خلال الثورة التحريرية

قراءة في مسار العلاقات الجزائرية الكويتية

أ.د.رضوان شافو- جامعة الوادي

  

 إن المتتبع لتاريخ العلاقات بين الجزائر والكويت قد لا يجد مظهرا واحدا من مظاهر التعاون الثنائي بين البلدين إلا في الحقبة الاستعمارية للجزائر،ولعل هذا التعاون الثنائي حتمته  بعض الظروف العربية والدولية آنذاك،فالظرف الاستعماري يعتبر اهم عامل في الدفع بالعلاقات الثنائية الجزائرية الكويتية مند الخمسينات من القرن الماضي،وذلك في إطار الدعم العربي للثورة الجزائرية ،اذ كان للكويت دور كبير في مساندة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، رغم أنها لا تزال ترزخ تحت نير الاستعمار الإنجليزي،إلا أنّها لم تتأخر عن تقديم الدعم المعنوي والمادي والشعبي والإعلامي  للجزائر منذ إندلاع الثورة التحريرية في عامها الأول،وهو ما أكدته العديد من الشهادات الحية من المجاهدين الجزائريين للسلك الدبلوماسي خلال الثورة التحريرية،وأيضا وسائل الإعلام الجزائرية والكويتية.

    ولعل من مظاهر الدعم الإعلامي الكويتي للثورة الجزائرية قد تجلى بشكل واضح بعد تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سنة 1958،حيث تناولت “مجلة العربي الكويتية” في عددها الأول الصادر في أول ديسمبر 1958،مقالا بعنوان” تحية إلى جيش التحرير الجزائري”،تضمن ثمانية صفحات جاءت كلها إشادة بانتصارات جيش التحرير الوطني،باعثة من خلاله تحية إلى كل شعب عربي يناضل من اجل الحرية والإستقلال،وقد كتب هذا المقال الصحفي احمد زكي عاكف، بعد إستطلاع قامت به هيئة تحرير المجلة عن حياة جنود جيش التحرير الوطني البواسل،وأهم مقطع جاء في إفتتاحية هذا المقال قوله:” ستستقل الجزائر،أرادت فرنسا أم لم تُرِدْ؟ إن معركة الجزائر هي معركة العرب،الذين يسيرون اليوم في طريق التحرر، ولن يبلغوا حريتهم الكاملة إلا إذا تحررت الجزائر،وكل قطر عربي يرزخ تحت اثقال الاستعمار…”.والمتأمل لمحتوى هذه الافتتاحية سيلاحظ  ذلك التأكد على أن الثورة الجزائرية كانت مُلهمة لمختلف الثورات العربية ضد الاستعمار الأوروبي،حيث كانت عبارة عن حُقن من الوطنية الثورية في جسم الامة العربية،تزيدها قوة ومناعة وصلابة في الدفاع عن مقوماتها وسيادتها الوطنية، هذا بالإضافة الى أنه وفي إطار الاحتفالات المخلدة لذكرى الثورة الجزائرية من كل عام، كانت الإذاعة والصحافة الكويتية تخصص يومها للحديث عن انتصارات الثورة الجزائرية.زيادة على  برنامج”صوت الجزائر” الذي كان يبث بالإذاعة الكويتية كل أسبوع لمدة ثلاث ساعات،والذي كان موجها الى منطقة الخليج العربي بهدف تشجيع الدعم المادي للثورة الجزائرية.

    وفيما يخص الدعم الرسمي للحكومة الكويتية فقد أشاد بعض قادة الثورة الجزائرية،وكذا جريدة المجاهد اللسان الناطق باسم الثورة الجزائرية بقوة الدعم المالي الذي جادت به الكويت للدعم الثورة الجزائرية،حيث ذكرت جريدة المجاهد أنه بعد تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وفي إطار كسب الدعم العربي للثورة،أستقبل وفد الحكومة الجزائرية بالكويت سنة 1958،واقام فيها لمده ثلاث أيام،حيث نُظم على شرف وفد الحكومة الجزائرية عدة حفلات فنية.وخلال هذه الزيارة حسب مذكرات احمد توفيق المدني،والذي كان وزيرا للشؤون الثقافية آنذاك، أن أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح عبر لهم عن استمرار دعمه للثورة الجزائرية من خلال قوله:” كنا معكم قلبا،ثم صرنا قلبا ومالا،ومهما اتسعت اموالنا زدنا في إعانة الجزائر،لا نتقيد بميزانية ولا نحدد المدد بعدد،نحن نشارككم في كفاحكم فلا تهنوا ولا تحزنوا سيزداد مقدار إعانتنا مازادت مداخلنا وأنكم ستجدون عندنا بحول الله ما تحبون”،وهو ما أكدته جريدة المجاهد في عددها 108،الصادر في 13 نوفمبر 1961، وبمناسبة الذكرى السابعة للثورة الجزائرية ،بأن امير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح تبرع من حسابه الشخصي بثلاثة ملايين دولار للثورة الجزائرية.

      وفي ذات السياق فقد اشار الدكتور  علي محمد الصلابي أنه في اطار مساعي مواصلة الدعم المالي أجبرت الحكومة الكويتية كل العمال في القطاعات الحكومية على دفع مبالغ مالية من أجورهم تضامناً مع الشعب الجزائري، بالإضافة إلى إصدار طوابع بريدية خاصة بدعم الثورة الجزائرية على أساس أنها واجب قومي.

       كما تجدر الإشارة أيضا الى ان الدعم الرسمي للحكومة الكويتية تعدى الى الحركة التعليمة على مستوى الكويت،وعلى مستوى دول الجوار، فحسب رسالة موجهة إلى سفير المملكة العربية السعودية بتاريخ 18 جويلية 1961، تنص على إنشاء معهد تكوين للأيتام الجزائريين،ومما جاء فيها:” بلغ سمو الأمير جابر احمد الصباح بمناسبة مروره بتونس عزم حكومة الكويت التعهد بفتح معهد في الجمهورية التونسية يضم شمل خمسمائة فتاة وفتى من الأيتام الجزائريين الذين أباد الطاغوت ذويهم، على أن تكون نفقات هذا المعهد على عهد حكومة الكويت،مؤملا سموه ان تبلغ الجهات المسؤولة بالجمهورية التونسية لتبلغ بعدها الجهات الجزائرية المختصة في تونس”.

   اما على مستوى الكويت فقد حظيت النخبة الطلابية الجزائرية منذ سنة 1952 بمقاعد دراسية انطلاقا من المرحلة الثانوية الى المرحلة الجامعية،فحسب جريدة البصائر الجزائرية  الصادرة في شهر مارس 1954، ان الكويت  استقبلت  في اطار البعثات التعليمية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين 14 طالبا يدرسون بمدرسة الشويخ الثانوية، وعلى لسان جريدة المجاهد ان الحكومة الكويتية كانت هي التي تتكفل بكل نفقات الطلبة الجزائريين، إلى جانب منحهم مبلغاً من المال قدره ثمانون ألف فرنك مع تذكرة سفر خارج الكويت، يضاف إليه مبلغ آخر قيمته ستة آلاف فرنك لتغطية مصاريف كل طالب، وعلى إثر تزايد عدد الطلبة الجزائريين، فقد شكلوا سنة 1956 رابطة طلابية برئاسة كلا من السادة: محمد عرباجي ،وعبد العزيز يعقوبي،وعبد العزيز مشوي،لدعم الشعب الجزائري وثورته ضد الاستعمار الفرنسي،كما كان  لهذه الرابطة الفرعية  دور كبير في تأسيس رابطة الطلاب الجزائريين بالمشرق العربي سنة 1958.وحسب ما جاء في جريدة المجاهد وعلى لسان وزيز الشؤون الثقافية السيد احمد توفيق المدني، ان عدد الطلبة وصل آنذاك إلى 30 طالبا، إلا انه بعد الزيارة الأولى لوفد الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1958 تمكن من الحصول على أربعين مقعداً إضافياً للطلبة الجزائريين،وفي اطار الدعم المالي الكويتي لرابطة الطلبة الجزائرين بالكويت، فقد تقوى نشاط هذه الرابطة بعقد العديد من المحاضرات والندوات والمعارض والاسابيع الثقافية من اجل نصرة القضية الجزائرية.

   

     وبخصوص المساندة الشعبية الكويتية للشعب الجزائري،فلم تتأخر يوما واحدا منذ إندلاع الثورة الجزائرية على الرغم من محنة الاستعمار الإنجليزي،فعلى لسان الدكتور إسماعيل دبش والذي التقى بالعديد الإخوة الكويتيين الذين عايشوا الثورة الجزائرية يقولون بأننا :”كنا نهتز فرحا عندما نسمع بانتصار إخواننا الجزائريين في معركة ما على فرنسا،ونتالم ونحزن عندما نسمع قمع الاستعمار الفرنسي لإخواننا الجزائريين”،وبناء على هذا التعاطف والدعم المعنوي،فقد تجلت مظاهر الدعم الشعبي مع بداية الثورة التحريرية ،حيث كان النادي الثقافي القومي الكويتي يتولى تنظيم إقامة المهرجانات الخطابية وتنشيط حملات دعم الكفاح الجزائري،وعلى لسان الباحث الاكاديمي الكويتي الدكتور حمد القحطاني بأنه تم تشكيل  “اللجنة الشعبية  الكويتية لجمع التبرعات للشعب الجزائري” مع بداية الثورة الجزائرية،حيث تم لمدة أسبوع واحد جمع ما يقارب 1600000 دولار امريكي لصالح الثورة الجزائرية ،وحسب جريدة المجاهد بانه كانت تنظم مهرجانات شعبية كبرى سنوية احتفالا بالثوة الجزائرية،إذ تخصص  لجمع التبرعات المالية من طرف المواطنين من اهل البر والإحسان و ورجال الاعمال آنذاك لصالح الثورة الجزائرية،ولعل الجريدة الرسمية الكويتية الصادرة في شهر ماي 1958 ،ذكرت بأن التاجر الكويتي محمد الحمود الشايع تصدر المتبرعين الكويتيين  بـمبلغ قدره 750 الف رويبة لصالح الثورة الجزائرية

  وخلال زيارة وفد الحكومة المؤقتة للكويت يذكر احمد توفيق المدني أنه خلال اجتماعهم  الطويل مع لجنة الجزائر المكلفة بتنظيم أسبوع الإعانة” برئاسة كلا من الدكتور الخطيب والسيد الأستاذ يوسف الفليج،حيث سمت وتعالت أعمال الكويت فيما بعد معنا إلى أن بلغت القمة في آخر عهد الكفاح.

وعشية استقلال الجزائر استمرت جهود الكويت في دعم الشعب الجزائري حكومة وشعبا، إذ ذكرت “جريدة القبس الكويتية “، بأن الكويت أرسلت  بعثة طبية الى الجزائر سنة 1962 استمرت لفترة طويلة،إذ صرح رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية خلال استقباله للبعثة الطبية قائلا:” صحيح أن كفاح الشعب الجزائري في الداخل قد حطم الاستعمار،ولكن هناك جهود الشعوب العربية…الكويت وقادتها الأشاوس بما قدموا من تبرعات ومساعدات وتأييد اثرت كلها في سير المعركة”.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك