جمالية المحادثة في لوحات الرسام الأمريكي فريدريك أرثر بريدجمان Frederick Arthur Bridgman

الجلسات النسائية الجزائرية في الفن التشكيلي

ليليا عثمان الطيب أستاذة جامعية ـ جامعة الجزائر02 ـ

هناك مثل إيطالي يقول: ” نستطيع رسم زهرة، لكن من أين نأتي بالرائحة”، وبالتأكيد أن هذا المثل صحيح لكن يجب أن لاننسى أن الرسم هو لغة العاطفة فالكثير من اللوحات رغم أنها جامدة يمكن أن نسمع أصواتها تماما كما نرى مضمونها.

تملك الجزائر تاريخا ثقافيا عريقا ألهم العديد من الفنانين حول العالم خاصة أن الحياة اليومية الجزائرية في الماضي كانت تعبر عن تراث سكانها وهويتهم، ومن بين المواضيع التي حركت ريشة الرسامين العالميين وتحديدا المستشرقين في الجزائر هي الجلسات النسائية فالصورة النمطية التي نعرفها عن الجلسات النسائية أن أغلبها تدخل تحت مايسمى ” الثرثرة” إلا أنها في الفن التشكيلي ظهرت في قالب ثقافي يعبر عن أصالة الجزائر وتفردها الثقافي،ومن أهم الرسامين العالميين الذي تطرق لهذا النوع من المواضيع الرسام المستشرق الأمريكي فريديريك أرثر بريدجمان ( frederick arthur bridgman  ) 1847 ـ 1928 الذي أبهرته الجزائر منذ رحلته الأولى إلى شمال إفريقيا سنة 1872 ، وقد استعان بالمرشد بلقاسم الذي فتح له أبواب المساكن الجزائرية ليكتشف الفنان الحياة اليومية للجزائريين ويصفها قائلا : ” هنا لدينا كل مزايا الحضارة مع مايكفي من الصور لأشخاص بغرض رسمهم “، وفي حديثنا عن لوحاته يجد الناظر إليها متعة بصرية تشده إلى ذكريات الأجداد وتمسكهم بالشخصية الجزائرية سواء من حيث اللباس وهندسة المعمار ودفء الألوان .

تصور لوحات بريدجمان الغرفة الجزائرية بشكل خاص والمنزل الجزائري التقليدي بشكل عام حيث تجتمع النسوة للحديث والتنفيس عما يدور في خاطرهم، ففي البيوت التقليدية كل تجربة جسدية تكون مستثمرة إنه مليء بالروائح فهو نوع من جسد لاعضوي للانسان على حد قول ماركس يحميه من البيئة الخارجية ويشجع على حيوية الأسرة أو المجموعة، وقد كتب غاستون باشلار صفحات جميلة عن المنزل فهو في نظره: ” أحد أكبر قوى الدمج بواسطة الأفكار والذكريات وأحلام الناس، إنه يستبعد الحوادث الممكنة ويضاعف مجالس الاستمرارية، وبدونه سيكون الانسان كائنا مبعثرا “، فهو مجال حسي متميز ملائم لنمو الخيال و لإقامة الألفة الأكثر سعادة، لذلك نرى في لوحات بريدجمان صور رمزية للثقافة الجزائرية في الجلسات النسائية من حيث اللباس أولا فاللوحة الأولى تجمع للباس التقليدي لمنطقة الشمال والجنوب في الجزائر حيث تظهر النساء في كامل أناقتهن محافظات على حرمة المكان، أيضا تظهر إحدى النساء وهي تعزف على ألة العود والنسوة يستمعن إليها وكأن الرسام يشير إلى أن الجلسات كانت ذات طابع ثقافي وليست مجرد ثرثرة فقط، وهذا مايؤكده في اللوحة الثانية أيضا حيث نجد ألة موسيقية موضوعة بجانب إحدى النساء فالرسام أراد أن يجسد جمال الجزائر ومظاهر الحضارة فيها من خلال لباس النسوة وتصميم البيوت الهندسي الذي تظهر أروقته واسعة ومزينة بالورود والنباتات كما تظهر في اللوحة الأولى نافذة تطل على المكان الخارجي حيث تظهر الأشجار الخضراء والسماء الصافية وكأن الرسام يشير إلى أن جمال الداخل المغلق(المنزل) هو امتداد لجمال الخارج المفتوح (الشارع)، ويظهر في اللوحتين أيضا أطفال جالسون بجانب أمهاتهم فأحاديث تلك النسوة فيها من المتعة والتسلية مايشد الأطفال لسماعها خاصة مع وجود الآلات الموسيقية مثل العود والدربوكة(الطبل)، وتبدو ملابس الأطفال نظيفة ومرتبة وهذا دليل على حرص الأمهات على المظهر الحسن لأنفسهن وأولادهن أيضا، كما تظهر النسوة بوجوه جميلة مشرقة كالشمس يستمعن بسعادة لبعضهن البعض، هذه الجلسات هي التي تعلمن منها قصص القدماء من خلال حكايات الجدة وحفظن منها الأغاني الشعبية المأخوذة في كثير  من أحيان عن قصص حقيقية، كما تجدر الإشارة إلى الألوان الدافئة في اللوحتين والمتناسقة التي تعبر عن حب الشعب الجزائري للسلام والهدوء .

لقد صرنا اليوم نفتقد هذه الجلسات التي كانت في العادة تحدث في وقت مابعد العصر، فاليوم أصبحن نجتمع مع شاشات الحاسوب والهاتف أكثر مما نجتمع مع  العائلة بل والأسوء من ذلك أن البعض صار يقدم التعازي والمواساة من خلال منشور في مواقع التواصل الإجتماعي فالحزن لايتلاشى بالكلام بل بتقديم التعازي حضوريا ليشعر أهل الميت بأن هناك من سيعوض غياب الأحبة، لذلك تمثيل الجلسات النسائية في اللوحة الفنية ليس مجرد نقل لروتين حياة يومية فهؤلاء النسوة المجتمعات هن السند لبعضهن البعض في السراء والضراء مما يعزز في تقوية الروابط الاجتماعية وبالتالي تثبيت أسس وبنية الدولة ، فجمالية المحادثة كثراء فكري ومعرفي يلخص به بريدجمان ملامح الحضارة الجزائرية العريقة وقتها .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك