خطاب الكراهية…هذا الإرهاب الجديد

محاربته تستدعي تجند المجتمع والدولة

أعادت الدعوة التي وجهها الرئيس عبد المجيد تبون للوزير الأول لإعداد مشروع قانون “يجرّم كل مظاهر العنصرية والجهوية وخطاب الكراهية في البلاد” الجدل إلى السطح، إذ بمجرد ما نزل الخبر عبر وسائل الإعلام عم وانتشر بسرعة البرق فقد جاءت الدعوة مفاجئة للرأي العام وبدت كردة فعل سريعة لملء الفراغ القانوني في هذا الشأن بعد إقالة مدير الثقافة لولاية المسيلة إثر إصداره منشورا على الفايس بوك يحمل اتهامات وهجوما في حق الشهيد رمضان عبان.

وقد تباين موقف المجتمع من هذه الخطوة بين المثمن لها وبين المتحفظ من جدواها وقدرتها على وضع حد لظاهرة أخذت تتنامى بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي في الفضاء الجزائري، لاسيما بعد عام 2011 بعد انطلاق انتفاضات “الربيع العربي” ووجدت في النقاشات السياسية التي أثارها الحراك الشعبي مرتعا لتتغذى فيه.

وبالرغم من أن مثل هذه الظواهر ليست حكرا على الجزائر ولا على محيطها الجغرافي بل عمت جميع المجتمعات التي تأخذ من التباينات اللغوية والعرقية والدينية والجهوية وقودا لتذكية خطاب حقد وعنصرية تتخلله اتهامات متبادلة بين هذه الأطراف أو تلك، إلا أن التصعيد الذي عرفته في السنوات الأخيرة جعل المثقفين والمراقبين وحتى السياسيين يدقون ناقوس الخطر خوفا من أن يمتد تأثيره ليعصف بوعي وطني ورصيد كونته الحركة الوطنية والثورة التحريرية بشق الأنفس ودعمته الدولة المركزية منذ الاستقلال إلى اليوم.

وينطلق بيان الرئاسة الذي أذاع هذه الدعوة من أن هذه الخطوة “تأتي لسد الباب في وجه أولئك الذين يستغلّون حرية وسلمية الحراك، برفع شعارات تهدّد الانسجام الوطني”. بينما يجد المتتبع لبدايات تفاقم خطاب الكراهية والعنصرية أن الحراك كان قد حد إلى حد كبير من وتيرة هذا الخطاب وصداه في الأشهر الأولى بل خلق انسجاما وطنيا مع المطالب السياسية المرفوعة قبل أن يدخل خطاب الكراهية على الخط من جديد عائدا من بعيد ليغذي صراعات كان الهدف منها إضعاف تأثير الحراك وتشتيته والتشويش على أهدافه الأساسية وهي الأهداف التي حملتها عن قصد الأطراف التي لم يكن يفيدها المسار المتخذ نحو التغيير السياسي.

ولأن الجزائر لا تعد مناخا ملائما لصراعات طائفية أو دينية فقد وجد خطاب الكراهية في التنوع اللغوي والثقافي والتباينات الجهوية تربة خصبة لتذكية التراشق العنصري وتغذية الكراهية والحقد بدل استغلالها الإيجابي لخلق تكامل وانسجام وطنيين في ظل التنوع والثراء الذي تحسد عليه الجزائر. وضمن هذا المنحى لم تستغل وسائط التواصل الاجتماعي لتعزيز التفاعل والتبادل الإيجابي بقدر ما استغلتها أطراف كانت مجهولة في البداية ومتسترة وراء مسميات مستعارة قبل أن تطفو على السطح وتخرج للعلن محولة خطاب الكراهية والعنصرية إلى خطاب سياسي صار يتحول مع مرور الوقت إلى تكتلات وفعاليات ميدانية.

ولم يكن التنوع الجغرافي والثقافي وحده هو من يمنح المادة الخصبة لخطاب الكراهية والعنصرية فقد أقحم التاريخ في الموضوع لاسيما تاريخ الحركة الوطنية وحرب التحرير. فقد برزت على السطح في العقدين الأخيرين مذكرات وتصريحات إعلامية لمجاهدين كانوا في مواقع قيادية خلال حرب التحرير،  أعادت إنتاج الصراعات السياسية بين قادة الثورة التحريرية حول النفوذ وزعامة الثورة وهي صراعات بخلفيات سياسية بين أشخاص وعصب للسيطرة على القرار وتوجيه مسار الثورة، إلا أن تلك الخطابات أريد لها في مكان ما أن تلبس في حاضرنا اليوم أثوابا جهوية وإيديولوجية ولغوية وغيرها وصار المجتمع يعيش صراعات الماضي بأدوات صراع لم تكن موجودة في تلك الفترة وإن وجدت فقد كانت معزولة ولا تمثل إلا استثناءات.

ويأتي منشور مدير الثقافة لولاية مسيلة السيد رابح ظريف ليؤكد هذا الواقع فقد جاء منشوره في سياق جدل شخصي بينه وبين المخرج بشير درايس وكلاهما من جيل الاستقلال لكن احتدام الجدل جعلهما يحشدان جميع أدوات المعركة إلى حد أنهما انخرطا في صراعات سياسية تعد من الماضي وأطرافها لم يعودوا أحياء في هذا العالم والأدهى من كل هذا أن هذا الجدل أخذ يوظف باراديغمات مغايرة مرجعيتها تعود إلى الألفية الجديدة.

وبالعودة إلى خطوة الرئيس تبون نجدها تشير إلى وجود إرادة صريحة لإبراز هيبة الدولة أمام ما يمكن اعتباره إرهابا جديدا يتخذ من المنصات والمنابر والوسائط الساحة المثلى للقيام بعملياته الإجرامية أمام فراغ قانوني رهيب اللهم إلا بعض المواد الفضفاضة التي يحتوي عليها قانون العقوبات بهذا الشأن. والجزائر التي تتعاون مع العديد من الدول لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف لا يمكن لها أن تغض الطرف عن المنحى الخطير الذي أخذته الظاهرة التي يمكن أن تمهد على نار هادئة لصراعات داخلية مسلحة بين أبناء البلد الواحد كما هو الواقع في العديد من الدول العربية والإسلامية.

غير أن إصدار القوانين لا يكفي لردع هذه الظاهرة الخطيرة إذ يجب أخذ الأمر على مجمل الجد في مناهج التربية ووسائل الإعلام وخلق فضاءات للنقاش بين المثقفين حول استغلال تنوعنا الثقافي والتاريخي والجغرافي في خدمة بناء وطني متكامل يحترم الاختلاف ويثمنه ويعزز التفاعل بين الجزائريين بعيدا عن أي وصاية سياسية أو أي أجندات داخلية وخارجية.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك