خطوة كبيرة لترتيبات إستراتيجية في المنطقة ولكن؟

صفقة ترمب

بقلم: صالح عوض

قريبا من الهدوء والتعقل وبعيدا عن الانفعالات نفتح الأفق أمام النظر والتأمل لاستكشاف المعطيات التي دفعت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للتصريح السياسي الموسوم بصفقة القرن بخصوص القضية الفلسطينية والى أي مدى سيكون لمآلها التحقق؟ ما الذي دفع الرئيس الأمريكي الى القول”على العرب والفلسطينيين ان يعتذروا عن حربهم على إسرائيل سنة 1948″؟ وما هي حقيقة المعطيات التي استند إليها؟ وفي المقابل ما ضمانات الفلسطينيين والعرب لتجاوز هذا التحدي؟ نطرح هذه الأسئلة لكي نتمكن من تقديم استشراف علمي لمستقبل العملية السياسية برمتها.

بلاشك جاء تصرف صانع القرار الأمريكي ليس فقط مدفوعا من موقفه الاستراتيجي الداعم للكيان الصهيوني، وليس فقط بدافع مصالحه الكبرى في السيطرة على منابع النفط والممرات، فهذا الثابت في موقفه ولكن التطور الجديد جاء من خلال القراءة لما عليه المنطقة من تشتت وفوضى وانهيارات على الأقل ظاهريا.. و هذا ما يفيد بأن تأخره في الإعلان عن هذا الموقف ما كان الا لسبب انتظار توفير المناخ الإقليمي له..

لم يكن مشروع برنارد لويس “المفكر المستشرق اليهودي البريطاني ” حول مستقبل الوطن العربي و المقدم للبنتاغون الأمريكي سوى الإعلان الجديد عن تطور السياسة الأمريكية تجاه الوطن العربي مشرقا ومغربا لتشكيل شرق أوسط جديد يمر بإسقاط الدولة الوطنية وتقسيمها اثنيا وصناعة دائرة الموت والاقتتال الداخلي.

كانت النتائج السريعة تلك التي حلت بالعديد من دول الوطن العربي مغرية لواضع السياسة الأمريكية.. فلقد سقط العراق وهو برسم التقسيم الطائفي والعرقي، وغرقت سورية في بحر من التدمير والموت والقتل، و تمزقت ليبيا بين الجهات و الولاءات الخارجية، وانقسم السودان، ودخل اليمن في حرب مجنونة.. وتمت والاستقطابات المحمومة لاستنزاف ثروات المنطقة.. كما ان التخبط الاقتصادي والأمني والسياسي يلف المنطقة العربية التي فقدت القدرة على التماسك أمام التحديات الجديدة.. وانهار بعضها أمام غواية العلاقة بإسرائيل لضمان استقراره.. فكان لابد من خطوة كبيرة لترسيم الانتصارات فكانت صفقة القرن.

هذا صحيح في ظاهره الى حد كبير ولكنها معطيات جزئية وخادعة ومؤقتة تماما.. فصحيح ان العراق واجه أعتى حملة عسكرية الا انه الحق بأمريكا خسائر فادحة وهاهو حراكه يتجه نحو تكريس الدولة الوطنية كما فعلت أفغانستان بالجيوش الأمريكية التي تبحث بكل وسيلة للهروب، وصحيح إن أذى كبير لحق بسورية لكن مشروع سقوطها فشل كما انها أوقفت زحف الشرق أوسط الجديد.. وبعد حرب بشعة في اليمن يبدو اليمنيون اكثر من أي وقت مضى جدية لاستعادة دولتهم الوطنية بعد ان فشلت الأطراف الإقليمية في صناعة يمن على مزاجها، كما ان الإقليم ودول الجوار ستجد في إنقاذ ليبيا إنقاذا لآمنها القومي..

من جهة أخرى تواجه الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من تحدي على أصعدة متنوعة الاقتصادي والسياسي والأمني والاستراتيجي وفي مواجهة الزحف الصيني ومحاولات روسيا الدءوبة للعودة الى المسرح الدولي بعد ان رممت مؤسساتها الأمنية والإستراتيجية.. بالإضافة الى حجم المديونية الداخلية والخارجية التي ترهق الخزانة الأمريكية وتكبل الإدارة عن التحرك لحروب جديدة..

لا اغفل دور المسألة الشخصية في إعلان ترمب حيث يواجه تهما بالفساد وسوء استخدام منصبه فكان توجهه لكسب الموقف الإسرائيلي جملة احد وسائله لتكسير حدة الهجمة عليه وكسب اللوبيات اليهودية.

في هذه الظروف يطلق ترمب تصريحاته حول تسوية تاريخية للقضية الفلسطينية والتي لا تضيف لسجل العدوان الأمريكي تميزا عن مسيرة الانحياز المطلق للكيان الصهيوني سياسيا وامنيا وماليا بحيث أصبح الكيان الصهيوني جزءا لا يتجزأ من المشروع الأمريكي الكوني..

وليس من فرصة نجاح ولو جزئي لها إلا إذا أبدى الفلسطينيون تفهما أو قبولا فرغم اعلان الإمارات العربية موافقتها ودعوة مصر للفلسطينيين ان يتريثوا قبل الرفض ورغم مواقف بعض الدول العربية غير الواضح إلا أن الأمر اكبر كثيرا من قدرة احد للدفاع عنه فالقدس في دائرة التلاشي الأمر الذي سيفتح جبهات جديدة في وجه أمريكا تمس بعض تحالفاتها في المنطقة.. وعلى الصعيد الدولي أسرع الأمين العام للأمم المتحدة برفضه المبادرة الأمريكية كما إدانتها العديد من المنظمات الدولية.. والأمر نفسه تكرر من قبل روسيا والصين ومعظم الدول الأوربية.. وحتى على صعيد الكونجرس الأمريكي وتجمعات يهودية في أمريكا فلقد أسرع المتحدثون برفضهم هذه الصيغة ولم يبتعد العديد من الشخصيات السياسية والأمنية الصهيونية عن اعتبار هذه المبادرة وصفة خطيرة لانفجار امني كبير في المنطقة.

أما الوضع الفلسطيني الرسمي والشعبي والفصائلي فهو بلا شك يعاني أزماته المتعددة بدءا بالانقسام السياسي الذي أسهم بشكل كبير في تبديد الجهد الفلسطيني وأوقع غزة منفردة تحت طائلة الحرب والحصار وأطلق العنان للاستيطان في أراضي الضفة وتهويد القدس..

ومما ينبغي الإشارة إليه أن اقتناع المستوى السياسي الرسمي الفلسطيني بجدوى العملية السياسية بل وبحصر الكفاح في إطارها أفقد الفلسطينيين كثيرا من أوراق القوة كما انه أسهم في تفسيخ الجبهة الداخلية الفلسطينية ووضع صانع القرار الأمريكي هذا المعطى نصب عينيه وظن ان كل شيء على ما يرام في ظل إصرار السلطة الفلسطينية على الاقتصار على العمل السياسي والدبلوماسي بل والتعاون الأمني مع الأمريكان وحرصها على التنسيق الأمني مع الاحتلال..

وهنا من جديد يتفاجأ الأمريكان بقدرة الشعب الفلسطيني على الضغط على قياداته ودفعها في مثل هذه اللحظات لاتخاذ الموقف نفسه رفضا ومقاومة لأي محاولة من المساس بالقدس والدولة وحق اللاجئين في العودة.. وهذا ما تجلى في اللحظات الأولى التي كان الرئيس الأمريكي يعلن رؤيته حيث اندفع ألاف المتظاهرين في قطاع غزة والضفة الغربية ومخيمات اللجوء في لبنان ولتجد قيادات العمل الوطني نفسها في قلب المظاهرات وفي دائرة الموقف الشعبي الحاسم الرافض للصفقة العدوانية.

المعطيات الوهمية والحسابات الخاطئة هي التي صنعت المناخ الملائم لتورط ترمب وفريقه في مسألة معقدة لا يحلها الحبر على الورق ولا الخطط والأحلام ولا الاستعراض  بل ولا السلاح والصواريخ والحصار  فلقد جربت أمريكا وإسرائيل بكل أدوات الفتك والقتل والمجازر وخلال عشرات السنين بالجملة وقامت بتشريد نصف الشعب الفلسطيني الى خارج الوطن..ورغم ذلك لم يستسلم الشعب ولم يخرج منه من يستطيع التنازل عن أي من ثوابته الوطنية وهذا ما عاد الى تأكيده أبومازن في خطابه الأخير حيث قال: ان ثوابت المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد بالجزائر سنة 1988 لا تنازل عن أي حرف منها.. من هنا بالضبط نستطيع الإعلان عن فشل المقترح الأمريكي بوضوح ذلك لان فلسطين قضية يتداخل فيه المقدس بالاستراتيجي والجغرافيا بالديمغرافيا وعناوين الصراع الحضاري كلها بل والإرث التاريخي بين الغرب والشرق.. فجاءت هذه الوثيقة بلورة لنظرية طرف معادي متهور لا ترقى لمستوى الخديعة.. الأمر الذي سيضيفها الى عديد المبادرات والمقترحات والمشاريع الفاشلة في سجل المنطقة السياسي.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك