جريمة انتهاك أحكام الدستور

رؤى دستورية

بقلم: الوليد فرج

لست أريد تتبع ما أتت به وثيقة مشروع الدستور المزمع تعديله، حذو القدم للقدم ، بسبب سابق حكمنا على مشروعية لجنة السيد لعرابة ، – فيقال انتهكت قاعدة ما بَطُل شكلا بَطُل بالضرورة موضوعا – وكنت قد بينت الرأي فيها من خلال مقال في جريدتنا الغراء هذه تحت عنوان : السيد لعرابة و المهدي المنجرة، حيث بسطنا قصته مع رفضه المؤسس للطلب الملح لصديقه الحسن الثاني بترأس لجنة إعداد دستور للمملكة رغم الإغراءات التي وصلت إلى منصب رئيس وزراء ، لكن المهدي المنجرة عالم المستقبلات حسن الذكر بقي مصرا على رفضه للمهمة التي كان يرى بعدم مشروعيتها عكس السيد لعرابة الذي قبل بالمهمة مرارا و مجانا.

قد يكون تقديرنا للظرف الاستثنائي الذي جاء فيه هذا التعديل الدستوري ، المرهق بالتغاير السياسي و المفعم ،و المثخن بالرفض، و العتاب الاجتماعي الحاد لكل ما هو عمومي ، ولد في كثير من الأحيان جرأة سياسوية لبعض النابتة (المبتدعة) في ميدان السياسة ، أربكت أحيانا المشروع الطموح أبدى عزم رئيس الدولة على بدء تنفيذه ، ورغم بقاء تلك الأصوات كطلقات نارية في الهواء ، إلا أن بعض المستعجلة منهم المستلبة عقولهم لأفكار غريبة زلّت إقدامهم  فالبعض منهم زج بنفسه في غياهب السجون .

لهذه الأسباب قررت أن لا أفتح باب النقد و الدراسة على مصراعيه (كنت قد حضرت نموذج دستور كاملا) و اكتفي الآن بتناول ما أغفلته المسودة من أمهات المسائل الدستورية مثل التي تناولناها البارحة المتعلقة بالاستفتاء الشعبي على ولاية الرئيس و عزله .

أثير في هذه العجالة مسألة دستورية لا تقل أهمية عن سابقتها و تتعلق بجريمة انتهاك رئيس الدولة لأحكام الدستورية .

الحق أن قلة من الدساتير التي تناولت جريمة انتهاك أحكام الدستور ضمن نصوصها تصريحا او تلميحا ويمكن حصرها في الدستور اللبناني 1926 و الدستور اليمني لسنة 1994 في مادته 128 التي نصت على : (يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى او بخرق الدستور ..) و ما نص عليه الدستور العراقي لسنة 2005 في مادته 58 بالقول :(إعفاء رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب ، بعد إدانته من طرف المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الحالات الآتية : الحنث في اليمين الدستورية ، انتهاك الدستور ، الخيانة العظمى ..) كما نجد أيضا  الدستور الفلسطيني في مادته 90 نص على : (اتهام رئيس الدولة بالخيانة العظمى أو بخرق الدستور ..) . غير ان بعض الدساتير اكتفت بالتلميح في بعض موادها بإشارات ذات دلالة قريبة من معاني هذه الجريمة كما هو الحال في المادة 76 من الدستور الصومالي 1975 المعدل اذ نصت بالقول بجريمة التآمر على النظام الدستوري . والدستور اليوناني1975 في مادته 49 التي تحدثت عن المخالفة العمدية للدستور .

وصفوة القول أن جريمة خرق و انتهاك أحكام الدستور يمكن أن تثار في مواجهة رئيس الدولة حال انتهاكه المعتمد لقواعد الاختصاص و الشكل أو الإجراءات الدستورية ، كما لو أقدم رئيس الدولة على ممارسة صلاحياته الدستورية بعيدا عن تلك الأشكال و الإجراءات المقررة دستوريا أو عند مخالفته لقواعد الاختصاص الموضوعية غير أن ذلك لا يعني مجرد إقدام رئيس الدولة على إصدار قرارات مخالفة لقواعد الشكل أو الاختصاص يثير مسؤوليته الجنائية ، فتلك الجريمة لا تحرك إلا إذا أصر رئيس الدولة على مخالفته الدستورية بعد القضاء بعدم دستوريتها ، لأنه بعد ذلك يكون قد تحقق الركن المعنوي لتلك الجريمة و المتمثل في القصد الجنائي بعنصريه العلم و الإرادة .

تقوم جريمة انتهاك أحكام الدستور أيضا عندما يقبل رئيس الدولة على التعليق بالعمل بأحكام الدستور أو بعضه تعليقا واقعيا مؤقتا أو دائما خارج أحكام و الشروط التي يفرضها الدستور .

يبقى النطاق الزماني لمسؤولية رئيس الدولة الجنائية ينحصر في ثلاث حالات ترتبط سببيا بتفعيل الحصانة الإجرائية كعائق لتحريك الدعوى العمومية تجاهه .

نتناول في قادم مقالاتنا هذه الحالات لا سيما حالة ارتكاب رئيس الدولة لجريمة متصلة بوظيفته أثناء ولايته الرئاسية .

فبماذا أتى مشروع الدستور الجزائري في هذه المسألة ؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك