تيكجدة.. سحر الطبيعة يدنسه الإنسان

الثقافة السياحية غائبة

كانت الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا لما وصلنا الى تيكجدة، ضباب كثيف جعل الشمس لا تزور المنطقة، رغم علو المكان الذي جعلنا نشعر وكأننا نلوج فصل الشتاء لأول مرة، وكأنه يقول أنا الملك وأنا من يتحكم في يومكم اليوم، حديث لطالما نسيناه بعدما دخلنا فندق المركب، لننعم ببعض الدفئ وسط ثلوج تغطي زواياه لننعم بالشتاء ونحن في فصل الصيف الذي بدأ ينزع عباءته مع أول خرجة لنا من الفندق لنسير في جبال جرجرة. غيوم تحمل معها عطر أوروبا لتزين قمم جبال جرجرة وتحديدا منطقة تيكجدة بثلوج امتزجت مع تضاريس بربرية لطالما كانت قلعا للجزائريين ابان تاريخ حافل، تاريخ جعل نفسه سيدا، لتزيله تدريجيا فضلات تركها أناس هدفهم السياحة، جعلت في روعة المكان لونا أسودا رغم ما يوجد من تنبيهات وضعت من قبل السلطات المحلية، وبين هذا وذاك كنا نسمع صوت القرود الموزعة وهم يقولون احترموا البيئة فلا حاضنة لنا سوى هذه الجبال الشامخة.

أنين القرود وسط همجية الانسان

لم نكن نتخيل أننا عندما نصل لتيكجدة سنلتقي بقرود ترى نفسها في غياهب السجن، بسبب همجية أناس جاؤوا ليستمتعوا بوقتهم، ليس الكل ولكن نظرات القرود وهي ترى مملكتها التي زينتها الثلوج تتهدم على رؤوسها جعلتنا نفكر عن أي جنس نحن، رغم ضحكاتها معنا ومع السياح الا أنها جعلت لنفسها مكان بعيد علينا وكأنها خائفة من همجية لم تحترم حتى المكان الذي هو رقعة حياة وراحة بالنسبة لها، حديثنا مع أنين القرود تزامن ونحن نرى كيف يرمي الإنسان فضلاته في كل مكان دون أي رحمة دون شفقة بحق دواب، حقا فقد صدق من قال ليس كما ترى المكان وأنت لا تعيش بداخله.. هكذا قد يهمس لك قرد في تيكجدة وهو يرى الأوساخ تحاصر أنفاسه.

ثلوج تغطي الجبال لترسم الحاضر

وما إن انتهينا من متابعتنا للقرود حتى انتبهنا للثلوج التي كانت تغطي الجبال الشامخات التي جعلت المكان الذي كنا فيه لوحة مزخرفة رسمها التاريخ ويكتب عليها من رأى تيكجدة لأول مرة، أوراق الشجر التي كانت وكأنها ساجدة لشجر الارز الذي غطى بقايا ثلج بداية جانفي، ليغزو بذلك اللون الأخضر الغامق كل ما هو أبيض، رغم أن الضباب جعل من المكان الذي سرنا فيه يتزاوج مع الثلوج، لترى كرات الثلج وهي تتطاير بين المواطنين الذين جاؤوا لتيكجدة، وكأن همهم ثلج ونسيان ضجيج المدينة الذي كان دائما عدوهم طيلة 5 أيام من الأسبوع، لترسم بذلك ثلوج بداية جانفي حاضر فيفري، لأن ما تبقى من الذهب الأبيض كان في القمة ومترامي في أحضان أغصان وجذور شجر الارز.

امتزاج المتعة مع غلاء الخدمات

 كل هذا الجمال والتاريخ الذي ذكرنا بحقبات تاريخية للجزائر العريقة، لم ينسينا غلاء سعر الخدمات المقدمة من قبل التجار الموزعين كالفطريات على أطراف الجبال، غلاء جعل حتى المرحاض يرتفع مقامه والفول السوداني يتضاعف سعره رغم قلته وأنت تلتهمه وهو في يدك، دون ذكر ما قد يلاقيك في الفندق إذا أردت أن تحتسي كوب شاي، أو تتغذى وعائلاتك، فمن الأفضل لك إن كنت بسيطا أن تستمتع بالجو الأوروپي الشرقي المسيطر على جرجرة، على دخول مكان قد يسلبك مال 15 يوما من الراتب.. لكن هذا الشعور قد يزول إذا ما تحدثت مع أي نادل داخل الفندق، لأن متعة الطعام يجعل الراحة تهمي عليك.

“السيلفي” يغزو المكان ليثبت أننا هنا

السيلفي أو لنقل ظاهرة العصر سار معنا ونقل  رفقة القلم بعض الحقائق التي لا نستطيع نقلها تراجيديا، أو حتى عندما نرويها بالمسامرة، حيث كان أي شخص يتمتع بمناظر جرجرة وهي ترتدي العباءة البيضاء، إلا ومعه هاتفه النقال لكي يوثق اللحظة، ويقول لغيره تعال فنحن في عالم أخر نحن نستمتع بالعطر الأوروبي الشرقي الذي غصنا فيه، وما إن انتهينا من حصة التصوير حتى راحت أجسمانا تتمايل، ليس لكوننا سكارى  أو شيء من هذا، بل لكثافة الثلوج التي كان عل أرض أطراف منطقة تيكجدة، فكان الواحد منا يرى نفسه في الأرض، ليس كرها بل محاباة للثلج الذي سيسكن جبال جرجرة لمدة طويلة، وسيكون ضيفا خفيف الظل على كل المنطقة، التي أصبحت ملجأ لنا ولهم ولكم إن كنتم ترغبون باكتشاف المكان أيضا.

سحر المكان يجبرك على العودة إليه

وأثناء عودتنا من حافة الطريق الرئيسي لمنطقة تيكجدة، كانت طريقة مشينا ثقيلة وكأن أحدهم يقول لك، لا تذهب، فالسحب والضباب الذي كان صباحا انقشع تدريجيا، لتبتسم بذلك سماء بويرة الزرقاء عبر أشعة الشمس، وكأن الجميع يقول الأن بدأت المتعة، نعم كانت الرابعة وربع مساء لما صعد أخرنا الحافلة، لكونه كان يلتقط أخر أكسجين له في المنطقة التي شمخت طول تاريخ الجزائر وتبقى كذلك، انطلقنا وسط زخم شديد من المواطنين الذين بدأوا بالرجوع إلى بيوتهم، ولكن أرواحنا ظلت هناك تردد.. سنعود إليكم عندما ترجعون إلى تيجكدة، فالمتعة ستكون أكبر لأن كل شيء سيكون على ما يرام، حقا هو السحر الذي يميز تلك المنطقة سحر ولج في مخيلتنا، فأنسانا الإزدحام الذي ميز طريق عودتنا للعاصمة مساءا.

رئيس بلدية الأصنام، أحمد هلال: الثقافة السياحية عند الجزائريين غائبة

قبل كل هذا وفي جملة من الإنتقادات التي جمعناها في رحلتنا،  راح رئيس بلدية الأصنام بولاية البويرة أحمد هلال حيث راح يصف الجزائريين بالمغيبين سياحيا لكونهم لا يحملون أي ثقافة في هذا المجال، حيث قال: “تفكير الجزائري سياحيا لازال ناقص”، متابعا: “يجب على المواطنين التعلم والعمل من أجل كسب هذه الثقافة الواجب الإستمرار فيها”، وأوضح ذات المتحدث بأن هنالك من المواطنين من يلقون فضلاتهم بعد استمتاعهم بجمال المنطقة، وراح محدثنا إلى أكثر من ذلك لما قال: “تخيلوا وضعنا 18 سلة كبيرة للمهملات ولكن بعد أسبوع لم نجد حتى واحدة”، ما يؤكد حسبه غياب الحس السياحي عند الجزائريين، وفي ذات السياق أبرز محدثنا العديد من النقاط التي تقوم بها السلطات المحلية من أجل تثقيف المواطنين محليا، حيث قال بأنه يوجد تنسيق دائم بين الجمعيات التي تعتني بالبيئة وكذلك السلطات المحلية في هذا الإطار، زيادة على وجود لوائح تدعو إلى ضرورة إحترام البيئة.

وأفاد رئيس بليدة الأصنام بأنها كانت هنالك مبادرة لتنظيف المنطقة من الأوساخ التي خلفها السياح، ولكن بعد يومين عادت الأمور إلى حالها بل أكثر مما كانت عليه حسب ما أكده أحمد هلال، مضيفا بأن هذه الخطوة واجب العمل بها، ليتم تحسين جو السياحة تدريجيا، ومن جهة أخرى قال عن بأن 90 بالمائة من السياح الذي يقصدون تيكجدة جزائريون، وهذا من 48 ولاية، متابعا:” أغلبهم من بومرداس وأخرون يأتون من العاصمة بويرة وتيبازة”، إضافة حسب محدثنا من الولايات الجنوبية، وقال ذات المتحدث بأن السياحة  الكثيفة لن تخدم الجزائر بشيء، لكونها تؤثر بشكل مباشر على البيئة، خاصة وأن أغلب المواطنين الذين يقصدون تيكجدة تنقصهم الثقافة السياحية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك