تونس في امتحان خارج السياق العربي

ديمقراطية

بقلم: صالح عوض

ليس غريبا أن يخرج التوانسة من المآزق واحدا بعد الآخر بسلام وانتصار وبأقل الخسائر.. ففي تونس يوجد أقدم منبر في العالم الإسلامي في جامع عقبة بن نافع.. وفيها جامع الزيتونة أعظم المنارات العلمية في تاريخنا.. وهنا يبرز لنا ابن خلدون وعبدالعزيز الثعالبي وطاهر بن عاشور وآخرون كثيرون بإشعاعات النهضة والتحرر في المغرب العربي.. هذه هي عبقرية المكان محدود الإمكانات المادية وفي مواجهة بحر مضطرب بأطماع الغربيين.

تونس لا تملك جيوشا جرارة ولا بترولا ولا قمحا و لكنها تملك قدرة تبصر و حكمة سياسة قلما تمتع بها من تغريهم إمكاناتهم المادية فيندفعون إلى حتوفهم.. تونس وبعد عشر سنوات من ثورتها ضد  حكم البوليس و تدخلات السفير الفرنسي و المال الخليجي تجتاز الكمائن واحدا بعد الآخر.. إنه الدرس الأكثر نضجا في العملية السياسية العربية. 

السياق العربي:

  المواضيع السياسية الكبيرة التي تخص شعبا من شعوب أمتنا، ينبغي أن لا تتم مناولتها من مواقع وجهة النظر الخاصة، أو الإصطفافات الإيديولوجية، إنما من باب الرؤية المتوازنة التي تنظر للسياق العام عبر المكان كله والزمان على مداه.. و لكي ندرك أي درجة من الحساسية التاريخية ونحن نناقش موضوع تونس وحراكها الديمقراطي الحاد، علينا أن نلتفت إلى طبيعة النظام السياسي العربي منذ عدة قرون، فلقد ظل نظام الحكم العربي يعاني من أزمة الشرعية منذ سقوط الخلافة الراشدة عندما فقد أهم ركن في الحكم وهو الشورى والبيعة القائمة على عقد بين الحاكم والمحكومين بالتراضي، فكان “صفقة يد وثمرة فؤاد”، فلقد أصبح نظام الحكم منذ سقوط الخلافة حكم غلبة بالقوة والبطش وأحيانا سفك الدماء، وأصبح حكم الأمر الواقع الذي حوّل المواطنين إلى رعية وسلط سيفه على رقاب كل من اعترض على مشروعيته، أو أنكر عليه نهجه فقتّل علماء كبارا في تاريخنا الإسلامي من حجر بن عدي إلى سفيان الثوري وسعيد بن جبير وسواهم كثير في العصور القديمة ومثلهم في العصور الحديثة، و لوحق أئمة وعذبوا كمالك بن أنس وابو حنيفة و ابن حنبل.. 

وتبع ذلك تسلط الحكام على حقوق الناس لاسيما بيت مال المسلمين الذي أصبح ريعا خاصا للحكام.. وبناء على تمركز السلطة الفرعونية تحولت روايات الحاضر والماضي تتواءم مع مزاج منظومة الحكم وأصاب الفساد كل مفاصل المجتمع وثقافته بل وتفسيرات وشروحات دينية لم تسلم منها عقيدة أو فقه أو سير.. الأمر الذي كان له تداعيات كبيرة في توهين الأمة وتشويه شخصيتها التي تحولت إلى قطيع و تم دفعها إلى الهامش في نهايات الصراع الحضاري مع الأعداء.. وعندما أفاقت الأمة على وقع حركات التحرير وطرد المستعمرين حاولت طلائعها المتنورة ان تتقدم مستفيدة من تكريس مبدأ التداول على السلطة القائم في الحضارة الغربية و لكنها تعثرت في ظل أنظمة حكم بعضها لازال يمارس الاستعباد السياسي الواسع على الشعوب كما هو حاصل في النظام الملكي الذي يمارس أكثر نماذج الاحتكار للسلطة والتصرف بمقدرات الشعوب ويفرض عليها نهجا وراثيا في الحكم، ولم تنج الأنظمة السياسية الأخرى المسماة بالجمهورية في معظمها من منهج الاغتصاب للحكم حيث جعلت الصندوق أداة خداع وتزييف للإرادة الشعبية في ظل التضييق المستمر على قوة الرقابة الشعبية وحرفها من خلال تسلط الأنظمة على وسائل الإعلام والثروة، فلئن كانت أسرة الملك في الأنظمة الملكية هي من استأثر بالثروة، فإن عصابة “ما” في ظل الأنظمة الجمهورية تسلطت على ثروات العباد في ظل برلمانات هشة لا تملك من المناقبية الأخلاقية ما يكفي لنهوضها للمحاسبة والتصويب.

النظام التونسي الجديد:

لقد ورث الشعب التونسي أوضاعا غاية في التعقيد بعد تكريس مبدأ فصل الدين عن السياسة فلقد توحشت العلمانية في تونس الى ما يشبه زميلتها في تركيا أتاتورك وعمل بورقيبة بالطريقة نفسها من التدخل في هوية الشعب وثقافته وشبكة علاقاته الاجتماعية وقد فرغ الزيتونة من رسالتها وقد قام بتصفية القوى الوطنية في البلد-صالح بن يوسف- و ضيق على المظاهر الإسلامية.. وربط تونس في علاقاته الدولية بفرنسا ودفعها شيئا فشيئا بعيدا عن انتمائها العربي الإسلامي.. فلقد كان بورقيبة يحمل مشروع مجتمع ومشروع دولة تطور مع خليفته إلى نظام بوليسي شديد الوطأة. 

بعد ثورة تونس التي شارك فيها الشعب التونسي بكل شرائحه كان واضحا كما هي عادة الحركات التحررية العربية غياب الرؤية لما ينبغي أن يكون عليه النظام السياسي ولما تكون عليه أركان الدولة وفلسفتها وهذا ما جعل التجربة التونسية تتلعثم وتكبو حينا بعد الآخر.. وتواصل الحراك التونسي من الشارع إلى البرلمان وواجه تحديات كادت أن تعصف به في ظل اغتيال شخصيات وازنة في العمل السياسي و من خلال ضغط كثيف للمال الخليجي لاسيما الإماراتي لإخراج فصيل سياسي كبير -النهضة- من المسرح السياسي الأمر الذي كان يعني تقديم وصفة صراع مأساوي لتونس إلا أن كبار الساسة التوانسة تجاوزوا الكمين..

تواصلت حيوية الحراك التونسي وأبدت حركة النهضة التونسية لياقة سياسية عالية وقدمت تنازلات عن مواقع أساسية لكي لا يصل الجميع إلى الانسداد.. وقدمت النهضة  تنازلات مبدئية لها علاقة بالأفكار والمواقف عندما سكتت عن قانون المواريث المخالف للشريعة وعندما لم تحاول نصرة قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي، وعندما وقفت سلبيا من مشروع قانون لتجريم التطبيع مع العدو الصهيوني. كانت النهضة تبعث من خلال ذلك برسائل طمأنة لفرنسا.

أدرك التوانسة أنهم أمام تجربة خطيرة تتجاوز المواقف السياسية والأفكار الإيديولوجية.. إنها تجربة البناء الذاتي لنظام يستطيع أن يجمع التوانسة في دولة تحقق الكرامة والحرية والعدالة بين الجميع وهذا يعني إلغاء نمط الحكم العربي التاريخي وشطب النظام السياسي المستبد الملكي والجمهوري الذي حوّل الشعوب إلى رعية.. وفي خضم التجربة الصعبة مدت كثير من الدول أرجلها في المشهد التونسي وكان البعض التونسي مطية للأجندات الخارجية التي أرادت السيطرة على توجيه تونس سياسيا إلى حيث اللا انفكاك من الفرنكفولية والتغريب أو إلى عدم تحررها من سيطرة فرنسا على مقدراتها الاقتصادية ووجد هذا النفر دعما إعلاميا وحماية دولية من قبل الفرنسيين الذين تحوّل سفيرهم في تونس كأنه مندوب سامي.. وهناك من الدول كالإمارات من رأى في النهضة خصما أيديولوجيا وسياسيا ضمن تقاسم المحاور البارزة في المشهد الإقليمي قطر وتركيا من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى.. وهنا كان المشهد السياسي التونسي يتجه نحو الانشقاق العنيف.

ولعل تعاقب رؤساء الوزراء وانسحابهم إما بفضائح او حجب ثقة يشير إلى عمق الأزمة وان هناك خلف الأكمة ما يتم تخطيطه وتنفيذه بما يمس مصير تونس وموقعها في خريطة المواقف السياسية.. ولكن التوانسة لم يفقدوا البوصلة فظلوا رغم التشتت والاتهامات العنيفة لبعضهم متمسكين بالخيار الديمقراطي وصندوق الانتخابات الشفاف واللجوء إليه في مواجهة كل تحد.. فكان هذا أعظم انجاز تحققه الثورة التونسية ويستطيع ان يظل صامدا.

ديناميكية النهضة:

في الحين الذي تبدي فيه كل القوى السياسية التونسية تشددا في الخطاب والتمسك بالمواقف والأفكار والمواقع تتحرك النهضة ببراغماتية لافتة وقد فاجأت الجميع بتنازلها عن مواقع في الحكم اختياريا أكثر من مرة في حين كانت دوما تحقق الأصوات الأعلى في أي عملية انتخاب ما عدا انتخاب رئيس الجمهورية والذي كان واضحا أنها مناورة تقدم عليها الحركة..

كان درس مصر ومرسي ماثلا أمام قادة النهضة فلم يقعوا فيما وقع فيه إخوانهم المصريون الذين تمكنوا من خلال كل الانتخابات من التحكم في كل مؤسسات النظام شكليا فكان منهم البرلمان بأغلبية ومنهم مجلس الشورى ورئاسة الجمهورية وكذلك كتبوا الدستور للبلاد الأمر الذي نقلهم إلى روحية النظام العربي السياسي المستبد فرفضوا إجراء انتخابات مسبقة للرئاسة وتشبثوا على موقفهم بحجة الشرعية وكأن الشرعية في مصر تكمن فقط في أصوات ملايين المساكين الفقراء؟! ولم يقدروا موازين القوى في المجتمع والدولة حيث أهم مؤسسات البلد الكامنة في المؤسسة العسكرية فواجهوا قوة الواقع بشعار الشرعية التي اكتسبوها في مرحلة ما، فكانت النتيجة خسارتهم كل شيء وإلقاءهم في السجون لأكثر من سبع سنوات ولازالت الأزمة خانقة في مصر..

ولعل الإسلاميين التوانسة استفادوا أيضا من تجربة أردوغان بعدم تصادمهم المؤقت مع المواقف السياسية التاريخية للدولة التونسية وإرث بورقيبة الثقافي في محاولة منهم لتكريس وجودهم في مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية في تونس وتكريس مؤسسات دولة تحميهم.

إلا أن أوضاع تونس الاقتصادية ووقوعها تحت اشتراطات صندوق النقد الدولي وإغراءات دول الخليج لبعض الأطراف السياسية التونسية و سعيها لتشكيل وجهة النظام في تونس سياسيا بالتخلص من احد مكوناته عقد الواقع التونسي وتدخل بعنف في تحريك الاستقطابات المتناقضة..

ليبيا عامل تفجير:

لا تخفي حركة النهضة تأييدها لحكومة الوفاق الليبية وتلتقي في هذا مع تركيا التي تبذل جهودا مضاعفة لكسر شوكة الإمارات ومصر والسعودية في ليبيا وذلك امتدادا لمواجهات في أكثر من مكان.. وهذا فتح مساحة صراع حادة في المشهد التونسي مع من يؤيدون وجهة نظر حفتر و هم ليسوا فقط من لهم علاقات طيبة مع الإمارات إنما أيضا التيار العلماني والفرنكفوني جملة والذي يلتقي في مواقفه مع الموقف الفرنسي.. وهنا ازداد الضغط لتفجير المؤسسة التونسية.. وفي انتظار اللحظات الحاسمة للمواجهات العسكرية وللعملية السياسية في ليبيا يحشد كل طرف من الأطراف الدولية لحسم المشهد التونسي لصالحه.

ولقد كان لانتصارات قوات حكومة الوفاق بإخراج قوات حفتر من أطراف طرابلس ومن ترهونة والوطية و إحكامها السيطرة حاليا على مداخل سيرت أثره البالغ في التعجيل الإماراتي لشطب حركة النهضة من تونس، إذ أن انتصار حكومة الوفاق يعني قوة إضافية إقليمية قوية مؤثرة لصالح النهضة حيث ستكون ليبيا بما تملك من قوة مالية ضخمة وفرص عمل هائلة متنفسا وورقة قوة محلية كبيرة للنهضة تؤهلها لاستعادة كثير من مواقعها.

إن ما يحصل على الأرض الليبية يلقي بظلاله بكثافة على المشهد السياسي التونسي ولعل هذا منطقي وصحيح، فكلما تقدمت حكومة الوفاق ستتمكن النهضة من مفاصل الحكم في تونس وبمقدار تراجع حكومة الوفاق ستكون خيبة كبيرة للنهضة في تونس وهذه المعادلة يدركها الإماراتيون والسعوديون وحلفاؤهم في ليبيا وتونس لذا فهم يعملون لإخراج النهضة من المؤسسة التونسية وبذلك تصبح تونس ساحة مواجهة تجلب آلاف المقاتلين الروس والسوريين وآخرين ضد حكومة الوفاق تشد عليها الخناق وتفتح جبهة من الغرب الليبي تجعل طرابلس بين فكي كماشة.. لذا فالمواجهة حاسمة وحساسة.

ولعل الرئيس التونسي دفع في محاولة لحل البرلمان لكي يحدث الفراغ التشريعي فيحدث في تونس ما تخشاه النهضة بخروجها من المشهد الأمر الذي سيجعل تونس بسلطة الرئيس وحركية الفرق العلمانية والموالية للإمارات مستقبلة لدور انحياز في الموضوع الليبي.

المفاجأة:

تمثل الهجوم على النهضة بخطوتين كبيرتين الأولى جاءت بعد فضيحة الفخفاخ رئيس الحكومة الموجهة ضده قضايا فساد واستغلال المنصب.. فقد أعلن الرئيس انه سيختار شخصا آخر ولن يستمع لرأي الكتل البرلمانية الأمر الذي يعتبره آخرون خرقا للدستور.. وإذا لم يوافق عليه البرلمان، فإن الرئيس سيتجه إلى حل البرلمان وهكذا تخرج النهضة من المشهد السياسي.. أدركت حركة النهضة ذلك فعبرت عن مفاجأتها وذكّرت بأن هذا التصرف غير دستوري لكنها تتجاوب معه لمصلحة البلاد.. فكانت الخطوة الأخرى التي لا تقل خطورة وهي حجب الثقة عن الغنوشي وكانت معركة حامية الوطيس فتح الإعلام العلماني والصديق للإمارات أبواقه لشيطنة الغنوشي وتم حشد عدد كبير من البرلمانيين لهذا الغرض.. فكانت النتيجة على غير ما يتوقع الجميع ونجا الغنوشي من الإسقاط لكن لن تنتهي المعركة رغم براغماتية الغنوشي وحركته و لن يتم حسم المعركة إلا بترتيب البيت الليبي بقوة حينذاك سيتم ترتيب الوضع التونسي.. وهذا ما يجعل أمام الإقليم ضرورة إيجاد تفاهمات عميقة إستراتيجية لحماية الاستقرار في تونس وحل المعضلة الليبية سلميا لكي يتجنب الإقليم كله امتدادات الأزمة واندلاعها في الإقليم كله والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك