صالح عوض. في تحليل جديد، جاء وقت الاستبدال الحضاري.. لا وقت للعبث

 بقلم : صالح عوض

عبثا ما يفعله ماكرون و ترمب وسواهم ممن يوغلون في اليمين المتطرف يفسدون حياة البشر وينشرون الكراهية بعنصرية بغيضة.. إنهما عنوان لانهيار القيم الإنسانية يعبران عن مرحلة عصبوية انفعالية تستهين بمقدسات البشر وبعقولهم وحقوقهم وحرياتهم ليغطيا عجزا رهيبا في إدارتهما لحقوق مواطنيهم.. ورغم ذلك فالإنسان أخو الإنسان، والبشرية أسرة واحدة، وهي ميدان تنافس الأفكار والمناهج في تحقيق الأخوة الإنسانية، أو العكس، والإسهام في رفع الغبن عنها أو تكريسه..

لقد أخذت الإمبراطورية الرأسمالية ويمينها -كما الشيوعية وتطرفها- فرصتها كاملة، ولقد تمددت بقوة السلاح لتشمل الكرة الأرضية، وهاهي تنحسر إلى داخل حدودها، تتلاشى مثقلة بالديون والهموم والمآسي، ليتحسس الضمير الإنساني البديل وهو يكتشف أن آخر ما يهم الرأسمالية صحة الإنسان وسلامه..

الموقف الأيديولوجي:

يقف قادة الإمبراطوريات المعاصرة موقفا إيديولوجيا من الصراع الكوني، والايدولوجيا لديهم هي خليط من السياسة والثقافة والخصومات ولكن الجوهر في هذا كله الربح والمال والتسيد على العالم.. وتبرز المصالح الاقتصادية او الدوافع السياسية او الإيديولوجية حسب طبيعة المعركة وأطرافها.

ويبدو من تصريحات صناع القرار والموقف والفكرة في أمريكا التساهل في أي صراع وإحالته إلى إدارة تجعل من مفردات الاقتصاد او المصالح السياسية وسيلتها في التحليل او الرواية،كما يتم شرح الصراع الرأسمالي الشيوعي ولكن يبدو أن هذا المنطق يتبخر عندما يكون الحديث عن الإسلام والأمة الإسلامية، فهنا تطل رؤوس القادة الصليبيين الذين دشنوا الحروب في محاكم التفتيش في الأندلس وفي غزو بلاد الشام ومصر والجزائر..

في الحديث عن هذه الدائرة دائرة العرب والمسلمين تتغير المفردات والمفاهيم و يصنع قاموس من المصطلحات ولا يرى أولئك المفكرون والمنظرون خصما للإمبراطورية الأمريكية إلا الإسلام والحضارة الإسلامية رغم ما ينتابها من انهيار وتشتت.

ومنذ بداية أفول الإمبراطورية السوفيتية بدأ هنري كيسنجر بريجنسكي ريغان وبوش الاب والابن وهم يمثلون طبقة سياسية تظهر قناعتها بأن الخطورة قادمة من القارة المتوسطة حسب تعريف كيسنجر وهي البلاد التي يعيش فيها الآن مليارا مسلم.. ومن هنا جاءت فلسفة صموئيل هنتنجتونتكون الصراعات القادمة صراعات “حضارية”، بمعنى أن يكون الصراع على سبيل المثال بين المسلمين ككل وبين الغرب ككل، باعتبار أن العالم الإسلامي رغم الاختلافات داخله إلا أنه يصدر عن ثقافة وحضارة واحدة وكذلك الحضارة الغربية المسيحية” وجاء برنارد لويس يرسم الخرائط ويوزع المناطق على اثنيات وجهات في ضربة استباقية تشل الأمة العربية والإسلامية وقد وضعت الخطة قيد البحث السري في الكونجرس الذي تبناها ورفعها للبنتاغون لإنزالها في برامج وخطط.

ومن هنا لابد من كشف حقيقة الحضارتين وجوهرهما ذلك لان الصراع بينهما مقرر من قبل الإدارات الاستعمارية، و حتى لو تأخرت المواجهة المتكافئة فليس سوى العرب والمسلمون من يمتلك أن يكون بديلا حضاريا.

صحيح أن اللحظة الراهنة مثقلة بالتعب والهزائم والخيبات ولكن أعمار الأمم لا تقاس بمرحلة هزيمة، فمادامت الأمة تكتنز كل تلك القيم المعنوية فإنها قابلة في ظروف أخرى وباشتراطات أخرى أن تتقدم لتحقيق انتصارات عندما تولد أفكار تصنع تماسك المجتمع، وتركب النموذج الحضاري.

خصائص الإمبراطوريات:

لن نعرض للحروب الصليبية التي استهدفتنا في المشرق العربي وفي الأندلس لأنها حالة مغرقة في التعصب والتخلف اختلطت فيها المعاني الإيديولوجية المغلقة مع جنوح للتمدد والهيمنة وهي منبوذة في الفكر العلماني الغربي اليوم على اعتبار أنها القرون الوسطى وما تحمله من دلالات دينية.. ونكتفي بالنظر الى إمبراطوريات الشمال من الإمبراطورية الرومانية إلى الأمريكية مرورا بالفرنسية والبريطانية والسوفيتية نلاحظ انها تشترك في جملة عوامل ترتكز جميعا على البعد المادي وتضخيمه على حساب القيم والبعد الروحي للإفراد والمجتمعات وهذا يعني بلغة الاقتصاد جعل الربح هو محور المناشط جميعها والمسوغ لها..

 نلاحظ العبودية والاستعباد كمرافق طبيعي في الولادة والممارسة لفلسفة الرأسمالية والشيوعية سواء.. ففي الدولة السوفيتية كان الجميع عبيدا لنظام الدولةالحزبولا يختلف شأن العبد عن المواطن السوفيتي في شيء فهو يعمل في آلة حددت له خطواته ولقمة عيشه بل وأحيانا في عدد أبنائه كما هو في الصين وكذلك هو الحال في ظل النظام الرأسمالي ورغم كل ما بذله من التجمل إلا انه صورة عميقة عن الاستعباد والعبودية ليس فقط العبودية بمعناها القديم كما حصل في جلب ملايين الأفارقة إلى أمريكا عن طريق أوربا.. إنما بنمط حديث حيث المصنع والشركة والوظيفة والبنوك والقروض وهنا يتم إدخال الإنسان في دوامة الرأسمالية عبدا لا يستطيع الفكاك منها وفي ظل هذا النظام الاقتصادي المستبد تولدت شبكة علاقات جديدة نزع منها عنصر التراحم الذي استبدل بعنصر الخوف من القوانين التي جعلت لمزيد من التنمية المالية الضخمة لكبار رؤوس المال في أمريكا وأوربا وللحزب الحاكم في السوفييت وان كانت الولايات المتحدة قد قفزت كثيرا بعيدا عن نمطية الدولة الى الحكومة السرية التي تسير كل شيء لصالحها بما فيه الدولة للاشتباك مع قوى خارجية لتوفير شروط إضافية للنهب والسرقة حتى من الدولة.

 سمة إفناء الآخر هي سمة أصيلة في إمبراطوريات الشمال فمن الأمريكان البيض في الولايات المتحدة وما فعلوه بالهنود الحمر وبعد ذلك ما فعلوه بالأفارقة وما فعلوه مؤخرا بالعراق وأفغانستان.. وعلى خط آخر ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس ودول افريقية عديدة الى ما قام به الانجليز في الهند وما قام به الروس في القوقاز والجمهوريات المتنافرة.. وما قام به البيض الانجليز ضد الأفارقة في جنوب إفريقيا وفي النهاية الكيان الصهيوني وهو مشروع غربي في منطقتنا وكيف قام بعملية واسعة من التطهير العنصري في فلسطين..

لقدكانواضحاانلاتعايشبينالزحفالإمبراطوريوالشعوبالمستضعفةفكانالقرارالاستعمارييقضيبإفناءأهلالدياربكلوسيلةبالقتلوالتدميروانلميكنذلككافياللقضاءعليهميتركواالبقيةمنهمفيجهلوتخلفوجوعوبؤستحتوطأةنظامعنصريموغلفيالهمجية.

   تعليب الأفكار وتنميطها، ومحاصرة النشاط الذهني، ووضع خطوط حمراء أمامه، لكي لا يخرج عن إطار تعزيز الأوضاع القائمة بشتى السبل.. هذا جهد حاسم تبذله الإمبراطوريات المعاصرة.. وانسحبت في ظل ذلك معايير الحق والعدالة والإنسانية والديمقراطية الحقة.. ورغم ان هذه المعاني هي شعارات رافقت الثورة الصناعية والتكنولوجية إلا أنها مصطلحات محددة بمفاهيم خاصة فالديمقراطية مقبولة بشكل ما في مكان ما ومرفوضة في آخر، والعلمانية مقبولة في مكان مرفوضة في آخر وهكذا لا نجد ضابطا ولا رابطا للمصطلح.. إنما هو الاستخدام الانتقائي حسب المصلحة الخاصة بفئة من البشر.

 التطرف في الصناعة الحربية وأدوات الفتك و القتل.. ففي حين تقف المؤسسات الرأسمالية عاجزة، كما يبدو عن إنتاج علاج لوباء يفتك بالمجتمعات، تتقدم الموازنات الضخمة في مجال التصنيع العسكري والتضخم فيه.. ومن أبشع ما جاء مع هذه الإمبراطوريات المعاصرة تطور أدوات القتل واستخدامها لاسيما السلاح الاستراتيجي كالقنابل الذرية والصواريخ الفتاكة التي أودت بحياة ملايين البشر. ولا زال هذا القطاع الأساسي من النشاط يحظى بأهمية بالغة.

عند سقوطها كما في الإمبراطورية السوفيتية والفرنسية والبريطانية وقبل ذلك الرومانية لا تبقى منها إلا آثار من حجارة أو أوضاع مهشمة ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وصفحات مشينة من التاريخ في البلدان التي كانت تقع تحت سلطتها، فمثلا الشيوعية لم يبق منها إلا صفحات مكتوبة في التاريخ، ولم يبق من الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية إلا مطالبات الشعوب بضرورة الاعتذار.

رغم كل البربوغندا المرافقة للإمبراطوريات والتي يخصص لها موازنات ضخمة إلا أن طريقة التعامل مع الإسلام تكشف زيف الديمقراطيات وحقوق الإنسان والعلمانية  والحريات الشخصية في الإمبراطوريات المعاصرة  وكذلك فان فلسطين تفضح خداع السياسات الغربية وشعاراتها بحق تقرير المصير ورفض العدوان والدفاع عن حقوق الإنسان.

من الواضح أن النقاش هنا يجعل النظام الاقتصادي وأدواته السياسية والعسكرية محل التقييم والدراسة ولا ينسحب على المواطن الذي اتجه في ظل هذه الصرامة المادية والشركات الريعية أن تنضبط فيه قيم ومفاهيم مثل العمل والوقت والاستقامة والجدية والإنسانية والعمل السياسي والإداري المتطور وهذه قيم عظيمة يتحلى بها المواطن الغربي ومؤسسات اجتماعية وطبقة من المثقفين الغربيين الذين يدافعون باستبسال عن القيم الإنسانية وعن حقوق الإنسان والقضايا العادلة.

خصائص حضارتنا:

نلجأ هنا إلى العديد من المؤرخين الغربيين المنصفين البعيدين عن الدوائر الاستعمارية، فلقد أصبحت المكتبة التاريخية تعج بالدراسات العميقة والتي تشترك جميعها في إبراز الحضارة العربية الإسلامية على حقيقتها الإنسانية العليا.

من الملاحظ أن ارض الدولة الإسلامية تزيد عن أي ارض حوتها إمبراطورية سواها، وان تنوع الشعوب التي انضوت في ظل هذه الحضارة لم يتوفر لسواها من الحضارات.. كما أن الفترة الزمنية التي عاشتها قوة القطبية الإسلامية لم تتسن لسواها من الإمبراطوريات السابقة أو اللاحقة..

 بعد سقوط النظام السياسي في بلاد المسلمين وانتصار الغزو الاستعماري عسكريا لم تزل أي من حقائق الأمة بدءا بالدين واللغة والمشاعر الواحدة، و رغم أن العرب انطلقوا من الجزيرة العربية فهم اليوم ينتشرون من إنطاكية إلى تطوان أمة بلسان عربي مبين تفتخر به وتدافع عنه وتجعل منه مرتكزا لوحدتها كما ان هذه اللغة لها قداسة خاصة في كل بلد وصل إليه الإسلام.. أما الثقافة الإسلامية فهي لم تنسحب ولم تسقط مع سقوط النظام السياسي بل ظلت حاضرة بقوة ولم يتراجع أهل ديار وصلها الإسلام عنه بعد سقوط الدولة الإسلامية.. ومن المعلوم كما يفيد كل المؤرخين المنصفين انه لم يحدث قط إرغام للناس على الإسلام أو التعريب ولكنها تلقائية من اقتنع وامن بالإسلام وهذا ما يفسر عدم تراجع أي منطقة عن الإسلام والعربية والأندلس استثناء حيث ان الذي تم هو إجلاء  بالسيف ومحاكم التفتيش لكل من يشك فيه على انه مسلم.

 كانت الحضارة الإسلامية حضارة وسيطة جمعت الإرث البشري ونقلته للبشرية بعد أن ترجمته وهذبته ولم تشيطنه ولم تحاصره بل أنفقت عليه وهيأت له جيشا من المترجمين وانصرف لمناقشته أفذاذ العلماء بإنصاف ومن ثم نقلوه إلى الغرب الذي كان يغرق في حبال الكنيسة والإقطاع.. ولقد كان التطور في الحضارة الإسلامية جهدا متواصلا للتطور في توحد تام بين القيم والسلوك أي بين الغيب والشهادة.. ولم يحصل انفصال بينهما في بناء الحضارة والإنسان وهذه خاصية لازمة للحضارة الإسلامية.

  للحضارة الإسلامية صلة وثيقة بكل الأماكن التي وجدت فيها، فكل الشعوب التي انضوت تحت رايتها حتى من غير المسلمينالنصارى واليهود بل والزنادقةتمتعت بكامل حريتها وحقوقها في حرية المعتقد والممارسة.

  رغم سقوط الحضارة الإسلامية وتشتت البلاد العربية والإسلامية إلا أن الأمر يبدو انه لم يتجاوز السطح حيث بقيت الأمة بكل طاقتها وضميرها لم تستبدل الإسلام بأي منهج آخر.. وهي تلبي أي صيحة للوحدة والنهضة والكفاح من أجل فلسطينها وحريتها.

الخطوة الحقيقية:

حتى لو لم نرد على المواقف الاستعمارية، ولا نعطي أي إشارة عن فهمنا لمخططهم، فإن صناع القرار في أمريكا يوجهون سياسة الدولة إلى مزيد من تحطيم مفاصلنا وهتك أعصابنا في العراق وأفغانستان وايران وسورية وفلسطين واليمن وكل ساحات الاشتباك.. إنهم يتحركون وفق رؤية أيديولوجية منزلة في برامج.. وان العدوان على بلد عربي وعدمه على بلد آخر لا علاقة له بسلوك نظام البلد العربي وحكمته إنما بتوقيت ضمن الخطة الاستعمارية حسب رؤية برنارد لويس.

وفي مواجهة هذه الإرادة الصلبة لديهم لا نملك إلا إن نغادر دوائر الانزواء المفروضة علينا في الدول القطرية والاقتصادات الجزئية والفوضى الإدارية.. وهكذا تبدو أي محاولة للتنمية والنهضة في بلداننا دون أن يكون ذلك وفق توجه تكاملي بين بلداننا إنما هي محض عبث وإضاعة وقت.

وهنا من المفيد أن نضرب مثالين الأول ما تواردته الأخبار عن مذكرات هيلاري كلينتون حيث أفادت أن أطنان الدهب الليبي هي من أغرى ساركوزي رئيس فرنسا بإسقاط القذافي، وهنا نتساءل كيف يعتقد الحاكم العربي أنه سيحمي ثروات بلاده بدون قوة؟ وأي قوة سوى الوحدة!!؟ والمثال الثاني هل معقول ما كنا نشاهده قبل مرحلة كورونا من حركة الأساطيل الجوية العربية في شمال إفريقيا نحو المدن الفرنسية في مقابل ندرتها نحو المشرق العربي؟؟

إن هذين المثالين يكشفان إلى أي مستوى بلغت اللامسئولية عندنا؟ وما يجب أن نعرفه إن أي دولة من دولنا لن تستطيع الصمود طويلا فيما لو فرض عليها حصار اقتصادي أو عقوبات ما لم يكن هناك تكامل عربي.. ليس أمام دولنا إلا التكامل والتعاون والمبادرات الحقيقية والتوعية بأهمية ذلك لشعوبنا والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك