“ثقافة الدولة” ..أسئلة عن المفهوم والفاعل

مطارحات

بقلم د.محمد مرواني /أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

جزء من حالة التخبط الذي واجهته على مر عقود وسنوات مؤسسات الدولة خاصة في فهم واستيعاب حركة المجتمع عبر مختلف فئاته وما تؤسس له اللغة المطالبية من حركة ضغط على السلطة ونظام الحكم السياسي راجع إلى افتقار مؤسسات الدولة المناط بها التسيير والتوقع ثم الاستشراف إلى بنك معطيات تجمع حيثياته وتفاصيله وتدرس تمظهراته بنظرة أوسع تتجاوز تقديرات المؤسسات التي قد تصاغ على عجل أو قد تغيب بسبب طرائق العمل الكلاسيكية وأساليب التعاطي المنتهجة مع حركة الاحتجاج والضغط ومطالب التغيير والانتقال نحو مراحل بناء جديدة ولعل غياب منابر للدولة تستشرف لها المتوقع وتطرح المنشود ساهم في إنتاج ما نراه اليوم فراغا قاتلا في الحياة المؤسساتية التي تعاني من تصحر واضح عززه غياب التمثيل الحقيقي لفئات المجتمع داخل منابر التمثيل السياسي والمجتمعي والارتكاز على توزيع عشوائي للشخوص على المؤسسات يراعي توافقات جهوية مقيتة ونشرا لثقافة التسطيح في ممارسة الفعل السياسي وإغراق الساحة السياسية برجال المال المشبوه وقد أنتج هذا إيقاعا موازيا للدولة ألغى كيانها وسعى إلى تحييد النخب التي تبني المؤسسات عن كفاءة ومعرفة .

 

الديمقراطية أسوأ النظم السياسية

 

يرى الباحث “جواد سعيد ” في أحد مقالاته المنشورة أن أفكار هذه النظرية تقترب كثيرا من أفكار الفلاسفة الأوائل من أمثال “افلاطون أرسطو ” الذين يعتبر أن الديمقراطية أسوأ النظم السياسية على الإطلاق كونها تتيح للغالبية الجاهلة الوصول إلى سد الحكم وهذه الأغلبية فقد تكون سببا في إشاعة الفوضى والغوغاء وتصنف هذه النظرية الشعب إلى صنفين وهما المجموعة الأولى التي تمثل مجموعة صغيرة تمتلك القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحدد “القيم ” وفق معايير خاصة بها تجعلها جديرة بقيادة المجتمع من خلال إمكانياتها في تسخير العامة من الشعب لخدمة مصالحها أما بالنسبة للمجموعة الثانية فهي تتمثل في مجموعة كبيرة من عامة الشعب أو الأغلبية وهي الطبقة المحكومة من قبل النخبة والمحرومة من امتلاك مصادر القوة السياسية ويكتسي هذا الطرح والتنصيف أهمية كونه يوضح علاقة النخبة بالقوة السياسية وفي الوصول إلى السلطة وقيادة المجتمع وتعتبر نظرية النخب في المفهوم السياسي من اهم النظريات التي تتناول طبيعة هذه العلاقة والتموقعات الموجودة كما ان العلماء يضعون تعريفا للنخبة على انها الطبقة الحاكمة التي تتمتع بنفوذ سياسي واجتماعي وتتمتع بمزايا اجتماعية عالية في المجتمع والمهم أن تدارس علاقة النخب والسلطة شكل احد الاهتمامات في النظريات السياسية  تؤسس العديد من الأطروحات لتصور هام حول علاقة موقع النخب في الدولة وفي نظام الحكم وفق نظريات وتصورات عديدة ولا يقتصر مفهوم النخبة على رجالات الاقتصاد والسياسة وإنما هم أيضا رجال العلم والمعرفة وقد تسعى النخبة كما يقول “ماركس ” إلى التمويه وفي ظل هذا التباين في التصورات حول مفهوم النخبة في الفكر السياسي فإنه من الأهم الارتكاز على الخلفيات التاريخية في المفهوم لدراسة المستجد والواقع في بيئة النظم السياسية

الشأن العام و النخب الفاعلة

سؤال في غاية الأهمية يطرح حين نتناول علاقة الدولة بالمجتمع أو الشعب الكلمة الأكثر تداولا من قبل الساسة والممارسين للفعل السياسي في الأحزاب ومنابر العمل العام فتسير الشأن العمومي الذي يرتبط بدرجة كبيرة بشؤون المواطنين هل يحتاج لتسيير نخبوي يديره مثقفون مثلا من أساتذة باحثين ومؤطرين أم يبقى تسيير الشأن العمومي أمرا متاحا للجميع لأنه لا يتوقف على قدرات إبداعية خارقة قد تأتي من تكوين أو مواهب تؤطر بعلم ومسارات معرفية سؤال كهذا يطرح الآن بقوة لأن العديد من المؤسسات التي تنشط ضمن خانة الرسمي تدار من قبل أناس عاديين فقد لايحوزون شهادات عليا ولكنهم قد يوفقون إلى حد ما في مهاهم وهي تسير الشأن العام أو يفشلون في إدارة هذا الشأن بسبب أشياء أخرى أهمها غياب تكوين وخبرة ومستوى علمي يؤهل المسير والمسؤول على تسير الشأن العمومي بطريقة محترفة وعلمية تتطلب أداءات مهنية قد لا تتوفر لدى المسؤول العادي والإجابة على التساؤل المطروح يتطلب فعلا في اعتقادي دراسة أكاديمية نوعية ودقيقة تدرس أعباء تسيير المؤسسات التابعة للدولة ومن هو المؤهل لإدارة هذه المنابر المكثفة هل النخب وفقط أو يتاح الأمر لكل الفئات دون استثناء.

 

الأعباء الأخلاقية والوظيفية

سؤال آخر يفرضه السياق ويتعلق الأمر بالأعباء الأخلاقية والوظيفية التي تتحملها النخب أمام الدولة هل تكتفي هذه النخب وهي تشكيل واسع من مثقفين وأساتذة وقادة رأي ونخب بالتنظير للدولة استنادا لما تملكه من معارف متراكمة وخبرات قابلة للقياس ام تدير هذه النخب الدولة ولها هذا الحق دون غيرها من الفئات تتعدد الإجابات حول هذا السؤال بالذات ولكن الأهم هو أننا تبعا للمشهد العام سياسيا الذي نراه فان هناك قبولا واضحا من قبل فئات واسعة من الشعب في أن تسلم مؤسسات الدولة لخبير وأستاذ باحث ومثقف قادر على الإقناع غير أن هذا الطرح قد يراه البعض مثاليا بسبب التعقيدات التي تفرض مثلا إدارة شؤون المواطنين سواء اليومية في اصغر جماعة مؤسساتية من جماعات الدولة إلى أعلى منصب في الدولة وهو رئيس الجمهورية فلا يمكن اعتبار أن المثقف الذي ينظر فقط للدولة ويدعو بأفكار وتصورات لتصويب الأداء أنه قادر على تغيير الحال في أيام أو سنوات كما لا يمكن إغفال أن الدولة في نفس الوقت قد يضيع وقتها بسبب غياب أي رؤى واضحة محينة قابلة للقياس يأتي بها العلم ومسارات المعرفة خاصة حين يتعلق الأمر بالقطاعات والمؤسسات التي تنتج وتقدم الخدمات وتعتبر أحد ركائز الدولة ومن جهة أخرى لايمكن أن يكون للنخب خاصة تلك التي تخاطب الناس من منابرها العلمية إلا إذا كان حضورها في المنابر المؤسساتية للدولة سوءا كانت إدارية أو منتخبة قويا وذو دلالة ولا أقول في هذا السياق أن يكون الحضور غالبا أو بأغلبية مطلقة بل انه حضور محترم يليق بما تقتضيه أعراف الدولة التي يقاد شانها من نخب لها قدرة على الإدارة والتخطيط وهي من ملامح أي علم يدرس أو يطلب فالدولة التي يسير شانها مثقفون في مختلف القطاعات لا يمكن أن يكون حالها من المفروض سيئا من حيث الإدارة والتخطيط والتنفيذ فالعلم ومسارات المعرفة تؤمن بالمنهج وتأطير الأداء وإبعاده عن مظهر من مظاهر الفوضى والغوغائية في الطرح والتسيير الشعبوي الذي يراد منه إرضاء الناس على حساب العقل وما تقتضيه سنن وشرائع الدولة من مفاهيم وممارسات واضحة المعالم والغايات.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك