حقيقة الصراعات داخل الثورة

استعملت لتذكية خطاب الكراهية

يدفعنا الحديث عن خطاب الكراهية هذه الأيام إلى محاولة تشخيص دقيق للمواد السامة التي يوظفها رواد هذا الخطاب ومريدوه كسلاح للفتك بالآخر، ففي غياب تأثير التباينات الدينية والطائفية في المجتمع الجزائر لجأ هذا الخطاب إلى استخدام اللغة والعرق والجهوية كأدوات للصراع بينما ظل التاريخ الوقود الأول بامتياز لمعارك الكراهية لاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي.

لذا فبدل أن يحتد التنافس بين الجزائريين حول أفضل تصور للمستقبل أخذ التسابق لحشد أكبر عدد من الأحداث والوقائع من الماضي القريب والبعيد لتوظيفها في صراع سياسي مَرضي وراءه رغبة في تمزيق النسيج الاجتماعي الوطني، فقد تحول النقاش من هدف إيجاد أفضل فكرة أو خطة على أفق الخمسين سنة أو المائة سنة المقبلة إلى نقاش موغل في القدم ليكرس أزمة وعي بالهوية منهِكة للقوى ومصرفة للنظر عن الأهداف التنموية مثل باقي الأمم الطموحة للرقي.

ولأن تاريخ الحركة الوطنية وحرب التحرير عاد هذه الأيام من جديد ليتخذ مطية لإشعال نار الفتنة بين الجزائريين فإنه من الضرورة المعرفية التعريج على حقيقة الصراعات التي كانت قائمة بين قادة الحركة الوطنية والثورة التحريرية وهي التي أصبحت مادة دسمة يستدعيها اليوم مثقفون من جيل الاستقلال مع أن تلك الصراعات على حدتها في تلك الفترة التاريخية لم يكن لها أدنى تأثير على القضية الوطنية ولم تجعل أيا من القادة يحيد عن الهدف الأساسي المرسوم وهو الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية.

بدأت الصراعات حول القيادة مع بدايات الحركة الوطنية واشتدت مع أزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية بعد نفور شباب الحركة من الروح الزعامية لرئيس الحزب مصالي الحاج وهو ما جعل فكرة القيادة الجماعية للثورة تبرز بقوة لاسيما مع اندلاع الثورة في 1954 قبل أن تترك مكانها لعودة صراعات خفية حول القيادة عام 1955 بعد أن عظمت رهاناتها واتضحت ملامحها.

ويذكر علال الثعالبي، وهو الذي رافق جل قيادات الثورة، أن فكرة القيادة الجماعية لم تصمد طويلا أمام طموحات قيادية نشطها ثلاثة أقطاب مهمة مثلها كريم بلقاسم واحمد بن بله ورمضان عبان.

 

من الحراك القيادي إلى الصراع

وقبل أن نستعرض جوانب من المعارك السياسية التي كانت قائمة بين هذه الأقطاب يجدر بنا أن نركز على أن الحركة الوطنية وعند امتدادها إلى حرب التحرير عرفت حراكا قياديا ملفتا للانتباه وفي هذا السياق يمكن أن نسوق أمثلة مدهشة عن هذا الحراك.

ومن هذه الأمثلة أن والد رمضان عبان كان عضوا في الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لفرحات عباس بل كان منتخبا بلديا بالأربعاء ناث يراثن عن هذا الحزب قبل أن يدخل في صراع مع ابنه رمضان انتهى بالطلاق بينهما ومغادرة هذا الأخير المنزل العائلي. وعند تسلم عبان قيادة منطقة الجزائر تواصل مع فرحات عباس نفسه سعيا منه لحل حزبه والدخول في جبهة التحرير الوطني وقد كلفه في البداية بمهمة بسيطة وهي جلب وإيصال الأدوية وهي المهمة التي قبلها فرحات عن طيب نفس وهو الذي كان مسؤولا عن والد عبان من قبل. غير أن فرحات ساقه القدر في 1958 لأن يصبح أول رئيس للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.

ومن جانب آخر فقد كان الحراك القيادي بين الثلاثي محمد خيضر واحمد بن بلة وحسين ايت احمد مثيرا للدهشة ففي عام 1947 عند تأسيس المنظمة الخاصة كان خيضر، المنتخب في البرلمان عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية، هو القائد التي يسدي التعليمات لرئيس المنظمة الخاصة آنذاك حسين ايت احمد الذي كان قد جند بن بله تحت قيادته وعينه ليشرف على المنظمة بالمنطقة الوهرانية قبل أن يتولى بدوره قيادة المنظمة وطنيا بعد إبعاد ايت احمد منها، غير أن الأوضاع القيادية انقلبت عند إقامة هذا الثلاثي بالقاهرة فقد صار لبن بلة دور ريادي في هذا البلد بفعل احتكاكه بالقيادة المصرية وتواصله مع رجل المخابرات فتحي ديب. وهي المعطيات التي جعلت خيضر وايت احمد يلعبان أدوارا ثانوية ويتفرغان للعمل الديبلوماسي قبل أن يسجن الجميع وينتظر قدوم الاستقلال الذي شهد صعود بن بله ليصبح أو رئيس في عهد الجمهورية الجزائرية المستقلة.

 

صراع الأقطاب

كما أشرنا سابقا، يمكن تقديم قراءة منهجية لصراعات القيادة داخل الثورة من خلال مقاربة الاستقطاب التي تعبر عن اختلاف عميق بين ثلاثة اتجاهات على الأقل، وقد برزت هذه الاتجاهات أكثر بعد استشهاد بعض القادة التاريخيين مثل بن بولعيد وديدوش والسجن المبكر لرابح بيطاط.

ويمثل الاتجاه الأول الوفد الخارجي الذي تزعمه بن بله وضم خيضر وأيت احمد ومحساس وبوضياف قبل أن يزاحمه الاتجاه الثاني (السياسي) الذي مثله عبان الذي أرسل له فرحات عباس ولمين دباغين والشيخ عباس ليشكل بهم وفدا خارجيا موازيا أقل التصاقا بالقيادة المصرية، كما ضم كلا من بن خدة وسعد دحلب قبل أن ينضم إليهم العربي بن مهيدي بينما اتخذ الاتجاه الثالث منحى عسكريا تزعمه في الغالب كريم بلقاسم وضم كلا من بوصوف وبن طوبال وأغلب القادة العسكريين في الولايات التاريخية.

 

الشرعية التاريخية في الميزان

ما يتفق عليه المؤرخون أن حرب مواقع ضروسا قد احتدمت بين الاتجاهات الثلاث من بداية الثورة إلى نهايتها، فقد ظل كل واحد منها يبحث لنفسه عن شرعية وجود ومبرر للاستمرار والإمساك بقيادة الثورة في الاتجاه الذي يبتغيه. غير أن أهم الشرعيات المنشودة كانت الشرعية التاريخية، فقد كان ثلاثي الوفد الخارجي ينطلق من شرعية قيادة المنظمة الخاصة وأنه كان من السابقين الأولين للتخطيط لاندلاع الثورة في لقاءات جمعت أطرافه في عام 1953 ورأى هذا الاتجاه، ولاسيما بن بلة، أنه لا يمكن للثورة أن تنجح دون أن تستظل بظل قومي عربي لاسيما وأن ثورة يوليو 1952 قدمت مصر كرائدة للحركة التحررية العربية.

من جانب آخر، كان كريم بلقاسم يستعين بكونه أول مرابط في الجبال منذ 1947 حتى ولو لم يكن من أوائل المفكرين والمدبرين في الثورة بل التحق بمجموعة الستة في اللحظات الأخيرة، إلا أن نفوذه امتد في ما بعد من الولاية الثالثة التاريخية إلى الولايتين الرابعة والسادسة من خلال رجاله من أمثال أوعمران ودهيلس ومحمدي السعيد وعلي ملاح قبل أن يؤسس لتكتل أكبر ضم كلا من بوصوف وبن طوبال ومحمود الشريف وشكل الجميع عام 1958 “الكوم” أو ما سمي بالباءات الثلاث.

أما عبان رمضان الذي كانت يفتقر إلى “الشرعية التاريخية” بالنظر إلى تواجده بالسجن عند اندلاع الثورة فقد استعاض عن هذا العوز بتحالفه مع العربي بن مهيدي، وهو قائد تاريخي، واتصاله بالتيارات السياسية التي وجدت نفسها على الهامش مع اندلاع الثورة مثل حزب فرحات عباس وجمعية العلماء والحزب الشيوعي والمركزيين وفكر في إعادة تنظيم العمل السياسي الثوري والعمل المسلح وشكل المنظمات التابعة جبهة التحرير الوطني قبل أن يذهب بعيدا بتنظيم اجتماع الصومام الذي ضم الاتجاهين السياسي والعسكري في غياب اتجاه الوفد الخارجي وهو ما أثار ردود فعل عنيفة ذهبت إلى حد اتهامه بالانحراف عن مبادئ الثورة الواردة في بيان أول نوفمبر قبل أن يرمى بالخيانة في مواقع أخرى.

سنعود في مقال لاحق بوصف دقيق للصراعات حول القيادة بين هذه الاتجاهات الكبرى من حيث خلفياتها وحيثياتها وبمحاولة فهم مآلات هذا الصراع لما بعد الاستقلال وكيف امتد دخانها إلى اليوم.

احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك