حرية التعبير بين ضوابط إختبار ميلر و حمق العطوي

المقام و المقال في زمن كورونا

 بقلم: الوليد فرج
لا يختلف اثنان حول حق حرية التعبير كحق أساسي ، و قيمة إنسانية ، من قبل التنصيص عليها في القوانين و الدساتير الوطنية و المواثيق و العهود الدولية ، وقد يكون مضمون نص المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية، جاء ملخصا لهذا الحق و القيود الواردة عليه ، فاعتبر حرية التعبير و اعتناق الرأي دون مضايقة، حق لكل إنسان ، باعتبار تحرير النقاش العام بكل وسائله وفي جميع الفضاءات ، أداة من أدوات تطوير المعرفة بين فئات المجتمع ، و وسيلة رقابة فعالة على شفافية الأداء العمومي ؛ غير أن نفس المادة سنت قيود و ضوابط ترجمتها الواجبات و المسؤوليات التي يجب احترامها ، عند ممارسة هذا الحق عند الضرورة ، لا سيما إذا تعلق موضوعها بحماية الأمن القومي، أو الصحة العامة أو الآداب العامة . ناهيك عن احترام حقوق الآخرين و سمعتهم .
إن كانت القاعدة العامة في التعبير هي الحرية و الاستثناء التقييد ببعض الضوابط المحددة حصرا ، في جل التشريعات الدولية (عدا ما أقرته المحكمة العليا الأمريكية في اختبار ميلر كما سنرى لاحقا) يعتبر تكييف حرية التعبير و الرأي ، مع حيثيات الحدث و كنهه ، أخلاقيات حرية التعبير ، فبين العلم بالمعلومة و الإعلام بها و تحليلها و فتح النقاش حولها ، تتمظهر أخلاق المُعبِّر و تتجسد نية تعبيره ، فليس من الأخلاق أن يُناقش ثمن الذخيرة و وفرتها او مقارنة العصا بالسيف وطيس المعركة محتدم ، أو إثارة موضوع هو صحيح في أساسه ، لكن ذكره في غير مقامه ، يلحق بصاحبه وصف الأحمق المغفل .
دخل عبد الرحمن بن محمد العطوي الشاعر العباسي المعتزلي ، على مريض وهو يصارع سكرات الموت ، في النزع الأخير ، فقال له : يا فلان قل لا إله إلا الله ، و أن شئت قل لا إلهًا إلا الله . والأولى أحب عند سيبويه و عليها مذهب نحاة أهل البصرة . و يكفي العطوي نديم الخليفة المتوكل أن قصته أوردها بن الجوزية في كتابه : أخبار الحمقى و المغفلين .
إن البحث عن عدد إتباع العطوي بيننا اليوم ، قد يكون أكثر من عدد ضحايا فيروس كورونا ، فعدوى العطوي القادر على حك قفاه بلسانه انتشرت مع انتشار وسائل الإعلام و سهولة الوصول إليها فأطلق العطوي لسانه دون ضوابط أخلاقية في زمن هذا الوباء الذي نزل على الإنسانية ، فطورا يقارن مالا يقارن ، بحشده السطحي لأرقام و إحصائيات و مقدرات و إمكانيات لدولة كأمريكا و يقارنها بنا و بما بذلته الجزائر وطورا يشجب ماليس المقام يسمح لشجبه ، و طورا يتمظهر بالحذق العارف بجعجعات إنشائية موزعا أحكامه القيمية على الطائر و الزاحف مزهوا بعدسات الكاميرات ، و بريق البلاطوهات التي في الغالب يديرها متبطل سابق لا يعرف للموضوعية طريق و لا لأدوات الحوار و النقاش اساس و لا دثار ولا نِجار .
إن الوضع والبيئة الفكرية التي وجدنا فيها فيروس كورونا ، تجسدها هذه السطحيات التي تعتبر واحدة من أسباب سرعة انتشاره ، و ما هذه الرطانة العقلية و السماجة القولية الا فيروسا آخر ينخر سلامة العقل الجمعي للمجتمع ، لذا كما قلنا آنفا أن لجم العطويين في جل دولة العالم كان حول مواضيع محددة حصرا ، جلها يتمحور حول مسائل دينية أو العرق أو الميول الجنسية ، غير ان الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر مضرب مثلا للعطويين ، أقرت المحكمة العليا فيها ضوابطا مطاطة لحرية التعبير ، وقيود مفتوحة على التأويل لتوسيع دائرة الآجام ، باعتمادها ما يسمى باختبار ميلر الذي بدأ العمل به سنة 1973 والذي يرتكز على ثلاثة مبادئ ، ان خرج التعبير  بكل أشكاله عن إطارها ، يعتبر تعبيرا مجرما ، وهي وجوب تلقي الغالبية الشعبية للتعبير بالقبول . احترام القوانين الجنائية المختصة السارية المفعول . والجدية و في التعبير فلا يكن ان يكون التعبير الغير جدي مجرما وعلى خلاف جل الدول الأوروبية لا يعتبر في أمريكا إنكار الهولوكست جريمة ، و زاد التضييق على حرية التعبير بعد سن قانون PATRIOT Act بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 الذي أجاز للسلطات الأمنية التنصت و التفتيش دون إذن القضاء ، وتبقى الملف المرعب لقضية محاولة الرئيس الأمريكي جورج بوش لقصف المقر الرئيسي لقناة الجزيرة حسب  ما نشرته صحيفة الديلي ميرور البريطانية في نوفمبر 2005 يطرح عشرات الأسئلة حول حرية التعبير داخل عالم الأحلام .
اليوم ينعم عندنا العطوي بحرية مطلقة ينطق في رحابها بين القنوات و الدولة الجزائرية تبذل النفس والنفيس لمجابهة فيروس كورونا في حين دولة عظمى كبلجيكا اعلنت الطوارئ على انعدام كمامات الوقاية مع فضيحة استيراد حمولة كاملة تعين أنها كمامات جراحة وليست كمامات الوقاية الموصى بها في مثل هذا الظرف ، يا العطوي…

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك