ثقافة التنوع في مواجهة التفرق

دخول ثقافي موحد لأول مرة في الجزائر

بقلم احسن خلاص

تجتهد وزارة الثقافة والفنون منذ بداية العام في تحريك المياه الثقافية الراكدة في تحد للوضع الصحي الذي اضطر المثقفين لدخول مساكنهم لايحطمنكم كورونا وهم لا يشعرون. وقد اتخذت من روافدها مثل المسرح الوطني الجزائري والديوان الوطني للثقافة والاعلام منافذ لإقامة ندوات وعروض افتراضية شملت مثقفين جزائريين ومغاربة ومن مناطق أخرى، وهي التجربة الأولى من نوعها في بلد استقالت فيه الثقافة من اهتمامات المجتمع الذي تراكمت عليه تبعات الأزمة الصحية التي أعقبت مرحلة من التتفيه والتهريج وجعلته في خوف دائم من المجهول. ولأن الثقافة هي القناة المميزة لتجاوز الحاجز السيكولوجي والانطلاق نحو الأمام فإن وزارة الثقافة ارتأت هذه المرة أن تقتحم الصمت الرهيب بمبادرة جديدة واعدة.

في الوقت الذي كان الجميع ينتظر موعد الدخول المدرسي والجامعي خرجت علينا وزارة الدكتورة مليكة بن دودة بأول دخول ثقافي يفتتح سنة من النشاط المتنوع الممتد على رقعة الجزائر الشاسعة مغتنمة فرصة تراجع أرقام الإصابة بفيروس الكوفيد ومؤكدة على احترام البروتوكولات الصحية المتفق عليها وطنيا ودوليا للوقاية من انتشار الوباء. دخول ثقافي لا يخلو من قدر من الشجاعة والإرادة لاستنهاض قطاع لا يزال يغرق في ركود ويعاني أهله من مشكلات اجتماعية ومهنية تعيق الإنتاج الثقافي. ومع ذلك يحق لمختلف الفاعلين في الحقول الفنية والأدبية والفكرية المتعددة أن يجعلوا من إقرار سنة كاملة للنشاط الثقافي منطلقا لتحقيق احتكاك منتظم ودائم مع الجمهور بعيدا عن المناسباتية والفلكلورية التي كانت تميز اهتمام الدولة بالشأن الثقافي والعناية التي توليها المثقفين.

ارتأت وزارة الثقافة الإقلاع بسنة ثقافية عن طريق دخول ثقافي احتفالي مكثف على مدار 12 يوما يمتد من 26 سبتمبر إلى غاية السابع من أكتوبر وكأننا بها تريد أن يكون الدخول الثقافي عنفوانيا ومتدفقا ومتنوعا بشعار يحمل دلالات عميقة من خلال ربط الثقافة الجزائرية بثنائية التنوع والوحدة وقد دعت جميع مديريات الثقافة ودورها عبر كل ولايات القطر إلى إطلاق الموسم الثقافي بالطقوس والمتطلبات ذاتها فنحن هنا أمام تنوع ثقافي مرتبط بتنوع وثراء الإنتاج الفني والثقافي لكل منطقة من مناطق البلد لكنه مرتبط بوحدة زمن الانطلاق والختام وبوحدة نمط تنظيم الموسم الثقافي بين ما تنظمه الوزارة ومختلف روافدها وبين ما تنظمه المديريات الولائية للثقافة فضلا عن التنسيق بينها.

وتكون وزارة الثقافة بهذه المبادرة قد أرست تقليدا سنويا جديدا يتيح للمبدعين الشباب فرصة الاحتكاك بالجمهور وربطه بالرصيد الثقافي الوطني لضمان تواصل الأجيال الثقافية ولعل هذه الرغبة في التواصل هي التي اهتدت إليها الوزارة لما جعلت الدخول الأدبي هذه السنة من نصيب الأديب الجزائري القدير محمد ديب الذي ستحتضن المكتبة الوطنية ندوة حول حياته وأعماله ويخصص له جناح بقصر الثقافة لعرض أعماله ومناقشتها ليكتشفه الجيل الجديد من الطلبة والكتّاب، كما سيكون الدخول المسرحي من بوابة ندوة فكرية بعنوان: “المنجز المسرحي الجزائري بعد 58 سنة، تأملات ورهانات”. وفي مجال الفن التشكيلي ستعرض الأعمال التي أنجزها الفنان محمد مباركي طيلة فترة الحجر الصحي إلى جانب معرض للصور الفوتوغرافية.

كانت وزيرة الثقافة حريصة منذ بداية مهمتها على أن تحيط نفسها بفريق من المستشارين لهم تجربة متميزة في الحقول الفكرية والفنية والأدبية تتمتع بروح المبادرة في حقل ثقافي تعود على التصحر ومحاربة أي محاولة للتجديد في الشكل والمضمون وقد كانت تجربة مجلة انزياحات مثالا على العقبات التي تجدها الوزارة في طريقها لمحاربة البيروقراطية وفتح ورشات الإصلاح في مجالات عدة منها الكتاب والمسرح وإحياء التراث الثقافي المادي وغير المادي وهي ورشات مستمرة وينتظر أن تؤتي أكلها خلال أشهر قليلة. ويعطي الشعار الذي خصص هذه المرة لأول دخول ثقافي وهو شعار ثقافتنا في تنوعنا ووحدتنا إشارة واضحة إلى أن هناك إرادة لجعل الثقافة طريقا لوحدة المجتمع الذي فرقته السياسة والصراعات الجهوية واللغوية والدينية. إذ تعتبر الثقافة بما تحتويه من تعليم وترفيه وتعارف وسيلة لمزيد من التقريب بين التنوعات اللسانية والثقافية الجزائرية، لجعلها أداة للنهوض بدل أن تظل معولا للهدم والنكوص.

وقد يلاحظ القارئ هذه المرة أننا أغرقنا في ذكر محاسن مبادرات وزارة الثقافة وأغفلنا مشكلات قطاع الثقافة على كثافتها وتعقدها إلا أنه من الضروري أن نجتهد في سبيل النظر للايجابيات التي تختفي عادة داخل ركام من السلبيات فلا نراها وأن لا نختفي وراء الروح النقدية لنمعن في جلد الذات ونفرط في كشف العورات لاسيما وأن الثقافة لا تنتظر منا وجها عبوسا وعيونا لا تبدي إلا المساوئ. وبإمكان مجتمعنا أن يمتطي الإبداع الثقافي ليتجاوز الأزمة النفسية التي خلفها الفساد والازمة الصحية التي تبعته وباستطاعته أن يشكل جيلا قادرا على مواجهة الأزمات في المستقبل.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك