خطورة وتداعيات اللون الجديد للصحافة التشاركية

شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر للخبر

بقلم الأستاذ: إبراهيم سلامي /كاتب وإعلامي 

 

تعتبر الصحافة التشاركية من بين المفاهيم البارزة حديثا خلال الفترة الراهنة في أوساط وسائل الإعلام ، خاصة الفايسبوك متجاوزة الوسائل والمصادر التقليدية في جمع وبث المعلومات، حيث يعتمد هذا الإعلام على ثقافة الصورة ونشر الفيديوهات، فهي يشار إليها بأنها ذلك النوع من “الصحافة الحديثة التي تعتمد على العامة غير المتخصصين، الذين قد تسمح لهم وظائفهم أو مواقعهم في العمل أو تحركهم دوافع الرغبة في إيصال صوتهم الى المجتمع و التعبير عن مشكلاتهم ” . 

فهي ترياقاً للفجوة الإعلامية الآخذة في الاتساع في ‏المجتمعات التي أخذت فيها وسائل الإعلام التقليدية -المطبوعة والمذاعة- في التراجع  و أهم ما ميز العقد الأخير على مستوى الإعلام ظهور شكل جديد من  أشكال الممارسات الصحافية غير المهنية والمتمثلة في الصحافة التشاركية ، واستطاعت في ظرف وجيز أن تحجز مكانة لها ضمن التحولات الجديدة، حيث تبقى  صحافة المواطن والصحافة التشاركية والمحتوى المقدم هي مفاهيم ‏تدعوا إلى إشراك القراء والمشاهدين في إعداد التقارير ونشر الأخبار .  

 

لغة الصحافة التشاركية 

 

تتميز الصحافة التشاركية بلغة خاصة  ممزوجة ما بين العامية واللغة العربية الفصحى و إدراج بعض الكلمات الأجنبية، مشكلة أداة في التفاعل والتواصل مع الآخرين ومؤدية وظائف متعددة لتعبيرعن المشاعر والاتجاهات والآراء نحو الموضوعات المختلفة، كما أنها تؤدي وظيفة استكشافية لاكتساب المعرفة، فهي أداة للهروب من الواقع من خلال عملية التعبير عبر فضاءات التواصل الاجتماعي. 

بالإضافة إلى ذلك فهي تؤدي وظيفة إخبارية لنقل المعلومات والتأثير في سلوك الآخرين، زيادة على ذلك وظيفتها الرمزية من خلال استخدام اللغة للدلالة على الأشياء. حيث نجد الإنسان العادي يعبر عن أفكاره باللغة المتاحة حيث تعتبر هذه العملية وظيفة اتصالية ، فيتم استخدام اللغة، التي يتقنها سواء كانت مركبة من العامية وبعض الكلمات من اللغات الأجنبية الأخرى لإيصال فكرته إلى المتلقي المقصود . 

لقد أصبحت هذه اللغة ” الهجينة ” مفتاح لتحقيق الذات وفي نطاق أوسع ضمن دائرة وجودها الاجتماعي. 

 

موقف قانون الإعلام الجزائري من الصحافة التشاركية 

 

عرف المشرع الجزائري الصحفي  اعتمادا على نص المادة 73 و 74  و 76 من القانون العضوي رقم 12-05 المتعلق بالإعلام على أنه ” تثبت صفة الصحفي المحترف بموجب بطاقة وطنية للصحفي المحترف، تصدرها لجنة تحدد تشكيلتها و تنظيمها و سيرها عن طريق التنظيم ” . 

و أشارت المادة 67 من قانون الإعلام الجزائري أنه يقصد بالصحافة الالكترونية في مفهوم هذا القانون العضوي  ” كل خدمة اتصال مكتوب عبر الانترنت موجهة للجمهور أو فئة منه، و ينشر بصفة مهنية من قبل شخص طبيعي أو معنوي يخضع للقانون الجزائري و يتحكم في محتواها الافتتاحي ” (القانون العضوي رقم 12-05 المؤرخ في 12 يناير 2012 المتعلق بالإعلام ). 

و من خلال الطرح المقدم نرى بأنه وبغض النظر عن اللغة المستعملة إن القانون ركز على مفهوم الصحافة و ربطها بعامل المهنية حتى ولو أخذت شكل الصحافة الالكترونية  مع إخضاعها لقانون  وتنظيم خاص . 

في حين اعتمدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة معتبرة أن كل نظام لمنح التراخيص أو التسجيل الإلزامي للصحفيين غير شرعي بموجب القانون الدولي الذي ينص على أن ” الصحافة تتقاسمها طائفة واسعة من الجهات الفاعلة، بما فيها المراسلون والمحللون المحترفون والمتفرغون فضلا عن أصحاب المدونات الالكترونية وغيرهم ممن يشاركون في أشكال النشر الذاتي المطبوع أو على شبكة الانترنت.  

 

الصحافة التشاركية كفضاءات بديلة 

 

ساهمت التكنولوجيا في ظهور ” الصحافة التشاركية ” من خلال الشبكة العنكبوتية لمساحات تعبير لا حدود لها ، حيث أصبحت تجسد الأفضل والأسوء على حد سواء . فالصحفي في هذا الوسط لا يلتزم بقواعد صحفية في نقل الأخبار وتحليلها ويتقيد بالقوانين التي تسير اللغة ، حيث تعتبر الصحافة التشاركية مجالا تتجسد فيه الحقائق التي لا يجرأ الإعلام التقليدي على عرضها و طرحها . 

لغة التواصل والثورة المعلوماتية : جاءت الصحافة التشاركية كحركة إعلامية إصلاحية حسب تأكيد ” هيبارماس Habermas الذي قام بتطوير لنظرية ” الفضاء العمومي ” والذي اعترف بأنه يمكن للمواطنين أن يقاوموا الهيمنة بإنشاء فضاءات عمومية بديلة غير محتكرة ليتوسع الفضاء العمومي ليشمل جميع الأماكن الافتراضية التي تسمح بمناقشة الأفكار و الآراء.  

و من خلال نماذج التواصل المتعلقة باللغة المكتوبة نرى ان هناك تواصل بلغة مختصرة و ألفاظ بـ ” الدارجة ” أي العامية وبعض الكلمات باللغة العربية والفرنسية أو الانجليزية، متداولة بكل شفافية و بدون حواجز رقابية، لتصبح إحدى دعامات المجتمع المدني. 

تأدية دور تشاركي في عملية التواصل :بأسلوب بسيط وكلمات مركبة تمثل لغة المخاطب في  أذاه تواصل مواقع  شبكة التواصل  الاجتماعي، حيث تلعب الصحافة التشاركية دور ا فعالا في نقل وتلقي المعلومة بشكل متبادل، حيث نجم عن ذلك ظهور أشكال جديدة من الاتصال، وفي هذا الشأن تقول ”  كليمنسون رودريغر ” بخصوص التغيير الثقافي عالمي في المشهد الإعلامي بأنه أصبح ” من خلال مستخدمو وسائل الإعلام منتجين مما يعكس الديمقراطية التشاركية وولوج أفضل لوسائل الإعلام من خلال الشبكات و البث من مواطن إلى مواطن.  

وباستعمال لغة متداولة مع رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين يعتمدون على نهج تشاركي في إثراء التنوع في وجهات النظر و الآراء، حيث تقوم صحافة ” المواطن ” بدور البديل، إذ لا تقتصر ممارسة الصحافة على نقل الأحداث والمشاكل فقط بل تشارك المواطنين في التغطية الإعلامية  للحياة السياسية والاجتماعية لذا تشكل مفهوما أوسع من المواطنة وذهب  David Cohn  إلى أن الصحفيين المواطنين هم حرفيون.  

لغة الاستخدام المفضلة لدى مستخدمي الفايسبوك : يوضح الجدول الموضح أسفله التصنيف التنازلي حسب نسبة مستخدمي اللغة العربية والانجليزية والفرنسية، حيث نجد في الكثير من الأحيان أن غالبية مستخدمي مواقع التواصل يلجأون إلى استخدام لغة هجينة . 

لغة الصحافة التشاركية في شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر للخبر: تساهم لغة الصحافة التشاركية بمختلف مواقع التواصل الاجتماعي على إيصال الرسالة الإعلامية إلى المتلقي وتتحول إلى مصدر للخبر  و هنا يجب الإشارة انه لا يوجد فصل ما بين  مرسل المعلومة و متلقيها ، و أن كلاهما يستطيع أن يشارك في الصحافة . 

و المسجل أن هناك انعكاسا جليا لتقنيات الصحافة التشاركية على خصائص الجمهور و طبيعة الممارسة الإعلامية من خلال هذه الوسيلة فبعد ما كانت العملية الاتصالية تشمل( المرسل، الرسالة، الوسيلة، المستقبل، رجع الصدى) اختلفت الحدود الفاصلة وأصبح الجمهور منتج للمادة الإعلامية المقدمة باستعمال لغة هجينة وهو ما أطلق عليه المتخصصون بظاهرة ” المواطن الصحفي ” . 

و بالرغم من أن الصحافة الحديثة المتمثلة في ” الصحافة التشاركية ” أ صبح لها مكانة وبدأت العديد من الصحف والمواقع الالكترونية الإخبارية المعتمدة في مختلف دول العالم الاعتماد عليها في نشر الأخبار والمعلومات كمصدر للخبر ونسبها إلى صاحبها من دون تكلفة تتحملها المؤسسة الناقلة للمعلومة . 

الإعلام التقليدي ولغة الصحافة التشاركية :بدأت العديد من القنوات التلفزيونية والصحف العريقة  تتجه في الوقت الراهن في استقطاب رواد الصحافة التشاركية من خلال فتح روابط اتصال لاستقبال  الأخبار والتغطيات للحوادث والصور والفيديوهات، بحجة التوسع في الخدمات انطلاقا من أمرين أساسيين أولهما أنها فكرة غير مكلفة تحتاج فقط إلى محررين يقومون بإعادة الصياغة للرسائل القادمة المواطنين وبالتالي يحقق هذا النوع من الصحافة  ديمقراطية الاتصال.  

والملاحظ أن غالبية الأخبار المتداولة يعتمد أصحابها على لغة مركبة، تغلب عليها اللهجة العامية، و بما أنها تمتاز بالآنية  نجد بعض القنوات تعتمد عليها للانفراد بالخبر . 

دور مواقع شبكات التواصل الاجتماعي في انتشار اللغة الهجينة: أدى ظهور مواقع التواصل الاجتماعي إلى إدخال تغييرات واضحة على مستوى العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بسبب تسهيل عملية التواصل وتبادل الأخبار بسرعة فائقة، وبما أن اللغة الأكثر شيوعا في دول العالم والجزائر في شبكات التواصل  فهي مهددة بالخطر في ظل ظهور التكنولوجيا مما يستدعي التدخل العاجل باعتبار أن اللغة العربية هي إحدى” المكونات الأساسية في الثقافة وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تستطيع ترجمة ما يجول في ذهن الإنسان من أفكار وخواطر عن طريق الكلام “.  

خطورة تداعيات اللغة الهجينة على المجال الاتصالي الحال في ظل انتشار الصحافة التشاركية : في ظل معطيات التطور ومواكبة التقدم التكنولوجي في البلاد العربية، أصبحت اللغة العربية تتعرض إلى الاضمحلال بسبب انتشار ظاهرة تهجين اللغة العربية في مواقع التواصل الاجتماعي، وساهمت هذه الأخيرة في فقدان الهوية العربية، حيث فقدت اللغة كل معالمها الأصلية و امتزجت ما بين المصطلحات العربية والغربية وما بين العامية حتى لم نعد نعرف معنى الكلمة و بدأ العد التنازلي لانقراض اللغة العربية وهو ما ساعد على تمييع اللغة العربية وفقدان بريقها . 

وللاندماج في هذا المجال الاتصالي الحال في ظل انتشار الصحافة التشاركية لجأ الشباب إلى ابتكار لغة  هجينة جديدة منها التلاعب بالأحرف اللاتينية مكان الأحرف العربية مثل استعمال حرف ” ح ” إلى رقم “7” و حرف ” ع ” الى رقم ” 3 ” و الحرف “خ ” إلى الرقم “5”.  

و أظهرت جميع الدراسات المنجزة في هذا الاختصاص أن نسبة 65 بالمائة من مستخدمي الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي يكتبون بها أين دقوا ناقوس الخطر بسبب تجذر هذه الظاهرة، وتعارض ” فضة إبراهيم ” استخدام هذه اللغة لأنها تؤدي إلى طمس وإضعاف اللغة . 

و منه فمستقبل اللغة العربية في مواقع التواصل الاجتماعي مهدد بخطر واضح. 

لذا لا بدا من وضع إستراتيجية للمحافظة عليها في وسائل التواصل الاجتماعي، فاللغة تتأثر بقوة و ضعف أهلها. 

لغة الصحافة التشاركية و دورها في تحقيق الرسالة الإعلامية : حققت الصحافة التشاركية بلغتها الهجينة الأهداف المطلوبة في تحقيق الرسالة الإعلامية من خلال نقل الحدث بكل أمانة و مصداقية معتمدة على الآنية في الإرسال ومن موقع الحدث وبدون حواجز، وتمكنت في ظرف وجيز من تهديد السلطة التقليدية للإعلام الرسمي، حيث أكد دان غيلمورDan Gillmor  إن ” الأخبار لم تعد محاضرة، بل أصبحت محادثة “. 

و يبدوا أن الثورة التكنولوجية الحاصلة في عالم الاتصال قد مكنت الجمهور من تأسيس إعلام خاص به، خاصة وأنها تطرح قضايا أقصيت من دوائر اهتمام الإعلام الرسمي،  وما نلمسه في مواقع التواصل مثل الفايسبوك وتويتر و …..الخ، اللغة المستعملة وطريقة استخدامها بسبب ثقافة  الأفراد والمستوى التعليمي لهم، إلا أن كل هذه العوائق التي ساهمت في إضعاف اللغة العربية، لم تحد من عملية التواصل.  

في الختام وبالرغم من مساهمة لغة الصحافة في نقل الأخبار وإعلام الجمهور بأسلوب راق إلا أن ظهور صحافة الانترنت بلغة هجينة، بما يطلق عليها بالموجة الثالثة مكنت أفراد الجمهور العادي من تأسيس نظم صحافية جديدة تعددت أسماءها بين الصحافة التشاركية أو صحافة المواطن أو صحافة الجمهور والتي ساهمت  من جهة في تحقيق الرسالة الإعلامية، لكنها أدت من جهة أخرى إلى إضعاف و طمس الهوية العربية والتي تشكل حاضر وتاريخ الأمة بسبب المتغيرات التي عصفت بها، مما انعكس سلبا على اللغة في صورتها صوتا وحرفا وتركيبا. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك