تركيا من دوار الجغرافيا إلى دوار الاختيارات

عثمانية

بقلم: صالح عوض

علمانية متوحشة حلّت محل عثمانية عريقة، فألغت حرفها ونسخت هويتها، وترجمة أذانها، ودفعت بعلاقاتها التاريخية إلى مضيق البوسفور.. انقلاب كوني: نهاية تاريخ وبداية تاريخ، هكذا أرادها الغربيون، فلقد تمكّن الفرنجة أخيرا من إسقاط الخلافة، وتقاسم أراضيها، وتمزيق رايتها الى رايات عديدة، وكانت الحرب العالمية الأولى بجيوش روسيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا تطوق البلاد بحرا وبرا ويصر قادة الحملة أن يوقع الخليفة على التنازل عن فلسطين التي فرطت بها الثورة العربية الكبرى المناهضة للخلافة.. ويقبض الخليفة يده ولن تفتح قبضته حتى تسقط الخلافة ولم يسمعوا منه إلا ما يسوؤهم.. سبعون عاما فعلت العلمانية بتركيا ما فعلت وكادت تمسح ذكراها في الوجدان الإسلامي وألقت بها في الحلف الأطلسي.. إلا ان أصوات العودة إلى الذات علت نبرتها فحاولوا اغتيالها مع إعدام عدنان مراد رايس  والانقلاب على أربكان الفيلسوف.. والآن لحظة الحقيقة فهل تحسم تركيا خياراتها؟ إنها على مفترق طرق!! خطوات حذرة وملتبسة!!؟

البعد الجيواستراتيجي:

بيد تمسك أطراف آسيا وبالأخرى بدايات أوربا، لها من آسيا تاريخ حضاري يضرب عميقا يجعلها بدايات الشرق، ولها من أوربا حيوية وجدية تفتح الباب واسعا على المدنية، تغرب أحيانا فنظنها ركبت سفينة الصليبيين، وتشرق حينا فنظنها تحرك مفاتيح القدس.. تتكئ على تاريخ إمبراطوري ظلت فيه إسطمبول دوما تناطح السحاب، ولطالما كان إشعاعها يشد إليها بلادا من آسيا وأوربا فتكون هي العاصمة الكبرى.. مسافة لا تقاس فقط بفارق الزمن بين السلطان عبدالحميد وطيب رجب أردوغان الذي يراه البعض أداة للحلف الأطلسي لتخريب الأمة وتدمير كياناتها ويراه البعض بداية استعادة الخلافة ونهضة الإسلام.. في المساحة بين الرؤيتين صراع ودم.. نريد أن نقرأ المشهد من خارج رؤية المستقطبين.

أخذ الموقع الإستراتيجي لتركيا تميزه خلال الخمسة قرون الأخيرة على الأقل حيث كانت إسطمبول أهم العواصم العالمية والتي حجز السير في فلكها كثير من الأقطار في آسيا وإفريقيا وأوربا ضمن الامتداد العثماني رضا أو غصبا، وكانت طيلة قرون تعتبر لدى الغربيين إمبراطورية المسلمين وموحدتهم والمدافعة عنهم.. ولهذا جاءت الحرب العالمية الأولى لتكسيرها وتوزيع ممالكها على الغرب فكانت أسوأ النتائج: تنفيذ مخطط “سايكس بيكو”، وتنفيذ وعد “بلفور”، وعلمنة تركيا وتغيير دستورها ووجهتها بالقوة الخارجية الغاشمة.. يتميز هذا الموقع كممر بحري يخترق البحر الأسود وبحر القوقاز والبحر المتوسط.. ومن هنا يأتي النظر إلى دورها المحوري في الحزام الممتد من وسط أوروبا حتى تخوم الهند و روسيا وهي باعتبارها ممرا احتياطيا لإمدادات النفط والغاز من دول آسيا الوسطي لأوروبا بخط (جيهان – باكو) تعتبر بديلا عن الخط الروسي الممتد عبر أوكرانيا.. كما أنها كانت يمكن ان تكون ممرا للغاز القطري نحو أوربا الأمر الذي قد يلحق خسارة عظمى بالاقتصاد الروسي ولعل هذا أحد أسباب الأزمة السورية الرئيسية.. هذا البعد الجيواستراتيجي لتركيا أعطاها ميزة تنافسية عالية في علاقاتها الإقليمية والدولية.

التطور الاقتصادي: 

قفزت حكومة العدالة والتنمية برئاسة أردوغان بترتيب البلاد من المرتبة 111 إلى المرتبة 13 اقتصاديا على مستوى العالم بالنظر إلى الناتج المَحلّي الإجماليّ حيث بلغت قيمته نحو 2,186 تريليون دولار في عام 2017م.. وقد تخطى حجم الاستثمارات الأجنبية في تركيا 201 مليار دولار خلال السنوات الـ16 الماضية، وبلغت الصادرات 168.1 مليار دولار حسب إحصائيات 2019..وتطمح تركيا الدخول إلى نادي العشرة الكبار وفقا لرؤية 2023 التي توافق احتفالات الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية، حيث ستتخلص تركيا من جملة قيود تمس سيادتها في عناصر أساسية كتحالفاتها ودستورها واستخراج ثرواتها فرضت عليها من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، تتحرك تركيا مستهدفة رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من تريليوني دولار، وأن يتمكن التركي من الذهاب إلى 197 دولة بدون تأشيرة، وأن يرتفع معدل دخل الفرد إلى 30 ألف دولار سنوياً.. ، هذا وقد حققت البلاد نجاحاً مهماً من خلال تخفيض عجز التجارة الخارجية إلى 55 مليار دولار”.

ومن أبرز العوامل الرئيسية التي تساهم في تحقيق حلم تركيا 2023، تدشين مجموعة من المشاريع الكبرى، بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، أبرزها (مطار إسطنبول الثالث، قناة إسطنبول، الجزر الصناعية، محطة أق قويو النووية، المدن الذكية).. هذا بالإضافة إلى شبكة السياحة واسعة الانتشار في التراب التركي.

العلاقة مع الأمريكان:

 بالنظر إلى منعطف العلاقة الأمريكية التركية نرى أنه هو المجال الذي سمح لتركيا ان تتحرر قليلا من القيود المفروضة عليها، ولكن هذه العلاقة لم تتم بدون ثمن بل لعل الثمن كان باهضا.. بدأت العلاقة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بارتباط تركيا بالولايات المتحدة عام 1947 للتصدي لتهديدات الاتحاد السوفيتي خلال العقود الأربعة التالية.وانضمت تركيا إلى الناتو عام 1952، وبموجب تلك العلاقة تعززت علاقة تركيا بالكيان الصهيوني واستضافت تركيا قاعدة “إنجرليك” الجوية للقوات الجوية الأمريكية، التي كان لها دور فاعل أثناء الحرب الباردة وكذلك حرب الخليج ومؤخرا الحرب على العراق.

وبعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، زادت أهمية تركيا فيما عُرف بـ”الحرب علي الإرهاب” حيث وضعت تركيا فورا أراضيها ومجالها الجوي تحت تصرف القوات الأمريكية.. في مقابل ذلك كانت الإدارات الأمريكية تؤيد الموقف التركي ضد الانفصاليين الأكراد وتعتبرهم إرهابا.. ويعتبر هذا محددا استراتيجيا في التفاهمات الإستراتيجية الأمريكية التركية.. كما إن أمريكا كانت دوما تدعم السعي التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوربي.

وكانت مرحلة أوباما مرحلة مثالية للعلاقة الإستراتيجية بين الإدارة الأمريكية والحكومة التركية حيث تمت تفاهمات عميقة بخصوص المنطقة العربية و تقديم نماذج حكم في المنطقة تضمن الاستقرار وبعيدا عن “التطرف القومي والإسلامي والوطني” وكانت علاقة الحكومة التركية المتينة بالتيار الإسلامي السني العربي هي مفتاح التطور الكبير في العلاقة الإستراتيجية الأمريكية التركية هذا في الوقت نفسه الذي كان أوباما يجري مفاوضات وتفاهمات عميقة مع الإيرانيين حول الملف النووي وحجم دور إيران في المنطقة.. وذلك لخلق توازن إستراتيجي بين تركيا وإيران في ظل حالة الفراغ التي خلّفها سقوط نظام صدام حسين والفراغ العربي الرهيب.

إلا أن العلاقة بأمريكا لاسيما في مرحلة ترمب شهدت توترات من حين إلى آخر بدأت بممارسة الضغوط في باب الاقتراض التركي من الخزينة الأمريكية وقيمة الفائدة لكبح تركيا عن نشاط تراه من حقها في شرق المتوسط ضد سفن التنقيب ووصلت إلى تهديدات ترمب لتركيا بإسقاط اقتصادها.. وفعلا قد أوعز إلى أصدقائه من الحكومات العربية بسحب الودائع وإغراق الليرة التركية مما تسبب بخسارات كبيرة للاقتصاد التركي قبل أن يتعافى.

  إلا أن تركيا ظلت تمتلك القدرة الفائقة على تقديم نفسها للولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمثل الذي يمكن الاعتماد عليه في منطقة بالغة الأهمية بالنسبة لها، لذا فقد أصبحت أنقرة في شراكة إستراتيجية طويلة المدى الأمر الذي سمح لها باللعب في المربعات الدولية الخطرة انتقالا من واشنطن وطائرات F35 عندما تلكأت أمريكا عن تنفيذ الاتفاق إلى موسكو وشبكة صواريخ S400 والإسهام في صناعتها ودون خسارة كبيرة في علاقتها بالأمريكان، مما يعني أن الأتراك يدركون أهميتهم عند الآخرين فيلعبون بقدر المستطاع في كل المساحة المتاحة لهم.

العلاقة التركية العربية:

بدأ مشروع العدالة والتنمية بخطة صفر مشكلات مع الإقليم إلا انه انتهى بمشكلات مع الإقليم العربي برمته مع مصر والسعودية وسورية والعراق.. وكما خدعت أمريكا إيران فأفشلت الاتفاق النووي وأعادت إيران إلى نقطة الصفر وها هي إيران تكابد الحصار الرهيب و فشل حلفائها في العراق الأمر الذي يهدد مصالحها و نفوذها في أكبر منجزاتها الإستراتيجية كذلك تخلت أمريكا عن التزاماتها مع تركيا في مشروع الربيع العربي و تركتها في مواجهة تداعيات فشل الربيع العربي وفشل التيار الإسلامي في الوصول إلى الحكم أو فقدانه بعد الوصول مما عاد عليها بعداوات وصراعات حادة في المنطقة مع أصدقاء أمريكا.. 

بعد أن فشلت في تغيير الوضع السياسي وجدت تركيا نفسها في مواجهة عسكرية في شمال العراق وفي شمال سورية لإيقاف تمدد التمرد الكردي، وحاولت التموقع في ليبيا والسودان وقطر ولكن هذه المحاولة التعويضية تحتاج معطيات معقدة لاسيما وبعد المكان يفرض سلوكا آخر في ظل تحفز أوربي.

تواجه الحكومة التركية التحديات الداخلية فيما يحسب لها ترسيخ الديمقراطية وإبعاد شبح الانقلابات وإطلاق التنمية بوتيرة تصاعدية أفشلت المخططات الأمريكية لضرب الاقتصاد التركي ولو مرحليا. و تقدم الحكومة التركية نفسها زعيمة للعالم الإسلامي السني في مواجهة ما تحاوله إيران من تكتيل للمسلمين الشيعة، ورغم أنهما تتصادمان بقوة في أكثر من ساحة لاسيما سورية والعراق إلا أنهما حرصتا على استمرار علاقات تجارية واسعة بينهما..

لقد كان دعم تركيا للمعارضة المسلحة في سورية خطأ كبيرا تسبب في هجرة 7 ملايين سوري سني، كما أن سلوكها المتطرف في الموضوع المصري أفقدها المبادرة في أن تكون عاملا وسيطا  ينقذ الإسلاميين من مأساتهم ويحافظ على علاقات مع مصر يحتاجها البلدان الكبيران فلقد ذهبت الخصومة بعيدا بينهما.. كما أن التصعيد مع السعودية أفقد تركيا مجالات من الحركة في المنطقة العربية.. و المحصلة: أن الحكومة التركية تجد نفسها في عداوات وتوجس من الدول العربية مشرقا ومغربا وان كانت قد وثقت علاقاتها مع الحركات الإسلامية العربية التي تجد في اسطمبول المقر الآمن بالإضافة الى تواجد ملايين العرب السوريين والعراقيين وجاليات عربية عديدة حيث تم نقل مال شعبي ضخم في أسواق العقارات والمصانع المتوسطة.. هنا ليس مجال للحديث عن المبادئ إنما عن السياسة البراغماتية للدولة والتي تعتمدها تركيا. 

 وفي الشأن الفلسطيني صحيح أن هناك حميمية في التعامل مع الفلسطينيين وهو أمر غير مسبوق من أي حكومة تركية سابقة وهو جسر عبور لمحبة العرب ولكن المطلوب أكثر بكثير من أجل فلسطين والقدس ووحدة الفعل الفلسطيني وهو لا يتأتى إلا بعلاقات تركية عربية تكون الأساس لموقف إسلامي فاعل.

كلمة استنتاجية:

صحيح إن الدولة التركية ذات علاقة متعددة الأشكال مع الكيان الصهيوني لكنها ليست علاقة وليدة مع حزب العدالة والتنمية إنما هي علاقة منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وتركيا مقيدة بواقع امني وعسكري في الحلف الأطلسي وعلاقة إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن غير المعروف كيف يمكن لتركيا التخلص من قيود العلاقة بالكيان الصهيوني ومن قيود الحلف الأطلسي؟ وهل تستطيع تركيا ان تتحرك في مجالها الحيوي دون غطاء من الأطلسي؟ أن هذا الترابط في العلاقات مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ليس مضمون الاستمرار الأمر الذي سينتج عن التوتر فيه اضطراب عجلة التنمية في تركيا، ففي لحظة ما يمكن ان تصنع أمريكا تعقيدات لتركيا كما جربت أحيانا، ولعل المتابع للإعلام الصهيوني يجد أن التوجس الصهيوني متنامي تجاه تركيا التي بدأت تفصح عن جوهر موقفها من القضية الفلسطينية وملف القدس، ويكاد الأمر يصبح معلنا عنه ان التهديد التركي والإيراني يمثلان في قائمة العداء للكيان الصهيوني..فهل تملك تركيا من الجدية ما يكفي لقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني؟ وتركيا تدرك ان ذلك سينعكس على مجمل علاقتها مع الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية.. ثم هل يمكن لتركيا أن تفك ارتباطها البنيوي بالمشروع الغربي في المنطقة؟ من المؤكد أن حسابات تركية الى حد ما دقيقة فيما يخص مصلحتها.. ولكن السؤال هل تركيا جادة في أن تكون جزءا من مسار عمقها الاستراتجي الحقيقي.. هنا تكبر الأسئلة وتكثر ويولج التحدي الكبير وستجد تركيا نفسها إما إلى العرب أو إلى الغرب ولن يمنحها الآخرون وقتا طويلا للتعبير.

 ولعل الأتراك يدركون أن الاقتصاد التركي قد تطور في ظل رضا أمريكي، فهو لهذا يظل تحت طائلة التهديد الأمريكي، ومن هنا فإن تركيا والعرب بحاجة لعلاقات متينة و عميقة تكافؤية تتجاوز المصلحة الآنية والجزئية ليس فقط بدافع أخلاقي وتاريخي وهو أمر مهم وإنما أيضا بدافع الأمن القومي العربي والتركي والمصلحة الحقيقية للعرب والترك ولمستقبل الأمة.. فكما أن العرب يحتاجون قوة تركيا في تبادل تجاري ومواقف سياسية فإن تركيا تحتاج بلا شك العرب لثرواتهم وموقعهم و ليس من الحكمة أن يغريها غيابهم الراهن عن مسرح الأحداث لأنها كما إيران ستخسر التعاطف العربي، ولن يقبل العرب بأن تصبح بلدانهم مجال تنافس للنفوذ الإيراني التركي.. هذه حسابات دقيقة، يجب الانتباه إليها من أجل مستقبل أمتنا.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك