاصة بأهالي قُتلوا لما احتجوا عن ذلك كان جده أحدها، عمارات شكل ارتفاعها رذاذا من الأوساخ، ثم يسقط البطل لكبر سنه غارقا في دمائه والأطفال تحيط بيه من كل جانب تتحدث معه ليجيب هو الآخر دون وعي منه مستحضراَ في ذلك ذاكرة الأيام المدرسية، بعدها يتقدم شاب ليساعده على النهوض من جديد فيزرع في نفسه أمل المستقبل، يستيقظ من نومه على أثره.

 

” من يفتح لي قلبه؟”

 

هي قصة تختم المجموعة بجملة من التساؤلات التي يطرحها المغترب بعد عودته إلى مسقط رأسه إلى قريته النائية، فتكون معنونة ب“من يفتح لي قلبه؟”، البطل يسأل بيتا يفتح أبوابه له ليعيد ذكريات الطفولة بعد أن فر من مفردة اللقيط التي لازمته الحياة و من أم بيولوجية خالفت رسومات الفضيلة التي أجهد نفسه في رسمها، إلى حانات فرنسا آملا أن ينسى الماضي الأليم، اليوم عاد مصطفى جديد بهدف جديد، عاد من أجل أم وهمية وجدها في أبناء جلدته، بعمل شريف صنع بيتاَ يأوي أمثاله، فقد أصبح أخيرا يمشي في الحي الذي اعتاده معية مشاعر كلها حب و حنان دفاق.

    المجموعة هي عبارة عن حلقة من حلقات الإبداع الأدبي الذي يخلق نوع من التفرد والتميز الكاسر للثبات الذي انتهى إليه مجتمع القرن العشرين ليقوض بذلك سرديات لا طالما غذت الافتراضات المتحيزة التي نشأت على إثر تمثيل الآخر، بداءة من هذه النقطة مثلت هذه القصص خطابات سردية انبثاقية ثقافية مضادة تكشف عن حقيقة التواريخ المنسية، وقفت عند مرجعيات تتربص تمزق الهوية على مسرح التمييز الطبقي وبها صراع بين واقع اجتماعي مزر في مرحلة القهر والرضوخ نتيجة اضطراب الديمومة التي تشكل التجربة الوجودية الزمنية المعاشة بدءا من ماضي الآلام والعثرات التي تجعل من الحاضر أشد وطأة أما المستقبل فيكون أكثر مدعاة للقلق، ونسق التقرب من رموز الشعوذة والسحر ليسد ثقوب الضمير وليفك عقدة النقص والعار وقلق الخصاء ناهيك عن قلق الهجر، وثقافة تجعل من الفكر الذكوري الفكر المسيطر تعتبر فيه المرأة مخلوقا ناقصًا مجرد وسيلة للتسلية والمتعة فمثلت الصوت المهمش التابع لرجل، ذاتا تريد إثبات وجودها  في ضوء التمرد تندلق عبر قوة التخييل والأحلام، كون هذه الأخيرة البوابة الفاصلة بين الحياة الشعورية والحياة اللاشعورية للإنسان فواقعه يرتبط بخيوط هزيلة بلاوعيه قد تنقطع في أي لحظة لتكشف عن كل ما هو مستور، ثم تمل حلقة الهدر مع آليات التعذيب بالتحكم في حاجات العبد فالسيد يتلذذ بسيادته و سيطرته بهدر كيان العبد، وبين آخر بصيص أمل في إيجاد الذات مع إثباتها والقفز عن حاجز البؤس وهدر كفاءات الشباب بتضخيم أخطاء ماضيه للسيطرة عن حاضره بالكشف عن تواطؤ الذات مع هذا الهدر الكياني وتفعل آليات دفاعية لمجابهته، باتخاذها مسارات معاكسة لتيار المألوف تواجه فيها أصوات السلطة بأصوات الضحايا المقموعة لتسمع صوتها المُسكَت عنه والخروج من نسق التمثيل الأحادي إلى ساحة التمثيل الثنائي للاكتساب الحق في العيش ضمن زمن الاختلاف الثقافي وتشكيل فضاء ثالث يجمع كل مختلفين.

 

بقلم، الباحثة في الأدب الشعبي: عبير عقون من أم البواقي 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك