حين عصف فيروس سارس بألف مسؤول

الإعلام في خضم الأزمة

بقلم: الوليد فرج

 

في زمن الأزمة، يقوم الإعلام بدور كبير،في تزويد المجتمع بالمعلومة ،ونقل تطورات و مجريات التعامل مع الأزمة و أخبارها و مستجداتها ،ومع التطور الحاصل في مجال علم الاتصالات ، هناك ثلاثة طرق نموذجية يمكن لوسائل الإعلام استغلالها في التزويد الجمهور بالمعلومة . 

طريقة المرآة العاكسة والتي تتلخص في الاكتفاء بدور نقل المعلومة أو القناعة التي تحددها فواعل ونخب المجتمع في زمن الأزمة ،  وقد تركز وسائل الإعلام على اهتمامات الشعب والمواضيع التي يركز عليها أثناء الأزمة،فتقوم بنشرها ، فتزود بها النخب ، كعملية عكسية من أجل صناعة رأي عام . 

كما يمكن لوسائل الإعلام ،استغلال وانتقاء آراء النخب و عموم الشعب كمادة خامة ، لتحقيق أهدافها و توجهاتها. كما هو ملاحظ عندنا بعض وسائل الإعلام عندنا حيث مجال الرأي الآخر ضيق جدا بل يكاد يكون منعدما .

وفي صورة أخرى تعتمد وسائل الإعلام على طواقمها في تشكيل الصورة و بناء الخبر و الصانع المباشرة للرأي العام ، وهو الهدف التقليدي لوسائل الإعلام التي تسعى دوما لان تكون الآلة التي تصنع الرأي و أداة بثه و نشره .

الثابت أن دور الإعلام لا يقتصر على نقل المعلومة و معالجة الحدث و تطوراتها بل يتعداه إلى صناعة الصورة و ترسيخها من خلال تكوين المعاني ، الأمر الذي عزز دوره و قوة تأثيره ، على هذا الأساس ، يمكننا تفسير البعد المركزي للإعلام في إدارة الأزمة كطرف فاعل و مساهم في مختلف أطوار الأزمة و تطوراتها (التشخيص . وضع الإستراتيجية . رسم الخطط . التنفيذ ) ، مع ضرورة تمثيله في هياكل إدارة الأزمة . و يرى الدكتور محمد خضور أن الأزمة في أساسها ليست أزمة إعلام ،   بل تتعلق بدوره الحساس و الفعال في عملية إدارة الأزمة (الأزمة ليست أساسا مسألة إعلامية و لكن لم يعد ممكنا في ظروف عصرنا تصور إدارة الأزمات بدون إعلام قوي و فاعل و متطور و مبدع . وقد زادت التطورات التقنية و الانجازات النظرية من مقدرة الإعلام على تحمل مسؤوليات أكيدة و للقيام بادوار أهم في عملية إدارة الأزمات) .

لا مناص من تخصيص حيز هام ، أثناء بناء مخطط إدارة الأزمة ، باعتباره عنصرا هاما ، لا يمكن إغفاله أو تحييده ، و أي تهميش له يخلق أزمات هامشية تؤثر سلبا على إدارة الأزمة ، و على فاعلية مواجهتها ، فالخطة الإعلامية الموحدة المحكمة ، من أهم مقومات القيادة الناجحة في التصدي للأزمة بجميع مراحلها (قبل و أثناء و بعد) ، ولا يقتصر دور الإعلام الأزموي في التزود و تزويد الجمهور بالمعلومة و بث الإحصائيات و الأرقام ، بل يتعداه إلى التصدي للمعلومة الكاذبة ، و الإشاعات المغرضة و مواجهة الصورة المشوهة التي تسعى إلى تشكيل رأي عام مضاد لإدارة الأزمة ، لذا يجب على هذه الأخيرة أن تعتمد على أداة إعلامية قوية بعيد عن الصمت و التعتيم و الضبابية ، هذه السلوكات التي تؤدي إلى إرباك الحياة العامة ، و تزيد من  تعقيد الأزمة .

في عام 2003 بعد انتشار وباء متلازمة سارس الخطيرة الذي أصاب الصين الذي لم يكن يمتلك آنذاك مركزا وطنيا يتولى الكشف و الإبلاغ  مكافحة الأوبئة ، ناهيك على النظام الصيني الصارم ، الذي يضفي السرية البالغة على المعلومات المتعلقة بالصحة العامة ، حيث يعتبرها من أسرار الدولة ، فلا يمكن لأي طبيب أو صفحي التصريح أو تنبيه الشعب بشأن أزمة صحية ،  قبل إعلان الجهات الرسمية بذلك ، والتي في الغالب تكون ممثلة في وزارة الصحة ، مع هذا النظام التكتمي لم يكن الشعب الصيني يعلم بانتشار الوباء ، حتى بدأت رسالة قصيرة عبر الهواتف في الانتشار ، تحذر من تفشي (أنفلونزا مميتة) في أوائل شهر فيفري 2003 في مدينة غوانزو ، مما سبب هلعا كبيرا داخل أوساط الشعب التي هرعت إلى اقتناء المضادات الحيوية و أدوية الأنفلونزا من الصيدليات مما أدى إلى نفاذها ، و تحت ضغط هذا التهافت و الهلع الشعبي ، اضطر مسؤولو الصحة في 11 فيفري للإعلان في مؤتمر صحفي عن اكتشاف 305 حالة مصابة بالتهاب رئوي غير نمطي في غوانغدونغ . وقدمت الصين تقريرا بحالات الإصابة إلى منظمة الصحة العالمية . و بعدها تم نشر معلومات حول الوباء في وسائل الإعلام لكن منذ 23 فيفري تم وقف بث أي معلومة حول الوضع الصحي في ظل هذا الوباء ، إلى غاية 04 مارس 2003 تاريخ انعقاد مجلس الشعب الصيني نشرت الحكومة بعض المعلومات القليلة حول الوباء في أوائل أفريل .

في ظل هذا التعتيم الإعلامي كانت متلازمة سارس تحث الخطى في الانتشار مما لفت انتباه وسائل الإعلام الدولية ، فبعد نقل مريض بين ثلاثة مستشفيات مختلفة في مدينة غوانغدونغ مما تسبب في نقل العدوى إلى 200 شخص ، بما في ذلك طبیب من مستشفى زونغشان، سافر الطبیب إلى ھونج كونج ونقل 

العدوى إلى 12  شخص ا في الفندق، ثم نقل ھؤلاء الأشخاص الفیروس إلى سنغافورة وفیتنام وكندا وأیرلندا والولایات  المتحدة .

في منتصف (مارس) 2003 ، بدأت بؤر مرض المتلازمة التنفسية الحادة (سارس) في التفشي في كل من فیتنام وھونج كونج وسنغافورة وكندا. ونتیجة لذلك، أثارت منظمة الصحة العالمیة التنبیھات على الشبكة العالمیة للإنذار و أرسلت بتاريخ 23 مارس  فریقا توصل في 27  (مارس) إلى أن حالات “الالتھاب الرئوي الغیر نمطي الحادّة الوخیمة (سارس)، فأعلنت الصین عن 792 حالة إصابة و31 حالة وفاة . 

ونظرا للضغوط الدولية المكثفة للتعبئة لمواجهة الوباء ، اضطرت الصين إلى الإقرار بتفشي وباء متلازمة سارس ،  وفي نهاية مارس اتخذت سلسلة من الإجراءات على رأسها : 

  • إرساء قواعد جديد تلزم جمیع مسؤولي الصحة المحلیة بالإبلاغ عن عدد الحالات یومیا مع توقیع عقوبات قاسیة  عند عدم الامتثال للقواعد . 
  • تبسیط عملیات التواصل بین الإدارات والتعاون بشأن الأزمة .
  • تشكیل فرق عمل وطنیة وداخل المقاطعات بین الأقسام لمواجھة مرض المتلازمة التنفسیة الحاد ة الوخیمة (سارس) .   
  • تخصیص ما یزید على ملیار دولار لعلاج المرضى ومكافحة الوباء.

في ضوء السياسية الإعلامية الجديدة في إدارة الأزمة، التي اضطرت الصين بالتخلي عن التعتيم الإعلامي ، تم في أواخر أفريل  2003  ، إقالة عمدة بكین ووزیر الصحة الصیني بعد یوم واحد من إعلان رئیس مجلس الدولة الصیني عن عواقب وخیمة للمسؤولین الذین أخفقوا في الإبلاغ عن حالات مرض المتلازمة التنفسیة الحادّة الوخیمة (سارس) في الوقت المناسب وبشكل دقیق ، في ھذا الیوم، قفز عدد الحالات في بكین من 37 إلى 407 . وبنھایة شھر  (ماي)، تمت إقالة أكثر من 1000 مسؤول و معاقبتھم نتیجة “التراخي” في الاستجابة لفیروس سارس .

فبدأ باقي المسؤولین، بدافع الحماسة السیاسیة، في تطویق القرى والمربعات السكنیة والأبنیة الجامعیة، وفرض الحجر الصحي على عشرات الآلاف من المواطنین، وإنشاء نقاط فحص لقیاس درجة الحرارة . 

حتى يتفادى المسؤولون تطبيق مبدأ (اضربو يعرف مضربو) على رقابهم  ، هذا المبدأ الذي سلطته السلطات الصينية على أكثر من 1000 مسؤول متقاعس (على رأسهم وزير الصحة وعمدة بكين) ، لاسيما المتهاونين في الشق الإعلامي في إدارة الأزمة .

فكم من مسؤول يجب ضربه حتى يعرف مضربه (مكانه) والذي سوف يكون بكل جزم خارج المسؤولية .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك