تغيير رؤساء أم تغيير شروط اللعبة

أمريكا

بقلم: صالح عوض

حكام العرب و المسلمين وحدهم من يضبطون ساعاتهم على المتبقي من عهدة الرئيس ترمب في البيت الأبيض.. منهم من يسوءه رحيله ومنهم من يسوءه بقاؤه.. يجتمعون ولا تتوقف هواتفهم ووفودهم واجتماعاتهم في انتظار لحظة الحقيقة!!.. أما شعوبنا بحسها السليم ووجدانها الصافي وخبرتها التاريخية فهي تمتلك من الوضوح ما يكفي لتقول كلماتها الحاسمة في مواجهة تغير الرؤساء والإدارات بأنها لا تعول على مجيء زعيم ورحيل آخر..

بلغ الإنفصام أقصاه بين حكام شعوبنا وضمير أمتنا الأمر الذي يزيد الحكام ضعفا ووهنا في مواجهة الإدارات المتغيرة في البيت الأبيض فيجهزون أمرهم لأنواع التنازلات لهذا الرئيس أو ذاك.

اللعبة المتجددة:

منذ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تتحسس دورها خلف الأطلسي أخذت حركة المال حيويتها على ضفتي الأطلسي لتركيز الثروة والقوة المالية العملاقة ورأى الأمريكان المشوقون إلى أصولهم الأوربية ان لا مجد لهم إلا بانخراط أوربا تحت جناحهم وان يصبحوا هم زعماء أوربا ليس فقط من خلال النمو المذهل في اقتصادهم وتطورهم العلمي العظيم إنما أيضا بتدخلات سياسية تتوج أحيانا بمشاركات عسكرية.. فكان حضورهم منذ البداية في الصياغات الأساسية للخرائط الإقليمية والعالمية بكل فاعلية فمثلا كان وعد بلفور وزير الخارجية البريطاني نتيجة حوارات مكثفة ومشاركات بين الأمريكان والفرنسيين والروس.

وتبدل على البيت الأبيض الجمهوريون والديمقراطيون وجميعهم يسيرون إلى هدف مشترك واحد إنه تسيد أمريكا على العالم كونها تحمل رسالة تحررية لشعوب العالم وتنشر قيم الديمقراطية وتقرير المصير.. فورثت أمريكا من أوربا كل الملفات التاريخية التي تؤهلها للزعامة العالمية ولعله من الواضح أن القارة المتوسطة قارة المسلمين هي صاحبة الحظوة في الملفات الإستراتيجية العظمى حيث شهدت المنطقة والإقليم حروبا طويلة بين الفرنجة والاستعماريين حروبا متوالية منذ أكثر من 1300 سنة.

كانت الحرب العالمية الثانية منصة للإرادة الأمريكية والرغبة الأمريكية الدفينة  في إعلان زمن التسيد الأمريكي على العالم بعد أن قصفت نجزاكي وهيروشيما بقنابل ذرية في أول سابقة حرب ذرية في العالم ونسبت النصر في الحرب العالمية لها رغم أنه كان للسوفيت دور حاسم في هزيمة الألمان ودول المحور.. 

إلا أن الأمريكان بالتفاهم مع أوربا شكلوا حلف الأطلسي يستوعب طاقات البلاد التي اشتركت في الحرب ضد المحور،  وخرجت الدول الأوربية من هذه الحرب في إعياء شديد ولا توجد فيها دولة بعيدة عن النتائج الكارثية للحرب فأسرع الأمريكان من فرض صيغتهم..

كانت حربهم ضد هتلر ليست ذات موقع استراتيجي في خريطتهم الكونية، انه الخطر المؤقت الخطير نعم، ولكن الخطر الاستراتيجي هو الإسلام الذي أعيتهم الحيلة من الحرب عليه على مدار قرون.. وبعد ان استنفرت أمريكا طيلة سنوات الحرب الباردة مع السوفيت أصبح واضحا أنها تتجه الآن لصراع متشعب متعمق مع الكتلة الإسلامية المهشمة.

من الواضح أن التعامل مع الكتلة الإسلامية “القارة المتوسطة” يخضع لدافعين الأول إنها كتلة معادية استراتيجيا وخصم حضاري يجب عدم ترك فرصة له ليستيقظ او يفكر بالحبو.. والدافع الثاني ان هذه القارة المتوسطة تمتلك من الثروة والمعادن حيث تحتفظ بنسبة 55 بالمائة من بترول العالم وربع الغاز العالمي هذا بالإضافة للمعادن الدهب واليورانيوم والحديد. كما انها كتلة تمثل سوقا ضخما لتحريك المصانع الأمريكية.. هذا بالإضافة لدعاوى الإنجيليين الأمريكان نحو فلسطين وبلاد العرب.

هذه هي الحكاية الأمريكية المندفعة نحو منطقتنا وفي ركابها أوربا وفي يدها الكيان الصهيوني.. الحكاية الأمريكية التي احتلت بلدين مسلمين وفعلت كل ما من شأنه ان يثبت حلفاءها في المنطقة فلكل طرف مشهده ومجاله الحيوي في إطار المشروع الواسع والهدف الكبير الذي تعمل عليه.

 ولم يتخلف أي من الزعماء الأمريكان الديمقراطيين او الجمهوريين عن العمل والتصريح بموجب هذه الرؤية الكونية التي تولدت لدى زعماء أمريكا منذ وحدوها.. أجل انشغالهم في الصراع مع الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة التوجه لإنهاء اللعبة على الأرض الإسلامية أسقطوا الاتحاد السوفييت وهم يدركون أنهم قادرون ومع سقوطه سقطت الشيوعية الى الابد.. وفي القرن المنصرم كانت المهمة تكريس التجزئة في بلاد العرب والمسلمين وتوريط كل دولة بمشكلات إقليمية مع الدول الجارة وأشعلوا الاشتباك بين القوميات وبين الطوائف حتى أصبحوا متفردين بعد خروج الكتلة الاشتراكية من المسرح فتوجهوا بضربات صاعقة صادمة باحتلال بلدين إسلاميين: أفغانستان والعراق والانتشار من هناك بفصائل أنشئوها كما اعترفوا بأفكار عنفية لإشعال المنطقة مما يمهد لتقدمهم بقواعد ومستشارين..

نحن والتحدي:

على مدار قرن من الزمان كرسوا على الأرض العربية والاسلامية وقائع كبيرة من تجزئتنا وتبعيتنا وتقوية الكيان الصهيوني وبالتوازي صنعوا أجيالا من الإعلاميين والمفكرين والمثقفين والسياسيين والأمنيين يطعنون في مقومات الأمة وروحها، ويرسمون للشعوب خريطة تدفعها إلى مزيد من التيه والضعف.. وتعزز فيها روح الانفصال والتشرذم.. فأصبحت الأمة الواحدة أمما متناثرة وأحيانا متنازعة تفصل بعضها عن بعضها حدود وجيوش وثقافة ورموز خاصة، وأحيانا افتعال روايات عنصرية للشعوب. فانسحب التاريخ المشترك والوعي بضرورة الأمة الواحدة من حياة الناس وكمرجعية لمشاريعهم.

لكن حدثت المفاجأة  المتمثلة في نمو الاقتصاد الصيني بشكل مربك لدهاقنة الاقتصاد الامريكي ومن الواضح انه أربك المشهد من جديد أمام الاستعماريين لاسيما الأمريكان وهنا بدأ التفكير بكيفية مواجهة الاقتصاد العملاق الذي قد يهدد حقيقة الاقتصاد الرأسمالي وعلى رأسه الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني ازمات حقيقية.

في هذه الأثناء من المؤكد أنه لا يصلح شخص كترمب لإدارة الصراع مع الحزب الشيوعي الصيني فهو ان استطاع ان يجلب تريليونات الدولارات للخزينة الا أن الصراع مع الصين يحتاج لعبة أكثر خطورة واشتراطات مختلفة لا تكتفي بمهارة التاجر والسمسار إنما بعقليات أمنية وسياسية متمكنة وهنا كان لابد أن يتقدم حكام أمريكا الفعليين من خلف ستار لإسقاط ترمب رغم حضوره الكاسح في الشارع الأمريكي حيث اعتمد على خطاب شعبوي عنصري جمع اليه بيض أمريكا بنسبة كبيرة.

مجددا يتأجل الهجوم علينا –مرحليا- ظاهريا ولقد بدأت إشارات هذا النهج بإعلان أوباما الرئيس السابق الانسحاب من أفغانستان والعراق والتوجه نحو الصين وباكستان.. ولكنه قبل ان يغادر أراد إشغال المنطقة بنفسها حتى يحين الوقت فيعود محملا بخطته التفصيلية لتكريس واقع التجزئة العرقية والجهوية والدينية.

صحيح أنهم غير مشغولين بنا تماما الان كاستهداف مباشر ولكنهم يرون في تركنا بعيدا عن الاستهداف المباشر فرصة عظيمة لنا للانخراط في طريق الحرير الصيني بحيث تصبح الصين بسوقنا الضخم وثرواتنا المذهلة لاسيما النفط قادرة على رسم معالم الاقتصاد العالمي.. ومن هنا بدأ التنوع في اجتهادهم وهكذا ترك هامش بين القيادتين الأمريكيتين يمكن لحكامنا ان يلعبوه وهو هامش غير مأمون.

الهامش المرّ:

التنوع بين الاتجاهين الأمريكيين ليس جوهريا فكلاهما مشغول بالتسيد الأمريكي على العالم وبتحطيم احتمال النهضة العلمية والصناعية في بلداننا فضلا عن حرماننا من التقدم لقيادة المسيرة البشرية وهناك مؤسسات عميقة في الولايات المتحدة تترجم هذه الإرادة إلى إعلام وفن وسياسة وعسكر وأمن.

في هذا الهامش يلعب حكامنا مناورتهم في السعودية والإمارات ومصر والمغرب وفلسطين.. ففي السعودية والإمارات ومصر يسارعون الزمن في تقديم عربون التوافق مع القادم الجديد إلى البيت الأبيض وأياديهم ترتعد خوف ان يساقوا بالحديد الى المحاكم بتهم اقترفوها في ملفات تم إعدادها بدقة ضدهم في المحاكم الأمريكية، أما المغرب فيشعر براحة وهو ينتظر الديمقراطيين ليحسنوا شروطه في ملف الصحراء الغربية أما الساسة الفلسطينيون فقبل أن يتسلموا أي إشارة حقيقية من الرئيس القادم أسرعوا مهرولين الى إعادة التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني على اعتبار انهم لن يضعوا عراقيل أمام الرئيس الجديد الذي “سيلغي صفقة القرن” بل وأعادوا سفراءهم الى أبو ظبي والمنامة بعد أن سحبوهم اعتراضا على الدولتين بتطبيعهما الفاحش مع الكيان الصهيوني وقدموا استجابة لما قد تطلبه امريكا من تعديل على رواتب الاسرى والشهداء كحالات اجتماعية وليست نضالية.. ويبدو أنها حلقة التفريغ النفسي للنظام العربي الذي سيجد نفسه باستمرار في قاعة الانتظار في محكمة العم سام.

أدوار معدة:

وهنا لابد أن نحدد نهايات المرحلة السابقة بان المعركة استهدفت المنطقة العربية بحيث تم توزيع الأدوار لكل بلد منها فمن هذه البلدان من انخرط في تأدية المهمات الاستعمارية كالإمارات ومنها ما هو جاهز لتسديد فواتير حروب أمريكا كالسعودية ومنها ما تم تدميره كسورية والعراق ومنها ما تم تحييده كمصر تماما ومنها ما يمكن العودة إليه بضربة في مرحلة غفلة… المهم ان مرحلة التجميد والإرباك في الوطن العربي اكتملت والباقي فقط سيكون عبارة عن رتوش.

بعد هذه الموجة تم تكسير البلد العربي المحوري الى اثنيات مختبئة وأيديولوجيات متفجرة ومدمرة وبعد ان تم إسقاط العراق في مستنقع الاقتتال الداخلي كان التوجه الى الخطوة الأخرى المتمثلة بالضربة الواسعة تحت غطاء الربيع العربي مستغلة ظروفا معيشية وعلى صعيد الحريات السياسية تمر بها الشعوب العربية وفي ظل هذه الموجة التي بدأت من سقوط العراق تم ترحيل أكثر من 17 مليون عربي وقتل أكثر من 3 مليون عربي وتدمير حواضر العرب الموصل وحلب وحماة وحمص الأنبار وسواها وإهدار ثروة العرب خلال سنوات سبع عشرة  وتدمير إرثهم الحضاري في تدمر وبابل وسوى ذلك من تدمير لإمكاناتهم وقدراتهم .

انتهت تلك المرحلة لتفتتح الإدارة الأمريكية مرحلة جديدة تماما فالآن هناك الإستراتيجية الواضحة المكشوفة لإشعال العالم الإسلامي كله فبعد ان كان الدور الأمريكي خفيا في الانقلاب على حكومة أردوغان انكشف الأمر في دعم الانفصاليين الأكراد لإحداث الفوضى المسلحة المرهقة في تركيا وفي إيران تم الدفع بمجموعات مسلحة في مناطق حدودية تقوم بأعمال عنف محاولة تشكيل بؤرة لتفجيرات واسعة وفي ظل هذا التوجه تم استدعاء قوى مسلحة معارضة تتخذ قياداتاها من عواصم الغرب مستقرا لها.. والآن يرتفع الصوت في البيت الأبيض ضد باكستان والتهديدات ضدها من قبل الإدارة الأمريكية بعد ان قدمت باكستان خدمات جليلة للقوات الأمريكية في أفغانستان ولقد سمحت الأجهزة الأمنية الباكستانية ضمن تنسيق استراتيجي امني مع الأمريكان لوجود قواعد أمنية للأمريكان في المنطقة ومشاركة الأمريكان في ملاحقة طالبان واحتلال أفغانستان بل وتقديم العون في كل المجالات للأمريكان.

محاولة الإفلات:

باكستان وايران وتركيا.. محاولة إفلات من الاحتواء المزدوج الأمريكي فمن متابعة تفصيلات الجوانب العديدة العسكرية والاقتصادية والكتلة السكانية كما تروج وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الأمريكية يبدو أن هناك ثلاث دول إسلامية في دائرة الاستهداف بعد ان اقتنعوا بانهم انتهوا من تفتيت الفعل العربي والقدرة العربية.. 

ثلاث دول إسلامية كبيرة بموقع حساس في جوهر التحدي تعرضت لموجات من التغريب والعلمنة القهرية ولكنها تمكنت مع الزمن الى إحداث تراكم قوة في مجالات عديدة فلقد تمكنت باكستان من صناعة القنبلة الذرية كما تمكنت ايران من انتزاع حقها في مفاعلات نووية وتمكنت تركيا من إحداث قفزات اقتصادية هائلة واستطاعت ان تعزز خيارات الانتماء الى الأمة.

والخطير في الموضوع ان هذه الدول تتحرك لتكون جزءا من طريق الحرير أي المشاركة في الاقتصاد العالمي المناهض للاقتصاد الامبريالي وهذه خطورة حقيقية حتى الان لا تتضح معالم الخطة الأمريكية في مواجهتها.

الإستراتيجية الأمريكية تعود من جديد الى مواجهة خطرين حقيقيين الخطر الأول في كوريا الشمالية والصين وروسيا وهذا يعيد الحرب الباردة من جديد ويمثل خطرا امنيا واقتصاديا والخطر الثاني تحرك الدول الإسلامية الثلاثة الى اخذ ادوار إقليمية أساسية ومحاولاتها لان تكون هي من يقرر مصير المنطقة وخريطتها السياسية وهنا سترتفع حدة التصادم مع الإدارة الأمريكية القادمة مما يفرض نوعا من التنسيق والتعاون بين الدول وتنسيقا استراتيجيا مع الروس والصين من ناحية أخرى.

للأسف وقفت المنظمات العربية الإقليمية عاجزة عن رسم معالم طريق لخروج العرب من الكارثة ووقف النظام العربي يشتغل مع الأمريكان بالمقاولة او المياومة.. وكل منه يجري عله يحظى باتصال مع الرئيس الجديد.. 

ان حكامنا يلهثون في الهامش وفي الوقت الضائع فيما الرئيس الأمريكي يسير وفق رؤية وخطة في جوهرها لا تختلف مع رئيس آخر.. التنافس بين الحزبين الكبيرين هو في دائرة تسيد أمريكا على العالم لذا لن ينجو الحكام السعوديون ولا الإماراتيون ولن يفلح الساسة الفلسطينيون في أخذ شيء من بايدن.. سيبقى الكيان الصهيوني هو القوة المتفوقة في المنطقة ولن يتراجع عن الاستيطان ولن يلتزم بأي اتفاق.. مرحلة صعبة بلاشك قادمة على مصر والإمارات والسعودية والنجاة فقط في وحدة الموقف العربي والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك