الذاكرة قضية في الجزائر صراعات في فرنسا

خيمت على العلاقات بين البلدين

بقلم: احسن خلاص

لم يُتح تعاقب الرؤساء والحكومات في فرنسا إمكانية أن تغادر إشكالية الإرث الاستعماري محتوى وشكل العلاقات الجزائرية الفرنسية. ويبدو أن الملف طفى إلى السطح بشكل أقوى وأعنف مما كان عليه الأمر مع الجيل القديم من القيادات السياسية الفرنسية التي شاركت في “حرب الجزائر” من أمثال ميتران وشيراك ولوبان، فالجيل الجديد لم يكتف، بعد أن تسلم ملف الذاكرة من الجيل السابق، بحفظه في الأدراج أو تسليمه للمؤرخين بل اتخذ منه مادة للصراع السياسي وقد كانت آخر تجلياته تلك المناوشات الإعلامية والسياسية التي أحدثها ماكرون في أواخر الشهر الماضي عندما وصف ملف الذاكرة الخاص بالحرب التحريرية في الجزائر بأنه الأكثر مأساوية داعيا إلى “وضع حد لهذا الصراع الذي يعقد الأمور داخل فرنسا” كما قال.

ومع اعتراف ماكرون أن الملف يعقد الأمور داخل بلده، إلا أنه لا مناص من اعتباره “مرضا مزمنا” قد لا يرجى الشفاء منه تماما، مهما تعاقبت الأجيال في البلدين إلا إذا قررت الأجيال المتعاقبة هنا وهناك أن تنقطع تماما عن تاريخها وتفك الارتباط بماضيها وتعزف عن تناوله لمرارة ذوقه.

لقد ورث الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون وضعية تاريخية معقدة وهو الذي ترعرع في محيط براغماتي ليبرالي ينظر حصريا إلى العلاقات بين الدول من منظور المصالح الاقتصادية والمالية، وجد نفسه مضطرا، ليس لمسايرة ملف يثقل كاهله، بل لأن يجد له مخرجا نهائيا، ليس إزاء احتلال الجزائر فقط، بل امتدت سياسة تجاوز الإرث الاستعماري لديه إلى كل إفريقيا ضمن سياسة التخلص من مقاربة السياسة الإفريقية لفرنسا التي عبر عنها في كل مناسبة يزور فيها مستعمرة إفريقية سابقة.

غير أن ملف الماضي الاستعماري لفرنسا في الجزائر يبقى هو الأبرز والمؤرق لماكرون والمنعرج الذي ينتظره فيه خصومه من اليمين المتطرف، ولا تمر مناسبة يكرم فيها الحركى أو الأقدام السوداء في فرنسا إلا وكانت مسرحا لتراشقات سياسية الغرض منها جلب تأييد هذا الطرف أو ذاك من الكتلة الناخبة الفرنسية، وليس أدل على ذلك من انتفاضة اليمين المتطرف الذي عبر عن استيائه من المقارنة التي أجراها ماكرون بين مأساة الحرب الجزائرية والمحرقة اليهودية أو ما يعرف بالهولوكوست واعتبر ذلك انحرافا تاريخيا خطيرا.

هكذا دأب الساسة الفرنسيون على التعامل مع ملف الماضي الاستعماري مع الجزائر بالأخص، إذ لم يظهر أحد منهم النية الخالصة لمعالجة عادلة وموضوعية بل بقي يطفو في المناسبات ويوظف في الصراع السياسي الداخلي بشكل رهيب. ولا تشكل تصريحات ماكرون وقبله هولاند تقدما جوهريا يستحق أن يسجل في التاريخ المشترك للبلدين، فما سجل لا يتعدى إدانة الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت خلال الفترة الاستعمارية والتأسف للآلام التي سببتها الفترة الاستعمارية للطرفين الجزائري والفرنسي مع الاعتراف بأن الطرف الجزائري هو الأكثر تضررا دون الذهاب إلى عمق المسألة وهي تجريم الاستعمار بذاته فلا يجرؤ أي رئيس على لعن وتجريم جزء هام من تاريخ فرنسا وهو التاريخ الاستعماري.

ليس هناك في فرنسا ندم، إن على المستوى الرسمي أو لدى المثقفين والمؤرخين، على احتلال الجزائر واغتصاب الأرض وتشريد أهلها، إذ لا يزال يقدم على أنه “فعل حضاري لابد منه” يدعو ما ترتب عنه من جرائم ومآسي وآلام إلى الأسف دون أن يصل الأمر إلى الاعتذار الرسمي وإلى التفكير في تعويض الشعب الجزائري لاسيما عن المجازر الكبرى التي خلفتها انتفاضة 8 ماي 1945 والتفجيرات النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية.

غير أن الجانب الجزائري، على ما يبدو، هو الذي يريد أن يتخلص من الإرث الاستعماري للعلاقات الجزائرية الفرنسية إذ أن مقابل النقاش الحاد الذي قام حوله في فرنسا نجده قد زحزح في الجزائر إلى المراتب الأخيرة من اهتمام السلطات والرأي العام. فبدل أن يحظى موضوع الذاكرة بزخم كبير ونقاشات تشارك فيها الحكومة والبرلمان والمنظمات التابعة للأسرة الثورة مثل منظمة المجاهدين ومنظمات أبناء الشهداء، انحصر الملف في تدخلات نادرة على لسان وزير المجاهدين مثل تلك التي قام بها مؤخرا برقان عندما أعلن أن الجزائر أوقفت التفاوض مع فرنسا بسبب غياب جديتها في الاستجابة للمطالب المتعلقة بالحقبة الاستعمارية مذكرا أن ملف التفجيرات النووية هو أحد الملفات الأربعة التي وضعت على طاولة المفاوضات التي أوقفها انعدام الاهتمام من الجانب الفرنسي. لكن الوزير لم يحدثنا عما يمكن للجزائر فعله للضغط على الجانب الفرنسي للجلوس مجددا على الطاولة ومحاولة وضع حد للملف الذي أضحى يقلق ماكرون أكثر مما يقلق المسؤولين الجزائريين. وتعد معالجة ملف الذاكرة أحد المداخل لاستعادة الدولة ثقة المواطنين والإيمان بقدرة دولتهم نفسها كطرف قوي في معادلة العلاقات الجزائرية الفرنسية المعقدة إذ لا يعقل أن يرهن وزير المجاهدين استئناف العلاقات الطبيعية مع فرنسا بالتقدم في المفاوضات حول ملفات الذاكرة في الوقت الذي تعد فيه العلاقات الثنائية بين البلدين بمرحلة انتعاش قوي بسبب إعادة فتح كل ملفات الشراكة والتبادل والتعاون والتشاور السياسي.

لا يعتبر ملف الذاكرة في الجزائر من قبيل الترف السياسي وموضوعات المنافسات الانتخابية مثل ما هو الحال في فرنسا فالبحث فيه والنضال من أجله عندنا يدخل ضمن الوفاء لتضحيات أجيال من الشهداء من أجل استرجاع ما اغتصبه المحتل.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك