تونس… أرض المعارك الجديدة

حقيقة الخلافات داخل الثورة

أشرنا في الحلقة الماضية إلى أن اختطاف الطائرة التي كانت تقل مصطفى لشرف رفقة القادة الأربعة في 22 أكتوبر كان منطلقا لهدنة مفروضة بين القادة الجدد للثورة في الداخل الممثلين في لجنة التنسيق والتنفيذ الأولى وبين الوفد الخارجي. وهي الهدنة التي أتاحت المجال لمحاولة تنظيم الثورة في المدن ولاسيما مدينة الجزائر وتجنيد القوى الاجتماعية لتكون سندا لجيش التحرير وتساعد بذلك على فك الحصار عنه في الجبال. ومن هنا جاءت فكرة الدعوة إلى إضراب عام في أواخر يناير من عام 1957. وهي العملية التي لم يكن نجاحها مكتملا بما يكفل تعزيز موقع لجنة التنسيق والتنفيذ في الداخل بفعل القمع الشرس الذي تعرض له السكان إثرها على يد البوليس الاستعماري واضطرار أعضاء اللجنة إلى “الفرار” نحو تونس واستشهاد العربي بن مهيدي في 3 مارس 1957.

 

تونس تجُبّ ما قبلها

التقى القادة الأربعة، عبان وكريم وبن خده ودحلب قرب جبل الشريعة وقرروا أن يأخذ كريم وبن خده طريق الشرق الجزائري بينما اتجه عبان ودحلب نحو المغرب قبل السفر منه جوا نحو تونس التي بمجرد ما وصلها القادة الأربعة حتى انتفت الموازين التي كانت تتحكم في القرار بمدينة الجزائر، كما تلاشت المبررات التي أقامت تلك الموازين، فبسفر القادة إلى تونس لم يعد لفكرة أولوية السياسي على العسكري ولا لأولوية الداخل على الخارج معنى في المشهد الجديد.

أخذ بلقاسم كريم إذن ينسج تحالفات جديدة من أجل استرجاع نفوذ اختطفه منه عبان بالجزائر بينما أبقى عبان على السلوكات القيادية ذاتها التي حملها معه إلى مقر قيادة الولاية الخامسة بوجدة، حيث أسمع بوصوف وابلا من التوبيخات حول طريقة قيادة الولاية الخامسة لاسيما قسوته وفضاضة التعامل والأحكام تجاه أفراد جيش التحرير هناك وهي التوبيخات التي لم يتحملها بوصوف الذي كان يملك قوة عسكرية ومخابراتية تمكنه من فرض موازين قوة جديدة.

وعند وصوله إلى تونس صار عبان يسبح في بحر جديد ويحرث في حقل مليئ بالألغام وسط خارطة قيادية جديدة بدأت ترتسم في الأفق انطلاقا من إعادة إنتاج الولائية هناك. فقد سعى كريم إلى السيطرة على الولايات، الأولى بتقريب محمود الشريف وتعيينه على رأس الولاية متحديا بذلك إرادة ضباط الولاية مثل لعموري وعواشرية والطاهر سعيدي وغيرهم والثالثة بفضل ولاء الرائد عميروش والعقيد محمدي السعيد والرائد قاسي والرابعة بولاء اوعمران ودهيلس بينما اكتفى بن طوبال بولاء الولاية الثانية عن طريق علي كافي، أما الولاية الخامسة بالمغرب فبقيت تحت سيطرة بوصوف بينما نأت الولاية السادسة عن الانخراط في حرب المواقع الجديدة إلى جانب القاعدة الشرقية التي لم يلتفت إليها أحد.

وبهذه الخارطة الجديدة تحولت الموازين من الشرعية السياسية إلى شرعية السلاح وأخذت السلطة التي كان يملكها عبان تترك مكانها لبروز تدريجي لقيادة جديدة خلال الثلاثي الثاني من عام 1957 وهي القيادة التي منحت الريادة لبلقاسم كريم مسنودا بما يسميه خالفة معمري ب”الزوج الميلي” le couple de Mila في إشارة إلى بن طوبال وبوصوف المنحدران من ميلة.

 

مراجعات مؤتمر القاهرة

كان لابد لموازين القوة الجديدة التي فرضت نفسها بسرعة في تونس أن تستدعي اجتماعا للمجلس الوطني للثورة الجزائرية لتتحول إلى واقع مؤسساتي. فقد التأم أعضاء المجلس في 27 أوت 1957 لساعات قليلة فقط من أجل المصادقة على قرارات أعدت مسبقا خلال اجتماعات ماراطونية تخللتها مفاوضات شاقة بين المرشحين لأخذ زمام المرحلة الجديدة.

وعكس ما يذهب المتابعون الأكثر حماسا، لم تكن قرارات مؤتمر القاهرة انقلابا كاملا على قرارات الصومام، من حيث الشكل على الأقل، إلا أنها غيرت جملة من المفاهيم وأعادت هيكلة لجنة التنسيق والتنفيذ في طبعة ثانية ضمت خمسة عسكريين هم بلقاسم كريم واعمر أوعمران ولخضر بن طوبال وعبد الحفيظ بوصوف ومحمود الشريف وأربعة سياسيين هم رمضان عبان وعباس فرحات وعبد الحميد مهري ولمين دباغين بينما اختفى من التركيبة الجديدة كل من بن يوسف بن خده وسعد دحلب، قبل أن تضم اللجنة أعضاء شرفيين وهم القادة الخمسة الموجودين في السجن.

بقرارات مؤتمر القاهرة سجلت مصر عودتها إلى مسرح الثورة الجزائرية كما عاد العسكريون إلى الواجهة والسيطرة على مقاليد السلطة الثورية بينما اكتفى رمضان عبان بإدارة الدعاية والإعلام بالإشراف على صحافة جبهة التحرير الوطني لاسيما جريدة المجاهد وترقية صورة الثورة خارجيا عن طريق السينما من خلال مخرجين من أمثال روني فوتييه واتجه فرحات ومهري ودباغين بدورهم إلى العمل الديبلوماسي. وبقرارات مؤتمر القاهرة أيضا نشأت أعراف جديدة لإدارة السلطة لا تزال آثارها قائمة إلى يوم الجزائريين هذا.

تحالفات قاتلة

وإن لم يكن راضيا عنها، لم يعترض رمضان عبان على أي قرار من قرارات مؤتمر القاهرة، كما قد يعتقد بعض المتابعين، فقد التزم موقفا منضبطا منها كما تابع المهام الجديدة المسندة إليه بتفان واهتمام. غير أن عينه كانت على كيفية الردة عن هذا الوضع الجديد من خلال خيار العودة إلى الداخل وإقامة تنظيم جديد للثورة بما يشبه صوماما ثانيا يعيد الموازين السابقة إلى نصابها. وتزامن هذا الطموح مع عرضين للتحالف أحدهما جاءه من عمارة بوقلاز قائد القاعدة الشرقية المهمشة بسبب ابتعادها عن الولائية الجديدة والآخر جاءه من ضباط من الولاية الأولى شعروا بالإهانة والتهميش وهم يرون محمود الشريف، وهو ضابط معروف عندهم بولائه للنظام الاستعماري، يرتقي بدعم من بلقاسم كريم قائدا للولاية الأولى ثم عضوا في لجنة التنسيق والتنفيذ الثانية بسرعة البرق.

دخل عبان إذن في مشاورات أولية مع الطرفين من أجل تشكيل قاعدة عسكرية خلفية له، تمكنه من استعادة الكلمة في لجنة التنسيق والتنفيذ بينما يتمكن الطرفان من أن يكون لهما امتداد في اللجنة يخرجهما من العزلة التي وجدا فيها، غير أن طموح عبان للعودة إلى الداخل كان أقوى من أن يشكل امتدادا للعسكريين في تونس أو يكون له امتداد لديهم. ومع ذلك أثارت هذه الاتصالات، على سريتها، حالة استنفار لدى القادة العسكريين ففرضوا عليه العزلة في خريف 1957 وهددوا بمعاقبة أي مناضل يقترب منه بتونس. ولأنهم كانوا يعرفون فيه الرجل الذي لا يمكن أن يقف شيء أمام إرادته فقد انتقلوا للتشاور حول طريقة تحييده تماما فكان أمامهما خياران، إما سجنه أو القضاء عليه نهائيا فكانت الغلبة للخيار الثاني الذي نفذه بوصوف بتيطوان المغربية رفقة كريم ومحمود الشريف في 27 ديسمبر 1957.

وقبل نهاية هذه الحلقة بانتهاء دور عبان لابد من الإشارة إلى أنه لم يعثر في وثائق جبهة وجيش التحرير الوطني على ما يشير إلى أن موقف القادة العسكريين من عبان وما انجر عنه من اغتيال كان بسبب العمالة أو الخيانة، كما أن محضر اجتماع لجنة التنسيق والتنفيذ المنعقد في 28 يناير 1958، أي شهرا كاملا بعد الاغتيال، لم يشر ولو ضمنيا إلى خلفية الخيانة. لقد ظهر تخوين رمضان عبان وآخرين بعد الاستقلال ضمن موجة كراهية وعنصرية وجهوية مست جميع الخصومات والاختلافات في الرؤى والأفكار والمواقع . فقد اتهم كل من سعى إلى التفاوض مع الفرنسيين بالخيانة، مع أن الجميع كان يرغب في إنهاء النزاع بين الجزائر وفرنسا بأقل الأضرار، واتهم من قبله عبد الحميد بن باديس والأمير عبد القادر وغيرهما ونطق الجميع في حين سكت المؤرخون وأهل الاختصاص.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك